«قاسيون» في حوار مع منذر الموصلي: لدينا أحزاب دون أن يكون لها دور..

■ لست ضد اقتصاد السوق.. دستور البلاد ضد اقتصاد السوق

■ تكافؤ الفرص غير موجود بالنسبة لقوائم الجبهة.. وهذا يتناقض مع الدستور..

■ نحن مجلس شعب ولسنا مجلس تأديب..

■ قانون الانتخابات لايحقق حرية المنافسة..

■ أنا أخطأت وهم أخطؤوا، أخطأت في الطرح وهم أخطؤوا في الرد

■ لم أكن أدرك حجم الامتيازات لمرشحي الجبهة..

حينما كان  يعرّف منذر الموصلي بنفسه، في مقدمة كلّ من المذكرات الدستورية المرفوعة إلى رئيس مجلس الشعب السابق، كان يكتب:

«منذر الموصلي، عضو المجلس، عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، مجاز بالقانون، دبلوم في الحقوق العامة، ضابط سابق مؤهّل، خبرة دستورية وإدارية، ومعاناة حزبية وسياسية غنيّة»..

وبطبيعة الحال ، لن نضيف على هذا التعريف قيد أنملة، سوى أنّ الموصلي حالياً ، عضو مجلس شعب سابقاً..

■ لنبدأ من الانتخابات باعتبارها آخر المستجدّات على المستوى الداخلي. ما حقيقة موقفكم من العملية الانتخابية سواء من الناحية الإجرائية أو الجوهرية؟

■■ ما يتعلّق بي شخصياً، دخلت المعركة الانتخابية بنوع من المشاركة الوجدانية لا أكثر ولا أقل، ولم أبذل أي جهد كي أنجح أو لا أنجح، دخلتها بشعارات وببرنامج ومطالب و رؤيا، وكان هذا هدفي، سواء نجحت أم لا.

هذه المسألة بالنسبة لي محسومة، ولم أكن أريد أن أ ُتّهم بمقاطعة الانتخابات.

■ وهل مقاطعة الانتخابات تهمة؟

■■ مقاطعة الانتخابات عمل غير إيجابي، وغير دستوري.على كل مواطن أن يخوض العملية الانتخابية ناخباً أو مرشّحاً ولذلك خضتها مرشّحاً.

■ لم تقل لي رأيك بالعملية الانتخابية؟

■■ قبل ذلك أريد أن أقول، أنني رشّحت نفسي ببرنامج انتخابي، وهذا البرنامج لم أخرج فيه عن حدود الدستور، وعن الحدود القومية والوطنية، وناديت بترسيخ الاشتراكية..

نحن بلد ينص دستوره على الاشتراكية صراحةً، كمنهج سياسي واقتصادي واجتماعي. رغبت في أن أكرّس هذا الشعار وأشرت إلى أنني أرشّح نفسي على مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي، وأنا من قدامى مناضليه، ولأؤكد أنّ تمسّكي بالبعث هو تمسّك بمنهج البعث، القومي، الاشتراكي.

■ ما زلت لا تتحدّث عن العملية الانتخابية..

■■ دخلت على اللعبة الانتخابية هذه المرّة، تيارات نحن نتوجّس من وجودها في مجلس الشعب. تيارات ذات مصالح ذاتية، وهي تمثّل نوعاً من ملامح اقتصاد السوق. ودخول قوى اقتصاديّة طفيليّة وشبه تجاريّة، يعدّ مؤشراً على أنّ القوى الاشتراكية في بلدنا لم تعد هي من يملأ الساحة، وهي المعنيّة بتحقيق التوجّه الاقتصادي الاشتراكي المنصوص عنه في الدستور. هؤلاء الذين جاؤوا محمّلين بالمال لا يمكن أن يقبلوا بنظام اشتراكي أو شبه اشتراكي..

