نزار عادلة نزار عادلة

لمن الأولوية: لتشجيع الاستثمار أم لحماية الأمن الوطني؟

باسم تشجيع الاستثمار قدمت الحكومة السورية السابقة أهم المرافق الاقتصادية إلى شركات أجنبية، وبدأت الخطوة الأولى بتقديم أكثر من %47 من مساحة مرفأ طرطوس إلى شركة فلبينية، ومن ثم مرفأ اللاذقية عام 2008، وسبق ذلك صدور المرسوم 55 لعام 2002 بالسماح للوكالات الخاصة بالعمل إلى جانب شركة التوكيلات الملاحية في المرافئ، ومنذ ذلك التاريخ والاحتجاجات تتوالى في كل مؤتمر نقابي، وكان رد الطاقم الحكومي، وتحديداً وزير النقل السابق، بأن عقود الاستثمار لن تؤدي إلى الضرر بالمصلحة الوطنية أو الخصخصة!.

أبعاد التجربة

مر على التجربة الآن ثماني سنوات، وفشلت الوكالات الخاصة في كل ما جاء به المرسوم، والذي جرى، هو أن الوكالات الخاصة سحبت الأعمال من شركة التوكيلات الملاحية التابعة للدولة، واستنزفت الأموال التي كانت تصب في خزينة الدولة، لمصلحة حفنة من القطاع الخاص. وخلال هذه السنوات الثماني لم يجر تقييم لعمل الوكالات الخاصة، ولم تُراجَع التجربة، والأخطر هنا المذكرة الموجهة قبل أشهر إلى القيادة السياسية من هيئة الإمداد والتموين في الجيش العربي السوري، والتي تحذر من الخطورة الأمنية التي نجمت بعد التخلي عن الشركة العامة للتوكيلات الملاحية لمصلحة الوكالات الخاصة. هيئة الإمداد شرحت المعاناة الكبيرة في تعامل الوكالات الخاصة لاسيما لجهة التأثير على كشف سرية ما يدخل إلى سورية وإلى الجيش تحديداً.

وقبل مذكرة هيئة الإمداد حذرت نقابة عمال النقل البحري والجوي في اللاذقية بتاريخ 9/1/2008 في مذكرة إلى الجهات المسؤولة قالت: «إننا لا ننظر إلى المرافئ من الناحية الاقتصادية البحتة فحسب، بل ننظر لها بشكل أعم وأكبر، ونشمل الجانب الاجتماعي، وكذلك الجانب الأمني والعسكري، وباعتبارنا في حالة مواجهة دائمة مع العدو الصهيوني والمخطط الأمريكي الذي عجز حتى الآن عسكرياً وسياسياً عن اختراق وحدتنا الوطنية، ونرفض أن تتاح الفرصة لمن لم يستطيعوا النيل من المواقف الوطنية لسورية بالقوة العسكرية والسياسية، أن يتمكنوا من ذلك عن طريق الاقتصاد». لكن الجهات الوصائية لم ترد على تحذيرات النقابة من الأخطار الأمنية والعسكرية، ولم ترد على مذكرة هيئة الإمداد في الجيش حيث تفتَّش حاويات مستوردة خصيصاً للجيش، بل وتهمَل لأشهر في مستودعات القطاع الخاص.

مذكرة النقابة وهيئة الإمداد تقول علناً إن هناك أسلحة ومواداً ممنوعة تدخل إلى سورية عن طريق الوكالات الخاصة، ولم تحرك الجهات الوصائية ساكناً بل كانت تدافع عن الوكالات الخاصة، وعن التطوير الكبير الذي طرأ على عمل المرافئ والطرائق الحديثة المتبعة من خلال الاعتماد على أحدث التجهيزات والوسائل الحديثة بفضل الاستثمار.

النتائج الميدانية والوقائع تقول:

1ـ لم يتم استقدام أي خط ملاحي أو بواخر جديدة، بل اقتصر عمل هذه الوكالات على سحب الخطوط والبواخر التي كانت تعمل بتوكيل الشركة العامة للتوكيلات الملاحية، مخالفة بذلك شروط الترخيص التي حددها المرسوم باستقدام خطوط ملاحية جديدة.

2ـ زادت نسبة البطالة بعد أن فقدت التوكيلات الملاحية 600 كاتب تعداد كانوا يعملون بصورة دائمة في الساحات والمستودعات. وتناقص عدد العمال في الشركة من 1430 إلى 554 عاملاً.

