الامتحان الوطني الموحد..  من الترقيع إلى المراوحة في المكان
عاصم بوظو عاصم بوظو

الامتحان الوطني الموحد.. من الترقيع إلى المراوحة في المكان

مضت سنوات على فرض الامتحان الوطني الموحد للكليات الطبية وبعض الهندسات وغيرها من الكليات كشرط للتخرج، وبرغم مرور هذه السنوات ما زالت معاناة الطلاب على حالها من أجل تجاوز هذه العقبة التي فرضت عليهم تحت مسميات وذرائع مختلفة، مؤخرة دخولهم إلى سوق العمل بحسب اختصاص كل منهم، وعقبة في وجه طموحهم المشروع على مستوى استكمال تحصيلهم العلمي.

فالامتحان الوطني الموحد ما زال بلا مقررات وكتب وبدون بنك معلومات بحسب الوعود السابقة، والطلاب أصبحوا تحت رحمة النوطات وأسئلة الدورات السابقة المتوفرة في المكتبات بعيداً عن الرقابة، ليس على مستوى الأسعار المرتفعة فقط، بل على مستوى المحتوى العلمي ودقته، بالإضافة للدورات التخصصية التي تقيمها بعص المعاهد الخاصة بأجور مرتفعة.

وعود وكلام

منذ عام 2013 كان هناك حديث عن بنك معلومات يمكن الاعتماد عليه من قبل الطلاب تمهيداً للتقدم للامتحان، وقد استمر الحديث عن هذا البنك بالإضافة للحديث عن المراجع العلمية والمناهج المعتمدة طيلة هذه السنين دون إحراز أي تقدم يذكر على هذا المستوى.
بتاريخ 20/9/2017، وبحسب إحدى الصحف المحلية، بينت د. ميسون دشاش مدير مركز القياس والتقويم في وزارة التعليم العالي أنه «تم البدء بوضع بنك أسئلة لكل اختصاص من اختصاصات (الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة والعمارة والتمريض) على أن يتم وضع ألفي سؤال لكل من الاختصاصات، إضافة إلى إصدار كتيبات مرجعية بالمعلومات الأساسية عن كل تخصص».
وبتاريخ 2/7/2019، عِبر إحدى وسائل الإعلام، أشارت مدير مركز القياس والتقويم، إلى أن «آلية اختيار الكتب وترجمتها تمت من قبل أساتذة تم ترشيحهم من مختلف جامعات القطر، فشكلوا لجنة ترجمة وتنقيح لهذه المراجع.. وبيّنت د. دشاش إلى أن ارتفاع أسعار بعض المراجع يعود للتكلفة العالية للحصول على الملكية الفكرية بالإضافة لعملية الترجمة وحقوق النشر، مشيرة إلى أن المراجع هي كتب عالمية يتم شراؤها بالدولار، ولفتت إلى أن- لاختلاف سعر الصرف وارتفاع سعر الورق والطباعة في دور النشر العالمية- دوراً في ارتفاع هذه التكاليف».

مثال عن تأخر الإنجاز

نهاية شهر آذار 2018 صدر قرار بتشكيل فرق قطاعية اختصاصية لتأليف وترجمة وإعداد الكتب المرجعية في اختصاص الصيدلة.
ومما ورد عِبر الموقع الرسمي للمركز عن الموضوع: «ضمن مهام مركز القياس والتقويم.. تم صدور قرار يقضي بتشكيل فرق من أساتذة الجامعات السورية الحكومية والخاصة للعمل على تأليف وإعداد وترجمة كتب مرجعية عالمية حديثة، تحتوي على الحد الأدنى من المعرفة والمهارات المطلوبة لخريجي كليات الصيدلة في الجامعات السورية، وكذلك تساعد طلاب هذه الكليات في الإعداد والتحضير لامتحان الصيدلة الموحد قبل التخرج. وقد حدد المركز موعداً لإصدار الكتب في مطلع أيلول القادم..».
وقد مضت حتى الآن تسعة أشهر على موعد إصدار الكتب المرجعية بحسب القرار أعلاه، ومع ذلك لم ترَ النور حتى تاريخه!.

تحت تسمية «إصدارت»

أصدر مركز القياس والتقويم خلال السنوات الماضية عدة كتيبات إلكترونية تحت عنوان «دليلك لاجتياز الامتحان الطبي الموحد» وذلك بحسب الكليات، وهو عبارة عن بعض التعليمات، كما أصدر كذلك نماذج امتحانية إلكترونية بحسب الاختصاصات، وهي عناوين عامة جداً.
ومن موقع مركز القياس والتقويم الرسمي، وتحت عنوان فرعي باسم «إصدارات المركز» كانت هناك عناوين الكتب التالية: (أساسيات الطب الباطني- الوجيز في سريريات طب العيون- الأساسيات في الهندسة المعلوماتية- أساسيات في التوليد وأمراض النساء- الواضح في طب الأطفال) بواقع خمسة كتب مرجعية.
أي أن ما تم إنجازه منذ عام 2012، تاريخ إحداث المركز، وحتى الآن عبارة عن أربعة كتب مرجعية للطب البشري، وكتاب واحد لهندسة المعلوماتية، ولا ندري متى من الممكن أن تستكمل المراجع لكافة الكليات، ومتى سيتم تنفيذ الوعد بوضع واعتماد بنك المعلومات كمرجع لخوض الامتحان الوطني المفروض.