لست أنا فقط ضدّ اقتصاد السوق بل دستور البلاد المصوّت عليه باستفتاء شعبي عام 1973 ضدّه، وهو صريح في ذلك ويقول: «الاقتصاد في سورية اقتصاد اشتراكي»، أين هو هذا الاقتصاد الاشتراكي؟ أين الاشتراكيون؟ الاشتراكية تحتاج إلى اشتراكيين يطبّقونها. وعندما يأتي مرشّحو المال إلى مجلس الشعب فيجب أن يدقّ جرس الإنذار.

■ بأي معنى؟

■■ بمعنى أنّ هناك اختراقاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً لحالة متوارثة ودستورية في سورية، فثورة آذار اشتراكية وبقيادة حزب اشتراكي. وأن ينفق أحدهم ملايين على حملته الانتخابية فهذا يدلّ على أن هذا الرجل يملك مالاً غير منضبط، وغير مشروع. وحزب البعث مطالَب بأن يتنبّه للظاهرة ويضعها تحت المجهر، فهذا موضوع أخطر من مكافحة الفساد، إذ أنه يتعلّق بالبنية الاجتماعية والاقتصادية لبلدنا، ومن الضروري تعميق دور القطاع العام والحذر من أطياف السوق.

■ وماذا عن تكافؤ الفرص في قانون الانتخابات؟

■■ التكافؤ غير محقق بالنسبة لقوائم الجبهة. مرشّح جبهوي تُسخّر له الدولة كل إمكاناتها وقواها، فحتّى المراكز الانتخابية توزّع قوائم الجبهة على الناخبين. أنت لا تستطيع كمرشّح أن تضع إعلاناً دعائيّاً لك في أي من الوزارات مثلاً، بينما تجد جدران الوزارات مليئة بالدعايات لمرشحي الجبهة، وهذا لا يحقق التكافؤ كما أنه يتناقض مع المادّة الدستورية التي تنص على المساواة في الترشيح، وفي العملية الانتخابيّة، ونحن نأمل إجراء مراجعة شاملة للوضع السياسي والجبهوي في البلاد. والقيادة على ما فهمت تولي عنايتها لإصلاح الوضع الجبهوي.

■ هل تطالب بتعديل قانون الانتخابات الحالي؟

■■ قانون الانتخابات الحالي لا يحقق أبداً حرية المنافسة. قانون الانتخابات على أساس محافظة؟! المحافظة هي القاعدة الانتخابية؟

في الدنيا كلّها لا يوجد انتخابات على هذا الشكل. يفترض بالانتخابات أن تتم على أساس الوحدات الإدارية الصغرى، أي على أساس المنطقة والناحية وليس على أساس المحافظة. فدمشق كانت دائرة انتخابية واحدة عندما كان عدد سكانها /650/ ألف نسمة، أما الآن فتعداد السكّان في دمشق بلغ قرابة الستّة ملايين، فكيف سيتم انتقاء عدد ضئيل من المرشحين من بين الملايين الستة؟

ومن ثمّ نحن لا نملك لوائح تشطيب، علماً أنه من الضروري أن يأتي الناخب ليجد اسمه مسجلاً في اللوائح الرسمية، ومن لا اسم له لا يحق أن ينتخب.

الآن يدخل الناخب ويضع ورقته الانتخابية فيسجّلون اسمه على الورق، وهذا لا يعطي نتائج صحيحة. يجب أن يكون هنالك جداول أو لوائح انتخابية تصدر عن وزارة الداخليّة ودائرة الأحوال المدنية، ولكل ناخب مركز انتخابي وخانة ينتخب فيها.

■ هل تتوقّع نقلة جديدة في التشريعات الاقتصادية؟

■■ نحن لم نخرج حتّى الآن بتشريعاتنا الاقتصادية والسياسية والإدارية عن حدود الدستور، وهذا هو العجيب في سورية.

لم نخرج نحو اقتصاد السوق لكن قسماً كبيراً الآن من أعضاء البرلمان لم يعد يملك هويّة الاقتصاد الاشتراكي الموجّه.