3ـ لم تقدم الوكالات الخاصة الأدوات اللازمة للتفريغ والتي هي من أهم التزامات الوكالات الخاصة ، مع  عدم وجود مندوب عن الوكالة الخاصة أثناء سحب البضائع عند عمليات التفريغ والتحميل، مع استخدام الأساليب الملتوية من هذه الوكالات وتقديم حسابات غير دقيقة لصاحب البضاعة، وزيادة الغرامات التي تُدفع بالقطع الأجنبي جراء التأخير في تفريغ الحاويات وخاصة العائدة للقطاع العام، لأن من مصلحة الوكالات الخاصة زيادة الغرامات كونها بالمحصلة تقود للشركة الناقلة نفسها التي تملك أو تدير تلك الوكالة الخاصة، بينما كانت شركة التوكيلات تمثل الدولة ولا تحقق أية فائدة من هذه الغرامات، لذلك كانت تتلافى التأخير وتساهم في التقليل من الغرامات.

يقول اتحاد العمال في مذكرة أخرى: «كانت التوكيلات الملاحية تقدم وسطياً لخزينة الدولة ضريبة دخل بحدود 500 مليون ل.س، وتدفع 147 مليون ل.س رواتب لعمالها، وهي اليوم تشغل 504 عمال، بينما جميع الوكالات الخاصة والبالغ عددها 80 وكالة لا تشغل سوى 600 عامل».

وكانت التوكيلات الملاحية تقبل من شركات ومؤسسات القطاع العام والوزارات كتاب تعهد بتقديم بوالص الشحن خلال 60 يوماً، وتسمح بالإفراج عن البضاعة تجنباً من تأخير وتعطيل الشركات والمعامل عن الإنتاج، أما الوكالات الخاصة فلا تسمح بذلك مما يسبب الخسائر ويلحق الضرر بالاقتصاد الوطني نتيجة الغرامات الكبيرة. وفي هذا الصدد حدثنا عشرات المدراء في شركات القطاع العام كيف تهمل المواد الأولية، وتبقى أشهراً في المستودعات مما أدى إلى توقف شركات عديدة عن الإنتاج، والسؤال الهام هنا: أليس هذا الوضع بمعرفة الحكومة السابقة؟

مجموع ما تدفعه الوكالات الخاصة الثمانون ضريبة دخل سنوياً لا يتجاوز 200 مليون ل.س، والرقم الضريبي غير معروف بدقة، وهناك تهرب ضريبي يتجاوز نصف مليار ل.س. ومؤخراً كان الاتجاه لدى الحكومة السابقة تصفية شركة التوكيلات الملاحية وإبعادها عن العمل، وكان اقتراح اتحاد العمال في هذا الصدد الإبقاء على الشركة وإعطائها وكالة البواخر التي تحمل بضائع القطاع العام والجيش، والمرسوم 55 لم يتضمن أي نص يجيز للوكيل الخاص التوكيل عن ناقلات النفط، وهي تقوم بذلك. والإبقاء على رسوم الوكالة وعدم تخفيضها أو إلغائها نزولاً عند رغبة أصحاب الوكالات الخاصة، ويكفي تهربهم الضريبي.

بشكل عام كان المطلب العمالي بقاء شركة التوكيلات الملاحية كوكيل حكومي يخضع لرقابة معينة يعد أكثر وثوقيةً وأمناً بالنسبة للبضائع الخاصة، ولكن لم تكن هناك متابعة من وزارة النقل، وكانت الحرب مكشوفة والصراع قائماً بين شركة التوكيلات والوكالات الخاصة، وأمام مطالبات التوكيلات الخاصة بإلغاء عمولة شركة التوكيلات، فإن القرار كان معداً في اللجنة الاقتصادية بتحويل شركة التوكيلات إلى هيئة إدارية بـ50 موظفاً، وعلى الوكالات الخاصة نهب مئات الملايين التي كانت تصب في خزينة الدولة، السؤال المطروح: الأولوية لمن؟ تشجيع الاستثمار- علماً أن ما جرى من استثمار ليس سوى عملية نهب وسرقة- أم حماية الأمن الوطني؟!.  

آخر تعديل على الجمعة, 22 تموز/يوليو 2016 19:38