_

منبر الحوار الوطني من أجل قانون أحزاب عصري

تحت عنوان: «من أجل قانون أحزاب عصري»،  تتابع «قاسيون» هذا الملف مع الأستاذ المحامي جوزيف سويد، أمين سر المكتب السياسي للحزب السوري القومي الاجتماعي في الجمهورية العربية السورية:

وحدة المجتمع القائمة على تعدد الرؤىة في إطار المصلحة العليا تخلق تنوعاً إبداعياً

مما لاشك فيه أن تراجع فعل الأحزاب ودورها وتأثيرها في الحياة السياسية في مجتمع بلادنا لا يمكن عزوه فقط إلى غياب قانون الأحزاب الناظم والداعم لفعلها على الساحة الشعبية بشرعية التحرك والتعبئة، وإنما يعود السبب الأكبر في ضمور الحياة الحزبية وغياب أثرها في الحياة العامة إلى ابتعاد ظاهر لمجموع الشباب عن العمل الحزبي، بل وعن العمل السياسي بشكل عام، وفقدان اهتمام الشباب بالأحزاب والحياة الحزبية.

هذه الظاهرة الملموسة في عزوف الشباب عن الاهتمام بالحياة الحزبية لعب الدور الرئيسي في نشوئها غياب عنصر التمايز الفكري والعقيدي في خطاب الأحزاب السياسي، وهو العنصر القادر بحيوية جدلية أن يشكل قوة جذب في مخاطبة جيل جديد متوثب للعب دور فاعل في النهوض بالحياة العامة في بلاده، وفي الدفع بالتالي بصفوف الشباب إلى التجاوب النفسي والفكري مع الدعوة الحزبية للانخراط في العمل الحزبي.

ن تحقيق مثل هذا التجاوب يفرض دعوة حزبية متمايزة فكراً وتنظيماً وتعبئة نفسية وخطاباً واضح المعالم مميزها، يطلق جذوة الإيمان بمضامينها في نفوس المقبلين عليها،والإيمان بجدواها في تحقيق النهوض بالحياة العامة، فيدفع بهم إيمانهم أن يضعوا انفسهم بكامل حيويتهم في خدمة نشرها والتوعية العامة عليها بوصفها السبيل لتحقيق النهوض بالحياة العامة إلى مستوى أرقى وأصح. وهكذا يتأتى لمجتمعنا أن يشاهد تعددية حزبية موفورة الصحة تقوم على تمايزات فكرية وعقيدية واضحة تشيد حياة حزبية قائمة على حيوية داخلية مؤهلة لخلق تيارات حزبية تنافسية في إطار ديمقراطي صحي سليم، يتطلب، في أهم ما يتطلبه، قانون أحزاب ديمقراطي سليم.

إن ما ذكرناه حول ابتعاد الشباب عن الانخراط في العمل الحزبي لا يقلل من أهمية عوامل أخرى أدت وعلى مدى سنوات طويلة إلى تراجع تأثير الأحزاب على الساحة السياسية، فصيغة الجبهة الوطنية التقدمية التي كانت قبل ثلاثين عاماً نقطة تحول هامة في الحياة الحزبية، اسقطت من خلالها التناقضات الحزبية لصالح التناقض مع العدو اليهودي ومشروعه وأدخلت سورية في حالة من الهدوء على صعيد التنافس والتناحر الحزبي الذي كان يرتكز من قبل على إلغاء الآخر حزبياً وسياسياً وتنظيمياً.

هذه الصيغة تحتاج الآن إلى إعادة درس وتحديث وتطوير على كافة الصعد، خاصة وأن التطورات المحيطة بوطننا والتي بغالبيتها ضد مصالحه السياسية والوطنية والاقتصادية والاجتماعية تفرض بالضرورة الإسراع بالقيام بهذا الدرس والمراجعة، وبما يحقق الاستهداف الأفضل لمصالح أمتنا.

وما هو حاصل على مستوى الجبهة لا يعود فقط إلى تردي آليات عملها التنفيذي، وآليات التحديث فيها، بل لأن الأحزاب المشاركة فيها قد ترهلت بفعل فقدان بعض هذه الأحزاب لتفاعلها مع الشارع بشكل مباشر وغيابها بالتالي عن التحسس بمطالبه الحياتية والسياسية والاجتماعية وغرقها في تجاذبات النفوذ ومواقع السلطة في داخلها، أو في سبيل الوصول إلى المراكز الحكومية التي تدعم نفوذ ومصالح بعض قياديي هذه الأحزاب، الأمر الذي افقدها الاهتمام الشعبي بها، فضلاً عن فقدانها لتمايزها عن عضها.