■ لاحظت من كلامك أنّك تتعامل مع الدستور كنص مقدّس بنفس الوقت الذي تطالب فيه عبر إحدى مذكًراتك المرفوعة إلى رئيس مجلس الشعب بتعديل الدستور ..ألا تجد تناقضاً في ذلك؟

■■ أنا لا أتعامل مع الدستور كنص مقدّس، وقد طالبت بدستورٍ جديد، لا لأنّ الدستور الحالي سيئ، أو غير صالح، إنّما لأن كثيراً من مواده لم تعد تتماشى مع المرحلة الجديدة والقادمة. وقد ذكرت في المذكّرة المرفوعة أنّ الدستور غير متوازن من ناحية مسؤوليّة وصلاحيات السلطتين التشريعية والتنفيذية، وكذلك السلطة القضائية فهي غير مستقلّة تماماً .

■ تقصد قانون الطوارئ والأحكام العرفية؟

■■ أنا لا أناقش في أحكام الطوارئ طالما أننا في حالة حرب مع عدوّنا إسرائيل، وأنا لست ضد هذا القانون على أن يطبّق بحدوده المرسومة، التي تتعلّق بأمن الدولة الداخلي والخارجي، لا أن نتوسّع فيه كما كان يجري منذ فترة.

■ إذاً ما الذي تعنيه بالعلاقة بين السلطات الثلاث؟

■■ نحن لدينا نظام متشابك وهذا ما كتبته وقلته عدّة مرّات.فنظامنا فيه من النظامين الرئاسي والبرلماني بآن معاً، وهنالك تداخل بينهما يجب أن يزول، وقد اقتضته مرحلة كنّا محاطين فيها بتهديدات ومؤامرات خارجية.

إما أن نكون نظاماً رئاسياً صريحاً أو برلمانياً.

■ لا أفهم ماذا تعني بالنظامين الرئاسي والبرلماني..

■■ نظام برلماني بمعنى أن تكون هناك سلطة تنفيذية يمثّلها مجلس الوزراء، وتعمل بتوجيه وإرشاد رئيس الجمهورية. وتكون مسؤولة أمام مجلس الشعب، وتطرح بيانها الوزاري وتحصل على الثقة بموجبه، ولا تكون قراءة البيان مجرّد نوع من الإخبار والإعلام فقط. فالسلطة التنفيذية في بلدنا غير واضحة الصلاحيّات والمسؤوليات، ورئيس الجمهوريّة غير مسؤول بموجب الدستور، ومجلس الوزراء مسؤول أمام رئيس الجمهورية، وبالتالي هنالك ضياع في المسؤولية.مجلس الوزراء بالدستور اسمه هيئة تنفيذية وليس سلطة تنفيذية وهنالك فرق ما بين الهيئة والسلطة.

لا بدّ أن تكون هناك سلطة تنفيذية مسؤولة أمام مجلس الشعب أي أمام الشعب، يحاسبها على عملها.

فنحن لا نستطيع محاسبة مجلس الوزراء على عمله.نحاسب الوزراء أفراداً فقط، مع العلم أننا مجلس شعب وليس مجلس تأديب. فالوزراء يحاسبهم مجلس الوزراء لا مجلس الشعب.

■ تحدثت في مذكّرتك عن ضرورة البحث عن حلول  لتطوير عمل الجبهة الوطنية التقدمية، ما الحلول التي لديك؟

■■ الجبهة الوطنية صيغة إيجابية وجيّدة وعبّرت عن توجّهات حركة التصحيح. لكن في واقعها الحالي لم تعد تمثّل الطموحات المتوخّاة منها. والآن هنالك انقسامات في أحزاب الجبهة تدلّ على ضعف في هذه الأحزاب.

الحزب الضعيف المنقسم يجب أن بكون خارج الجبهة، فلدينا أحزاب لها فقط هويّة جبهوية ولها صحف تصدر عنها دون أن يكون لها دور إطلاقاً. والمطلوب من قائد الجبهة الذي هو حزب البعث أن يصلح هذه الحالة، وقد سمعنا أن النية متّجهة لإصلاح أوضاع الجبهة.

