_
سمير علي سمير علي

مواسم واعدة بالحقل وخسائر في البيدر!

الأشهر الحالية تعتبر أشهر جني العديد من المحاصيل الهامة (الحمضيات- العنب- البصل- الزيتون..)، ولكل منها همومه بالنسبة للفلاحين، وخاصة على مستوى التسويق والتسعير، والخسائر المتوقعة نتيجة الفارق بين التكلفة والجهد مع السعر النهائي لإجمالي الموسم، فحسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر بالنسبة لهؤلاء الفلاحين منذ سنين. 

المشكلة الأساسية المزمنة بالنسبة للفلاحين والمزارعين يمكن اختصارها بالفارق بين تكاليف الإنتاج المرتفعة والعائد الاقتصادي المرتبط بالأسعار والتسويق، والخسائر السنوية المتراكمة كعبءٍ كبيرٍ على كاهل هؤلاء، ونتائجه المباشرة على مستوى معيشتهم التي تزداد تردياً.

صعوبات موسم الحمضيات على حالها

تتصاعد مخاوف الفلاحين مع اقتراب موسم الحمضيات ومواعيد قطافه حيال صعوبات التسويق المعتادة، ومن الخشية من وقوعهم ضحايا لعوامل الاستغلال ممن لا يرحم من التجار والشقيعة والسماسرة ومن الخسارات المتوقعة كما كل موسم.
فمع نهاية الشهر الحالي تبدأ عمليات جني الثمار بحسب درجة نضجها، وبحال لم يتم اتخاذ إجراءات تسويقية لكامل محصول هذا الموسم، فإن الفلاحين على موعد مع خسائر متجددة هذا العام لتتراكم مع خسائرهم خلال المواسم السابقة، حيث لم يرشح جديد هذا العام يخفف عن الفلاحين وطأة التخوف والخشية المشروعة.

موسم واعد ومشاكل معهودة

بيّن مدير مكتب الحمضيات في وزارة الزراعة في تصريح لسانا الأسبوع الماضي حول التقديرات الأولية للإنتاج أن: «كمية الإنتاج مقاربة للموسم الماضي وهي تتجاوز المليون طن، منها أكثر من 200 ألف طن في طرطوس، ونحو800 ألف طن في اللاذقية.. ويشكل البرتقال أكثر من 60% من الإنتاج».
وأكد على: «ضرورة توفير متطلبات التصدير للأسواق العالمية وخاصة إقامة مشاغل فرز وتوضيب تعتمد الفرز الإلكتروني أو الضوئي الذي يضمن فرز الثمار حسب اللون والحجم ويضمن خلوَّها من الآفات، أو الكدمات التي لا يمكن للعين البشرية ملاحظتها»، مضيفاً: «المشكلة الأخرى التي يعانيها المحصول وهي عدم وجود معامل للعصائر في الساحل السوري تستهلك قسماً من الإنتاج».
تصريح مدير الحمضيات أعلاه يؤكد المؤكد عملياً على مستوى ما يعانيه الفلاحون سنوياً، حيث تتجذر المشكلة بالتسويق والتصدير وبعدم وجود معمل عصائر، أي: من المتوقع أن نشهد هجر المزيد من الأراضي الزراعية المترافقة مع قطع المزيد من الأشجار تمهيداً للاستبدال بزراعات أخرى، لتكون النتيجة خسائر على مستوى الاقتصاد الوطني.

الكرمة نحو الاستبدال أيضاً

مزارعو العنب حالهم ليس بأفضل من حال مزارعي الحمضيات، على الرغم من وجود معملين في كل من حمص والسويداء تستقبلان جزءاً من الإنتاج السنوي ارتباطاً بمعايير قياس درجات الحلاوة السكرية في المنتج، فيما تخضع كميات الإنتاج المتبقية لعمليات البيع المباشر من الحقل لتاجر الجملة غالباً.
تحتل محافظة السويداء عادة المركز الأول على مستوى القطر بإنتاج العنب، حيث يقدَّر الإنتاج السنوي فيها بين 30- 60 ألف طن، وذلك طبعاً مرتبط بالظروف والشروط الجوية باعتبار أن زراعة هذا الصنف من الزراعات البعلية في المنطقة.
وفي هذا السياق، نشير إلى ما صرح به مدير عام الشركة السورية لتصنيع العنب في السويداء بتاريخ 28/8/2019 عبر سانا بأن: «خطة الشركة للعام الحالي تقضي باستلام نحو 8 آلاف طن من العنب ومن المتوقع استلام بين 3 و4 آلاف طن حسب الكميات المتوقع إنتاجها».. مشيراً إلى أنَّ «اللجان المشكلة ستبدأ جولاتها في مناطق زراعة العنب لقياس درجات الحلاوة السكرية متوقِّعاً أن يبدأ توريد العنب إلى المعمل منتصف الشهر القادم».. مؤكداً أن: «عملية تسديد أثمان العنب ستبدأ للمزارعين فور تسليم المحصول بحسب توفر السيولة وبسعر 110 ليرات للكيلوغرام الواحد على أن تقوم هيئة تنمية ودعم الإنتاج المحلي والصادرات بتقديم الدعم المقرر البالغ 15 ليرة للكيلوغرام الواحد ليصبح ثمن الكليو 125 ليرة».
فزراعة الكرمة أيضاً أصبحت خاضعة للاستبدال بأنواع أخرى، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج بالمقارنة مع العائد الاقتصادي المحقق منها، والخسائر التي يتكبدها المزارعون بالنتيجة على حساب معيشتهم واحتياجاتهم الضرورية.

