_
رسالة الأكاديميين... تنظيم التسوية لا رفضها
نافذ أبو حسنة نافذ أبو حسنة

رسالة الأكاديميين... تنظيم التسوية لا رفضها

وجه أكاديميون ومثقفون فلسطينيون وعرب، رسالة إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يطالبونه فيها بالصمود في مواجهة الضغوط الأمريكية والصهيونية، واقترحوا عليه، والأصح أنهم طلبوا إليه، تقديم مبادرة بـ " الإعلان عن بيان مبادئ واضح، يلتزم بمعادلة سلام قائمة على حقوق وحاجات الشعب الفلسطيني المعترف بها دوليا".

الأكاديميون دعوا رئيس السلطة إلى "الوقوف بحزم في الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية" وأن "يعلن بوضوح أنه لا أحد يملك، فردا كان أم جماعة، الحق أو السلطة غير المشروطة للتوصل لاتفاقية نهائية باسم الشعب الفلسطيني". كما تضمنت الرسالة/ النداء حديثا عن ضرورة تشكيل مجلس وطني جديد، منتخب يعقد اجتماعاته بحرية. وأيضا كان هناك انتقاد للمفاوضات القائمة، التي " تستبعد وتتجاهل الحق الفلسطيني الأساسي في تقرير المصير، والانسحاب الإسرائيلي لحدود ما قبل عام 1967 من دون تغيير أو تعديل، وإزالة كل المستعمرات الإسرائيلية، والمستوطنين المستعمرين من الضفة الغربية والقدس". 

وأشار الأكاديميون في رسالتهم إلى أن المفاوضات "  تتجاهل كليا استعادة حقوق الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات والمنافي، خارج فلسطين التاريخية(..) وفي مقدمها حق العودة إلى وطنهم. كما تتجاهل هذه المفاوضات حقوق فلسطينيي 1948 في المساواة واستعادة الحقوق والملكيات التي سلبت منهم إثر نكبة 1948".

وبعد المطالبة بالكف عن مفاوضات بلا نهاية، وإعادة التذكير بعدد من الانعكاسات شديدة السلبية على الحقوق الوطنية جراء تلك المفاوضات، والدعوة إلى حوار وطني، يأتي الطلب بعدم الوقوع في الفخ، والتقدم بالمبادرة وبسرعة. مع تجديد الدعوة لعقد مجلس وطني جديد، " يعهد إليه الإشراف على صياغة مسار جديد لسلام عادل ودائم، يضمن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني".

ذيلت الرسالة بتوقيع عدد كبير من الأكاديميين، ومن بينهم أسماء لشخصيات معروفة بمناهضتها لنهج التسوية، والتنازلات والتفريط بالحقوق الوطنية والقومية. والحق أن وجود بعض هذه الأسماء على الرسالة الموجهة لرئيس السلطة يطرح الكثير من التساؤلات، لسبب أساسي يتصل بالمضامين التي احتوت عليها الرسالة موضوع الحديث.

 

من داخل النص

من الصعب إقناع عاقل، بصرف النظر عن موقفه السياسي، بالموافقة على مسار التفاوض بين السلطة الفلسطينية، وبين حكومة الاحتلال. ثمة كم لا متناه من الملاحظات على المسار التفاوضي، وعلى أداء السلطة والمفاوضين الفلسطينيين. ويدرك الجميع أهمية الحوار الوطني وإنهاء الانقسام، وكذلك الحاجة إلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، انطلاقا من إعادة انتخاب مجلس وطني فاعل وحقيقي. لكن الحقيقة تفيد أيضا بأن المعضلة الأساسية لا تكمن في الأداء التفاوضي. وفي الحال التي ينبغي أن يكون عليها شكل المفاوضات. بل في منطق التفاوض أصلا. كما أن حديثا عن الحوار الوطني، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية الأساسية، يطرح على الفور سؤالا حول البرنامج الذي سينتج عن الحوار. والغاية المنشودة من إعادة بناء المؤسسات. فإذا كان الكلام عن مؤسسات لإدارة التفاوض، فهذا يعني إقرارا لمبدأ خاطئ ومضاد للحقوق الوطنية والقومية من نقطة البدء، كما يقال.

