مجانين عامودا..
حمد الله إبراهيم حمد الله إبراهيم

مجانين عامودا..

تعد مدينة عامودا الواقعة شمال الحسكة بـ/75/ كيلو متر والواقعة غرب القامشلي بـ/30/ كيلو متر، من أقدم المدن المعمورة في الجزيرة، وقد كانت مدينة عندما كانت القامشلي قرية كبيرة والحسكة قرية صغيرة.. طبعاً قبل أن تسمى محافظة. وحتى القامشلي أصبحت منطقة، أما عامودا فما زالت مدينة أي ناحية.

تمتاز عامودا بكثير من الصفات الغريبة والعجيبة من أهمها على سبيل المثال لا الحصر:

1- ارتفاع نسبة المتعلمين وخاصة أصحاب الشهادات العليا ـ ليسانس، دبلوم، ماجستير، دكتوراه ـ عدا حاملي الثانوية العامة.

2- معظم الأحزاب الموجودة في الجزيرة انطلقت من عامودا وكلنا نتذكر اسم عامودا كان موسكو الصغرى.

3- كثرة الشعراء والأدباء.

4- كثرة العاطلين عن العمل وهذا يؤدي إلى الهجرة، ولا نبالغ أبداً بالقول إن في كل دول العالم بل في كل مدن العالم نجد بعض من سكان عامودا. عدا انتشارهم في مدن سورية، فهم يعملون بكل الأعمال بحسب ما يتوفر لهم. وسوف نتحدث عن هذا الموضوع لاحقاً وبالتفصيل.

5- كثرة المجانين فيها لأسباب معروفة للجميع، ونحن نعلم أن ما بين المجنون والعبقري شعرة، ومعظم هؤلاء المجانين كانوا يمتازون بذكاء خارق وسرعة بداهة، وكانت لهم مواقف تمتاز بالرجولة والمروءة، ومعظمهم ينتمون إلى عائلات معروفة بعراقتها وأصالتها ووطنيتها، وسوف أتحدث عن بعض الهفوات والطرائف التي حدثت بينهم وبين الناس في عامودا.

أهالي عامودا كجزء من أهالي الجزيرة يخرجون في /21/ آذار للاحتفال بعيد نيروز في الأماكن التي تكثر فيها الأشجار. وتحت ظلال هذه الأشجار يبدأ الشباب بالغناء والرقص وشيّ اللحم وإحضار الطعام، وكان هناك مجموعة من الشباب يتناولون الطعام وأمامهم الكؤوس المملوءة بالخمر. فمر سمو (إسماعيل) وهو أحد مجانين عامودا فدعوه إلى مشاركتهم، فأسرع إلى الجلوس وبدأ يأكل بنهم وشراهة، فصبوا له كأساً من العرق وقدموها له وقالوا له: هيا اشرب يا إسماعيل.. ولكنه رفض شرب العرق، فألحوا عليه وشددوا عليه في الطلب، ولكن دون جدوى، وعندما شعر سمو بأن الشباب زعلوا منه قال لهم: يا شباب أنتم تشربون العرق كي تصبحوا مثلي، وأنا إذا شربت فبمن سأتشبه؟.

يقال إنه في بداية عهد الاستقلال كان في مدخل عامودا دورية قولجي (رجال المكافحة) التي كانت تبحث عن التبغ المهرب من الأراضي التركية إلى عامودا، وأفضل أنواع التبغ المهرب هو تبغ خرس ـ الخرس قرية تركية قريبة من عامودا نظرياً تشتهر بالتبغ الممتاز- عندما وصل سمو إلى مدخل المدينة قادماً من قراها رأته الدورية فأرادت الاستفادة من هذا المجنون لأنه يدخل كل بيوت عامودا ويعرف جيداً من يدخن التبغ القجغ (المهرب). فسأله مسؤول الدورية: يا أخانا إسماعيل، ألا تدري أين يوجد التبغ المهرب؟ فقال سمو بدون تردد: كيف لا أدري. فقال له المسؤول هيا أسرع، قل لنا مكانه وسوف نعطيك مكافأة. فقال سمو ماذا ستعطونني؟ قال المسؤول: سنعطيك خمس ليرات. وافق سمو على ذلك بشرط أن يعطوه خمس ليرات سلفاً. فأعطوه المبلغ ووضعه في جيبه فقال لهم: انظروا إلى ما وراء الحدود الفاصلة تجدوا جبال طوروس، وفي هضبة من هضابها قرية خرس، أسرعوا إليها وسوف تجدون أفخر أنواع التبغ المهرب، وهو التبغ الخرسي.

أبو حسيب كان مدمناً على شرب الخمور، فطوره وغداؤه وعشاؤه عرق، و(المازة) عنده ماء وفلافل أحياناً. وفي أحد الأيام خرج من الخمارة ليصل إلى ساحة البلدية (عادة يجتمع فيها كثير من الناس) ويبدو أنه كان قد تناول مع العرق صندويشة فلافل بحمص. والغازات ملأت بطنه انتفاخاً، ولم يستطع الوقوف على قدميه بسبب الشرب الكثير فجلس القرفصاء وكان بجانبه رجل أمن، فبدأ أبو حسيب يغني بصوت عال (يار دلي سمرة قتلتيني) وأخرج الهواء بصوت قوي جداً، فأنزعج رجل الأمن وقال له: خسئت!! انقلع من هون يا.... فرد عليه أبو حسيب أعرف أنتم رجال الأمن تسدون الأفواه ولكن ما سمعت أنكم تسدون الأدبار أيضاً!!.