موسم البصل مربح للتاجر

بحسب سانا بتاريخ 25/8/2019: «قدرت مديرية الزراعة في حماة إجمالي إنتاج الأراضي الواقعة في مجالها من البصل الأحمر للموسم الحالي بنحو 9848 طناً».. وبين رئيس دائرة التخطيط والتعاون الدولي في مديرية زراعة حماة أن: «البصل الأحمر يُعد من المحاصيل الزراعية التي يشتهر بها ريف المحافظة.. ولاسيما في منطقة سلمية التي تعد المنطقة الأنسب لهذه الزراعة، مشيراً إلى أن زراعة البصل تشهد إقبالاً متزايداً في المحافظة حيث بلغت المساحة الفعلية المزروعة 5241 دونماً»..
وبحسب سانا بتاريخ 27/8/2019: «بلغت المساحة المزروعة بمحصول البصل خلال الموسم الحالي في الحسكة 1240 هكتاراً متجاوزة المساحة المخططة للزراعة البالغة 997 هكتاراً».. وبين رئيس دائرة الإنتاج النباتي في مديرية الزراعة أن: «البصل من المحاصيل الزراعية الصيفية المهمة والرئيسة في عدد من مناطق محافظة الحسكة.. مشيراً إلى أنّ الإنتاج المتوقع لهذا الموسم يبلغ نحو 6200 طن»..
يعتبر محصول البصل من المحاصيل التي يتم تسويقها في الأسواق المحلية بشكل عام، وهي عملية قائمة على العلاقة المباشر بين المزارع وتاجر الجملة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن بعض الإنتاج يتم تخزينه للمونة، سواء من قبل المواطنين لاستهلاكه اللاحق، أو من قبل التجار لطرحه في الأسواق خارج الموسم لتحقيق المشرابح الإضافية، أما فائض الإنتاج فهو يذهب إلى شركة تجفيف البصل في مدينة سلمية.. لذلك لا يبدو مستغرباً أن تزيد المساحات المزروعة بهذا الصنف الزراعي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تكاليف إنتاجه هي الأخرى تعتبر مرتفعة كما غيره من المحاصيل، وبالتالي، فإن العلاقة القائمة بين المزارع والتاجر المسوق لا تخرج عن حيّز الاستغلال على حساب هؤلاء المزارعين.

الزيتون والزيت بعهدة المستغلين

بحسب سانا بتاريخ 21/8/2019: «تشير إحصاءات وزارة الزراعة إلى وجود نحو 82 مليون شجرة زيتون مثمرة».. «وتوقعت وزارة الزراعة زيادة بإنتاج الزيتون وزيته للموسم الحالي عن الموسم السابق».. وأوضح مدير الإنتاج النباتي في وزارة الزراعة أنه: «رغم انخفاض الإنتاج فقد تم تأمين حاجة الاستهلاك المحلي للزيتون وزيت الزيتون، إضافة إلى تصدير كميات من الزيت إلى الأسواق الخارجية، وتحقيق عائد اقتصادي جيد».. وقد بيّن مدير مكتب الزيتون في وزارة الزراعة أن: «تقديرات إنتاج الموسم الحالي من الزيتون تصل إلى 830 ألف طن من الثمار و150 ألف طن من الزيت و300 ألف طن من مادة البيرين».. وأضاف: «ما زال إنتاجنا من زيت الزيتون يغطِّي حاجتنا المحلية، ونصدر إلى دول أخرى بكميات جيدة نسبياً.. مشيراً إلى تصدير نحو 30 ألف طن من زيت الزيتون إلى 33 دولة عام 2018».
هذا المحصول وبرغم أهميته وأعداد أشجاره الكبير والمساحات الواسعة المزروعة به، إلا أنه بعيد كل البعد عن الدعم، فتكاليف رعايته وإنتاجه وقطافه وتسويقه وعصره تعتبر مرتفعة على الفلاحين، وهذا المحصول كما غيره يخضع بالنتيجة للاستغلال من قبل التاجر وصاحب المعصرة، والأهم من قبل المصدِّرين الذين يتقاضون الدعم لقاء عمليات التصدير فيما لا يصل هذا الدعم إليهم.

المزارعون من سيّئ إلى أسوأ

المواسم أعلاه برغم أهميتها على مستوى كمّ الإنتاج، وتغطية الحاجة المحلية للاستهلاك، وعلى مستوى التصنيع المحلي لجزء منها بما يحقق قيمة مضافة إليها، وعلى مستوى عمليات التصدير، إلا أن واقع حال الفلاحين والمزارعين لهذه المحاصيل من سيّئ إلى أسوأ على مستوى الخسائر المتراكمة سنوياً، وعلى مستوى معيشتهم التي تزداد تدهوراً، وعلى مستوى تزايد هجرة الزراعة والأرض أو استبدالها بزراعات أخرى، مع كل ما يمكن أن يتم حصاده على المستوى الاقتصادي العام جرّاء ذلك بالنسبة للكفاية بما يتعلق بالأمن الغذائي ارتباطاً بالاقتصاد الوطني عموماً، ومع ذلك ما زالت السياسات الزراعية على حالها من التراجع المطرد على مستوى دعم الإنتاج الزراعي بشكل عام، اعتباراً من تكاليف الإنتاج وتوفير مستلزماته، وصولاً إلى آليات التسويق والتصدير، المرتبطة افتراضاً بالصناعات التي تؤمّن تحقيق قيمة مضافة إلى هذا الإنتاج.

معلومات إضافية

العدد رقم:
929
آخر تعديل على الإثنين, 02 أيلول/سبتمبر 2019 13:24