الرسالة بالمضامين التي قدمتها، لا ترفض مبدأ التفاوض مع المحتل. بل هي تدعو لإعادة تأسيسه بما يتناسب مع الحقوق الوطنية. أو وفق منطق الرسالة ذاتها:" معادلة سلام قائمة على حقوق وحاجات الشعب الفلسطيني، المعترف بها دوليا". وهنا نعود إلى ضرورة تعريف الحقوق الوطنية. هل هي حق الشعب الفلسطيني بأرضه كاملة؟ أم هي الحقوق التي صاغتها برامج المنظمة المتلاحقة، وصولا إلى القبول بتقاسم فلسطين ( المحتلة عام 48، والمحتلة عام 67) أولا، ثم بقبول فكرة "النزاع" على الأراضي المحتلة عام 1967؟ أما الحقوق المعترف بها دوليا، فهي تتأسس على تقسيم فلسطين. وتنكر على شعبها حقه الكامل في وطنه.

في التجربة لم ينجح تفاوض عبر التاريخ في استعادة الحقوق الوطنية المسلوبة. حركات التحرر التي لجأت إلى المفاوضات، اعتمد بعضها صيغة قاتل/فاوض. وبعضها الآخر وصل إلى المفاوضات على أعتاب إنجاز مشروع التحرير. أما انتزاع دولة من المحتل عبر التفاوض، فغير ممكن، وإن حدث فمسخ يخضع للاحتلال بالكامل.

حبذا لو أن الأكاديميين قد انشغلوا ولو قليلا، بوضع تعريف لمفهوم الحقوق الوطنية الفلسطينية، حتى يستقيم النقاش على نحو صحيح. فإذا ترك الأمر للتعامل مع المضمون الواضح للرسالة، فالمطلوب تأسيس التفاوض على نحو مختلف، لا رفضه وإنكاره من حيث المبدأ، وبوصفه متضمنا بالأساس تنازلا عن الحقوق الوطنية، وتفريطا صارخا بها.

 

التطوع بالمبادرات

تطلب الرسالة من رئيس السلطة، صوغ مبادرة واضحة، حتى لا يقع في فخ رفض مبادرة مطروحة وتتضمن تنازلات. عند الحديث عن صوغ مبادرة، فالدعوة صريحة إلى تقديم تنازلات. لا يمكن صوغ مبادرة "مقبولة" وفق المنطق السائد دون أن تتضمن تنازلات أساسية عن الحقوق الوطنية. ثم من قال: إن الشعب الواقع تحت الاحتلال والمسلوبة حقوقه معني بتقديم مبادرات لتنظيم تقويض حقوقه الوطنية والتاريخية؟

بعد حرب تشرين/ أوكتوبر 1973، وحتى قبل ذلك بكثير، ولكن على وجه الخصوص بعد الحرب، جرت مطالبة الفلسطينيين بتقديم مبادرة سياسية، لأن " غاية العمل المسلح، تحقيق أهداف سياسية من خلال طاولة المفاوضات". وبصرف النظر عن مدى إمكان تطبيق هذه المقولة على الصراع العربي –الصهيوني، فقد جرى تقديم المبادرة المطلوبة. والتي تمثلت بطرح ما عرف باسم برنامج النقاط العشر، أو البرنامج المرحلي، فاتحة التنازلات عن الهدف المشروع بتحرير الأرض، وعودة أهلها المقتلعين منها إليها.

جرى تقديم المبادرة/ البرنامج منذ عام 1974. وخلال السنوات التالية، جرت صياغة نسخ كثيرة ومتعددة منه، حملت كل واحدة منها تنازلا جديدا، عن الحقوق والثوابت الوطنية، وصولا إلى توقيع اتفاق أوسلو، والاتفاقات اللاحقة له. والتي أوصلت الحقوق الوطنية إلى مرحلة الكارثة الفعلية.

من المؤكد أن من صاغوا الرسالة إلى رئيس السلطة، وكذلك من وقعوا عليها، يعرفون الكثير عن هذا المسار منذ بدايته. كما أنهم يعرفون التكيفات المطلوبة لعرض ورقة سياسية، أو مشروع سياسي. طرح البرنامج المرحلي عام أربعة وسبعين. وفي ظروف مختلفة كثيرا، كان في متنه نتاج تكيفات مع التصور المطروح للتسوية. وكل التعديلات التالية جاءت في السياق نفسه. وعليه لن يكون من شأن مبادرة جديدة، سوى تثبيت المسار الانحداري، ومنطق التنازل عن الحقوق.

توصف كل مناهضة للتسوية، وكل رفض للتنازل عن الحقوق الأساسية، وفي طليعتها حق شعبنا في وطنه فلسطين كاملا، يوصف كل هذا بالعدمية. ولكن العدم يرتبط بتطويع الإدراك كي يقبل الفلسطيني بجزء صغير من حقه، تحت شعار الواقعية.

رئيس السلطة لن يعمل بمضمون الرسالة. ومضمون الرسالة لا يختلف كثيرا عن المآلات التي تريدها السلطة.