من هنا يرى الحزب السوري القومي الاجتماعي أن آليات التطوير والتحديث يجب أن تبدأ بأحزابنا نفسها، من خلال اتخاذ القرار الحاسم بتطوير آليات عملها في التعاطي مع الشارع السوري الذي أصبح بعيداً عنها وضرورة إيجاد السبل التي  تستعيد فيه هذه الأحزاب ألقها والتفاف قوى شعبية جدية وصادقة حولها.

ولاشك أن إصدار قانون جديد للأحزاب في سورية، سيساعد  بشكل كبير للوصول إلى هذا الهدف، ولكنه إذا ما صدر ولم تكن الأحزاب السورية قادرة على القيام بدورها المطلوب على صعيد الحياة السياسية السورية، فإن هذا سينعكس سلباً على مجمل التطوير السياسي المطلوب في بلادنا، فقانون الأحزاب لا يصنع أحزاباً وإنما يؤطر الحياة الحزبية والسياسية على أسس قومية ووطنية.

هذا على الصعيد السياسي أما على الصعيد الإعلامي، فإن تحديث قوانين العمل السياسي لا يكتمل ولا يحقق الاستهداف المطلوب منه إذا لم يترافق مع تحديث للقوانين الإعلامية التي ترتكز على إطلاق حرية الإعلام وتكامله مع إطلاق الحريات والتعددية السياسية في بلادنا. فالإعلام المتطور يعكس نفسه على العمل السياسي المتطور وبالعكس،وهو ما يجعل الحياة السياسية مفعمة بالحيوية والحوار والتواصل وقبول الاخر. فالتمايز في الإعلام مطلوب كما هو التمايز في السياسة، ولكن في إطار المصلحة القومية والوطنية الجامعة.

بناء على ما تقدم فإننا نرى أن الاتجاه نحو تطوير وتحديث الحياة السياسية والإعلامية يتطلب الأمور التالية:

1. إطلاق الحريات الحزبية بكل ما تحمله من تمايز  بين القوى والأحزاب السورية، وذلك في إطار الحفاظ على وحدة المجتمع وتحصينها ومقاومة المشروع الصهيوني.

2. الانفتاح السياسي والحزبي بين القوى السياسية السورية،والخروج من نزعة امتلاك الحقيقة المطلقة، والانخراط في الحوار الناضج للوصول إلى الأفكار المشتركة التي تخدم مصالح الوطن والأمة.

3. إعطاء كافة القوى السياسية المساحة المطلوبة لممارسة حقها في قيادة تيارها وتقديم نفسها بتمايز عن القوى الأخرى، وخارج إطار التضاد،والتأكيد على التكافل والتنسيق بين كافة القوى لقيادة المجتمع نحو الفضل، بحسبان أنها قوى قائدة لتياراتها وكلها مدعوة إلى المشاركة الفعلية في قيادة الحياة السياسية وتوجيهها.

4. وضع صياغة قانونية تحفظ حق الجميع في صياغة حياة سياسية متطورة وفاعلة وحيوية، وبالطريقة التي تقدم الأفضل للوطن على أرضية صيانة وحدة المجتمع وأولوية الصراع مع العدو الصهيوني، ومشاركة كافة القوى في وضع هذه الصياغة وتوثيقها بوثيقة إجماع وطني.

5. ترسيخ الحياة الإعلامية القائمة على تعددية الراي والفكر دون أن تستخدم هذه التعددية سلباً على حصانة وحدة المجتمع وترابطه القومي والاجتماعي.

 

إن وحدة المجتمع القائمة على تعدد الرؤىة في إطار المصلحة العليا تخلق تنوعاً إبداعياً يسعى الكل للوصول عبره إلى الأفضل سياسياً وإعلامياً، وإن الخطوات المدروسة البعيدة عن الارتجال والتسرع تجذر هذا النهج الذي سيدعم الجبهة الداخلية ويصونها، ويصب في إطار تقوية بلدنا في مواجهة الاستحقاقات والتطورات التي تحيط به إقليمياً ودولياً، والتغلب عليها لما فيه مصلحة وطننا وأمتنا، وهذا ما أدركه بامتياز الرئيس بشار الأسد الذي أكد على شمولية مسيرة التطوير والتحديث لتشمل جوانب الحياة السورية كلها وعلى كافة الصعد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
182