بعيداً عن المديرية المعنية ودورها

أما الملفت بالإعلان عن الكتب أعلاه عِبر الموقع الرسمي هو أن الحصول عليها يتم عبر تحويل السعر المعلن لحساب «مركز المنار للكتاب» المفتوح لدى المصرف التجاري السوري، وهذا المركز عبارة عن وكيل خاص لبعض دور النشر الدولية، وموزع لدور نشر دولية أخرى، مركزه دمشق وله فروع في كلٍ من حلب وحمص، ما يعني: أن ما تمت تسميته إصدارات لمركز القياس والتقويم ما هي إلا كتب متوفرة في «مركز المنار للكتاب» أو تم الاتفاق معه على تأمينها باعتباره وكيلاً أو موزعاً لها، طبعاً مقابل هوامش ربح متفق عليها من كل بد.
وعن أسعار الكتب فقد كانت بحسب التالي: 5000 ليرة لكتاب «الوجيز في سريريات طب العيون»، و8000 ليرة لكتاب «أساسيات في التوليد وأمراض النساء»، وبقية الكتب بسعر 10000 ليرة، ولا ندري ما ستكون عليه قائمة الكتب المعتمدة لاحقاً كمراجع، سواء على مستوى من سيؤمنها، أو على مستوى سعرها.
طبعاً، ذلك يعني: أن مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، سواء التابعة لوزارة التعليم العالي، أو التابعة للجامعات، لا علاقة لها بالإصدارات أعلاه، وتم تحييدها عن مهامها بما يخالف قانون الكتب والمنشورات الجامعية رقم 39 لعام 2001 الناظم لعمل هذه المديريات، حيث نص القانون في مادته الرابعة على ما يلي:
‌»تُحدَث في الوزارة وفي كل من جامعات الجمهورية العربية السورية مديرية باسم «مديرية الكتب والمطبوعات» تتولى عمليات طباعة الكتب والمراجع ونشرها توزيعها وبيعها للطلاب أو لغيرهم وفقاً للقواعد والأسس المنصوص عليها في هذا القانون».

المدخلات والمخرجات كل في واد

نشير بهذا الصدد إلى أن قياس مخرجات التعليم، بحسب الترويج الرسمي، عِبر فرض هذا النمط من الامتحان الوطني الموحد، ووفقاً لهذا الأسلوب المتبع منذ سنوات وحتى الآن، لم ولن يحقق الغاية المطلوبة منه، اللهم باستثناء اعتباره عبئاً دراسياً مضافاً، وعائقاً جديداً أمام الخريجين لتأخير انخراطهم في سوق العمل، وكابحاً لاستكمال التحصيل العلمي للبعض منهم.
فقياس المخرجات بعيداً عن المدخلات، بما فيها مدخلات الامتحان الوطني نفسه في ظل عدم توفر المراجع والمناهج وبنوك المعلومات، ما هو إلا إعاقة إضافية وُضعت أمام هؤلاء الخريجين رغماً عنهم.
فموضوعة المدخلات في العملية التعليمية متشعبة جداً وهي ليست مسؤولية الطلاب الخريجين بقدر ما هي مسؤولية السياسات التعليمية والقائمين عليها بمختلف مراحلها (المناهج والكتب- الكادر التدريسي والإداري- طرق التعليم- الأجور والتعويضات، المستلزمات التعليمية- القاعات الدراسية والمخابر- أعداد الطلاب- الامتحانات وسلالم التصحيح، وغيرها الكثير من التشعبات الأخرى التي من المفترض تداركها واستدراكها في مختلف مراحل التعليم (أساسي- ثانوي- جامعي)، وعلى هذا المستوى لعل الإمكانات الخاصة لكل من الخريجين الذين فرض عليهم الامتحان الوطني الموحد تعتبر الحلقة الأضعف بكل هذا التشعب، علماً أنهم يعتبرون من المتفوقين، بدليل وصولهم للتخرج في كلياتهم بعد حصولهم مسبقاً على علامات عالية في الثانوية العامة أهلتهم للدخول في هذه الكليات بحسب سياسات القبول الجامعي المعمول فيها.
بمعنى آخر، إن مقدمات المدخلات في واد، وهذا النمط من معالجة المخرجات في واد آخر تماماً، ومن يتم تحميله مسؤولية كل سوء السياسات التعليمية بالنتيجة هو الطالب وليس أحد سواه.

فرص التكسب والاستفادة

أما ما يجب التركيز عليه بهذا الصدد فهو ما ظهر على هامش الامتحان الوطني الموحد من مظاهر استفادة وتكسب وأوجه فساد هو الآخر، اعتباراً من المعاهد الخاصة، مروراً بالنوّط والكراسات، وليس انتهاءً بالكتب المعتمدة عِبر وكلاء للقطاع الخاص، ولا ندري ما يمكن أن يظهر ويتعمق لاحقاً على هذا المستوى، وطبعاً كل ذلك على حساب الطلاب، كما على حساب المزيد من الفرز الطبقي فيما بينهم، باعتبار أن غالبيتهم من المفقَّرين الذين لا تتوفر لديهم الإمكانية لا للتسجيل في المعاهد الخاصة ذات التكاليف المرتفعة، ولا لشراء المراجع وفقاً للأسعار أعلاه، ولا لشراء النوّط ونماذج الامتحانات التي توفرها المكتبات الخاصة.
أخيراً، نختصر ونقول: إن سياسة الترقيع التي تم اتباعها عبر فرض هذا الامتحان، أو عِبر فرض السنة التحضيرية، بذريعة الضغوط التي مورست على مستوى الاعتراف بالشهادة السورية منذ عدة سنوات من قبل اليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية الأخرى لم تثمر إلا مزيد من المراوحة بالمكان، إن لم نقل المزيد من التراجع، وقد كان ضحيتها الطلاب وخاصة المفقّرين منهم، والحديث في هذا المجال ربما يطول، ففي الجعبة الكثير مما يمكن الحديث عنه والاستفاضة فيه أيضاً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
921
آخر تعديل على الثلاثاء, 10 آذار/مارس 2020 22:42