_
قطاع التعليم.. مقارنة مشروعة
نوار الدمشقي نوار الدمشقي

قطاع التعليم.. مقارنة مشروعة

خبر ملفت جرى تداوله عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً يقول بأن «فنلندا تلغي التعليم الخصوصي لضمان المساواة بين جميع المواطنين في التعليم»، ومع تداول هذا الخبر محلياً، ترافقاً مع بداية العام الدراسي، جرت عفوياً عمليات المقارنة مع أنظمة التعليم المطبقة بمراحلها المختلفة (الحضانة- التحضيري- الأساسي- الثانوي- الجامعي- الدراسات العليا).

وجه المقارنة لم يكن على مستوى مفردات العلمية التعليمية وتبويباتها وتفرعاتها وصولاً إلى غاياتها وأهدافها الاقتصادية الاجتماعية، ارتباطاً بالحاضر والمستقبل فقط، بل على مستوى الأرضية الحقوقية والقانونية والدستورية في سورية التي تؤكد على حق المواطن بالتعليم المجاني، بمقابل ما هو قائم على أرض الواقع من انتهاك لهذا الحق، في ظل سياسات الخصخصة المبطنة والمعلنة في قطاع التعليم.

من الحق المُصان للترهل والتراجع

الدستور السوري كفل حق التعليم المجاني للمواطنين. والتعليم بحسب القرارات والتعليمات الصادرة بشأنه، استناداً للحق المُصان دستورياً إلزامي ومجاني في مرحلة التعليم الأساسي، فيما يصبح غير إلزامي في مرحلة التعليم الثانوي مع استمرار مجانيته، وفي المرحلة الجامعية غير إلزامي مع فرض رسوم رمزية مقابله.
بالمقابل، إن التعليم الخاص موجود ومنظم ومقونن، وهو متوفر ومتاح بكافة المراحل الدراسية، بالإضافة إلى هو سائد من أشكال تعليمية أخرى بالاعتماد على الدورات الخاصة والدروس الخصوصية وغيرها من تبويبات تدخل تحت عناوين تطوير المهارات.
فمع موجة السياسات الليبرالية التي تم اعتمادها والعمل بها حكومياً منذ عقود، جرى ويجري تقليص الدعم على قطاع التعليم الحكومي كما غيره من قطاعات الدولة الأخرى. وفي ظل قوانين الاستثمار التي صدرت استناداً لهذه السياسات، وجرى تعزيز دور القطاع الخاص على حساب قطاع الدولة في كافة المجالات، بما في ذلك على مستوى قطاع التعليم.
والنتيجة، أن قطاع التعليم الحكومي والمجاني افتراضاً والمُصان دستوراً، دخل في مرحلة الترهل والتراجع، بالتوازي مع المنافسة مع القطاع الخاص، وخاصة بمراحل الدراسة الأساسي والثانوي، وزيادة حصة الدروس الخصوصية بهاتين المرحلتين، بالإضافة إلى ما تم إدخاله من أنظمة تعليم حكومية مأجورة في مرحلة التعليم الجامعي (الموازي- المفتوح- الافتراضي).

الطبقية الفاقعة

لن نخوض بمشاكل العملية التعليمية والصعوبات التي تواجه المعلمين والإدارات والتلاميذ والطلاب وذويهم والقطاع التعليمي عموماً، فقد جرى الحديث عن تفصيلات هذه المشاكل والصعوبات الخاصة بكل منها مراراً وتكراراً، لكن ما سنقف عنده هو الحق بتكافؤ الفرص بين المواطنين على مستوى الحق بالتعلم، استناداً لما نص عليه الدستور، وما آل إليه الحال من انتهاك لهذا الحق على أرض الواقع.
فواقع الحال يقول: إن السياسات التعليمية المعمول بها، بالتوازي مع بقية السياسات الليبرالية المحابية لكبار أصحاب الثروة والفاسدين، فرضت إيقاعها على قطاع التعليم والعملية التعليمية، حيث أصبحت فرص التعلم يوماً بعد آخر متاحة لمن يملك المال والثروة، وهم النخبة القليلة المحظية بالثراء المدعومة والفاسدة، بينما تتقلصت هذه الفرص تباعاً أمام من لا يملك من الغالبية المسحوقة من عامة المواطنين الباحثين عن لقمة العيش، ولعل النزف والانقطاع عن التعلم مؤشر واضح على هذا المستوى، وخاصة في مراحل التعليم الثانوي والجامعي، أي أن مبدأ تكافؤ الفرص على هذا المستوى الهام جرى خرقه، كما جرى خرق وتجاوز الدستور فيه.
ولعل الكارثة تبدو أعمق بكثير عندما يتم الحديث عمّا يتبع العملية التعليمية نفسها من بوابة فرص العمل المتاحة استناداً إلى الإمكانات التعليمية، أي إن الغالبية الساحقة من المواطنين المفقرين ستخرج تباعاً من بعض قطاعات العمل التي تحتاج للتأهيل العلمي، بحيث تصبح هذه القطاعات حكراً على هذه النخبة الثرية والفاسدة دون سواها، مع ما يعنيه كل ذلك من فرص أوسع للتحكم بالإدارات وبالقرارات الاقتصادية والاجتماعية بل والسياسية، بما يعزز ويعمق دور هذه النخبة المحظية ولمصحلتها كشريحة طبقية على حساب مصالح بقية الشرائح والطبقات في المجتمع، وهو ما جرى ويجري تباعاً.

الضرورة الوطنية

على ذلك تبدو العودة إلى الخبر المتداول أعلاه تحمل الكثير من الدلالات على مستوى المقارنات المشروعة مع مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة ومآلاتها، وكيف تسير السياسات التعليمية في بلدنا خارج الدستور والحقوق، بل وخارج سياق المصلحة الوطنية، كما غيرها من السياسات.
أخيراً، يمكننا القول إن ضروراتنا واحتياجتنا الوطنية، وخاصة في المرحلة الراهنة، تقتضي وتفرض إجراءً شبيهاً بالإجراء الفنلندي، مع الحفاظ على خصوصيتنا، وربما ليس على مستوى القطاع التعليمي فقط، بل وعلى كافة القطاعات والمستويات الأخرى.

معلومات إضافية

العدد رقم:
929
آخر تعديل على الإثنين, 02 أيلول/سبتمبر 2019 12:38