■ وهل يأتي تفعيل دور الأحزاب بقرار سياسي؟

■■ لا، يجب أن ينطلق قبل كلّ شيء من القاعدة الشعبية.فهنالك كثير من الفئات تريد أن ترى أحزابها موحّدة. أنا لا أستطيع مثلاً تخيّل حزبين أو ثلاثة أحزاب شيوعية سورية. وما اقترحته هو أن تتوحّد الأحزاب المنقسمة أو أن تكون خارج الجبهة أو أن تدخل بأسماء جديدة.

■ أثار مقالك المنشور في صحيفة النًهار اللبنانية، تحت عنوان «أدعو لإحالة هذا الكاتب إلى القضاء السوري» كثيراً من ردود الأفعال تجاهك، حتّى أنك وصفت بـ (العبد المأمور) و (الموحى له)، ما ردّك على هذه الانتقادات؟

■■ الآن عادوا جميعاً إليّ يعتذرون، أنا كنت ضحيّة سوء فهم وسوء تقدير كانا مقصودين في بعض الأحيان. أنا شخص ذو عمر وتجربة ومتحرر من جميع العقد الموجودة فيهم. هذا الرجل الذي تصدّيت له كان يتّهم شباب سورية بأنّهم يؤيدون العدوان على العراق، وكل ما فعلته هو أنني طالبت بإحالته إلى المحاكمة على ما ادّعاه كذباً، فالتفّوا حوله وجعلوا منه ضحيّة ومني قاتلاً. ولقد ثبت الآن أنني وبعد أن قدّمت مذكّراتي الثلاث بأنني لست (الموحى له). ربّما أنا أخطأت وهم أخطؤوا، أخطأت في الطرح وهم أخطؤوا في الرد.

■ على حدّ علمي أنّه تكلّم بقضية محددة تماماً ليس لها علاقة باتهام شباب سورية أو غيرهم ..

■■ وما زلت أتّهمه بذلك، كلامه ثابت حرفياً في مقاله، فقد قال أن شباب سورية من شدّة الإحباط واليأس، صاروا يؤيدون العدوان الأمريكي على العراق. ولم أكن لأجرؤ على المطالبة  بمحاكمته لو لم أكن أمتلك أدلّة قاطعة تدينه.

أما عن القضيّة التي تقصدها وهي بشأن الدكتور عارف دليلة، فأنا من دافع عن عارف مطالباً له بالعفو، وقلت أنّ الرجل صديقي وقد أخطأ. استعملوه لينقضّوا عليّ.

■ هل سترشّح نفسك للبرلمان في الدورة المقبلة؟

■■ لا، هذه تجربة نهائيّة بالنسبة لي.

■ كيف ستتابع حياتك السياسية؟

■■ أنا لم يخلقني مجلس الشعب، فقبل أن أكون نائباً، كنت واقفاً على المسرح السياسي، وسأبقى كذلك. وأملك تجربة سياسية وحزبية مديدة وأنا صاحب معاناة حزبية ونضالية عمرها من عمر البعث.

■ كم صوتاً حصدت في هذه الدورة؟

■■ لا أعرف ولا يهمّني.

■ وفي الدورة السابقة؟

■■ كنت مرشّح جبهة.

■ إذاً لماذا لم تنتقد قوائم الجبهة سابقاً؟

■■ اليوم أصبحت ضد التمييز بين المرشّحين، سابقاً لم أكن أدرك حجم الامتيازات والإمكانات التي تسخّر لمرشّحي الجبهة، وأقول باختصار أنني مع العهد القائم وأملك خياراتي في انتقاد مساره إذا استلزم الأمر.

وأختم بالقول: أن جميع الأقلام وفوهات البنادق يجب أن تتجه الآن لمواجهة الإمبريالية الأمريكية الأنكلوـ صهيونية الغازية وأن يكون الجهد الفكري والعسكري معبأ للمعركة القومية القائمة ضد العدوان على العراق والأمة العربية.

إن جريدتكم الفكرية الملتزمة تعطي لهذه الناحية أهميتها.

■■ الآراء الواردة في هذه الصفحة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة.

■ حاوره: كمي الملحم