_
الشركات تغرّم الدول عندما تحاول لجمها
سيسيليا أوليفيت وبيا إيبرهاردت سيسيليا أوليفيت وبيا إيبرهاردت

الشركات تغرّم الدول عندما تحاول لجمها

قبل عشرين عاماً ودون عرضها على النقاش العام، دخلت اتفاقية دولية غامضة حيّز التنفيذ. تمنح «اتفاقيّة ميثاق الطاقة ECT» صلاحيات واسعة للمستثمرين الأجانب في قطّاع الطاقة، ويشمل ذلك امتيازات خاصّة لمقاضاة الدولة بشكل مباشر أمام هيئات تحكيم سريّة يرأسها ثلاثة محامين خاصين. تطالب الشركات بمبالغ هائلة كتعويض عن أفعال حكومية يُزعم بأنّها أضرّت باستثماراتها، إمّا مباشرة عبر المصادرة أو بشكل غير مباشر عبر أيّ تشريعات.

تعريب: عروة درويش

على سبيل المثال، رفعت شركة الطاقة السويدية العملاقة «Vattenfall فاتنفول» دعوى قضائية على الدولة الألمانية مطالبة بتعويض يبلغ 1.4 مليار يورو بسبب الحظر البيئي الذي تمّ فرضه على محطات الطاقة العاملة على الفحم المحترق. تمّت تسوية القضيّة بعد موافقة الحكومة على تخفيف القيود على حماية الأنهار والحياة البريّة المحلية. ومنذ عام 2012 تقاضي «فاتنفول» ألمانيا من جديد ساعية وراء تعويض بمبلغ 4.3 مليار يورو إضافة للفوائد من أجل الأرباح الضائعة من مفاعلين نوويين، وذلك عقب الانسحاب التدريجي من الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما. تقوم عدّة شركات مرافق عامّة بمقاضاة أفقر دول أوروبا: بلغاريا، سعياً وراء مئات الملايين على خلفية قيام الحكومة بتخفيض تكاليف الكهرباء المرتفعة للمستهلكين. وما ذكرناه ليس إلّا أمثلة قليلة.

  • السجلات العالمية:

ليس هناك أيّ اتفاقية استثمارية في العالم أدّت لدعاوى قضائية بقدر ما فعلت اتفاقية ميثاق الطاقة. هناك 117 دعوى معروفة تم رفعها من قبل الشركات في وقت كتابة هذه الكلمات، وذلك تالياً لعدد هائل من الدعاوى القضائية على مدى الأعوام الخمسة الماضية. في نهاية 2017 وافقت الحكومات أو أمرت بالموافقة على دفع أكثر من 51 مليار دولار كتعويضات مأخوذة من جيب العامّة. يعادل هذا ذات المبلغ المطلوب استثماره سنوياً لإيصال الطاقة لجميع من يفتقد الوصول إليها حول العالم. إنّ قيمة الدعاوى القضائية المعلقة في إطار هذه الاتفاقية – 35 مليار دولار – هي أكثر من الناتج القومي الإجمالي للكثير من الدول، وأكثر من المبلغ السنوي اللازم لإفريقيا للتكيّف مع تغيّر المناخ. وتبعاً لغموض عمليات التحكيم في إطار الاتفاقية، فمن المرجح أن تكون الأرقام أعلى من ذلك بكثير.

  • سلاح طاقة قذرة خارق:

تقاضي شركة النفط والغاز البريطانية «روكهوبر Rockhopper» منذ عام 2017 الدولة الإيطالية بسبب رفضها منحها امتياز تنقيب عن الغاز في البحر الأدرياتيكي. رفضت إيطاليا ذلك عقب منع البرلمان أيّ عمليات تنقيب جديدة عن النفط والغاز قرب السواحل الإيطالية في 2016، وسط مخاوف بيئية ومعارضة محلية قويّة للمشروع. تطلب روكهوبر تعويضاً ليس على تكاليف الإيقاف البالغة 40 إلى 50 مليون دولار، بل كذلك على الـ 200 إلى 300 مليون دولار التي كانت لتجنيها لو تمّت الموافقة على حقل النفط التي تقدمت بطلبه.

إنّ مثل هذه المطالبات عن «أرباح مستقبلية افتراضية» شائعة جدّاً في إطار اتفاقية ميثاق الطاقة. فقد تحولت إلى آلة مال بيد الشركات وإلى سلاح خطر في يد صناعة الوقود الأحفوري، والتي تملك بالفعل الآن احتياطي غازٍ ونفطٍ وفحمٍ أكثر بكثير ممّا يقول العلماء بأنّه آمن للحرق. فإن أجبرت الدول الشركات على الإبقاء على هذا الوقود الأحفوري في الأرض، كما فعلت إيطاليا فيما يتعلق بالنفط والغاز في البحر الأدريكاتيكي، فستكون عندها مسؤولة عن مطالب التعويض الباهظة الثمن للغاية عن «أرباح مستقبلية فائتة».

وعلى الرغم من مخاطر هذه الاتفاقية على الموازنة العامّة وعلى قدرة الحكومات على حماية شعبها وبيئتها، فإنّ الكثير من الدول في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية تتجه نحو التوقيع عليها. يقود هذه العملية الدول الامبريالية وأمانة الاتفاقية ومحامو الشركات المنتفعون من هذه الامتيازات الاستثمارية الخطرة. إنّهم يريدون أن يعولموا اتفاقية ميثاق الطاقة لتصبح مثل اتفاقية التجارة العالمية الخاصة بالطاقة.

  • النظام العالمي الخطر:

في هذا النظام العالمي، تشتت الحروب التجارية الجميع وتلهيهم عن استيعاب المشاكل الأكثر خطورة في النظام التجاري الحالي. فعلى مدى العشرين العاماً الماضية قد تعلمنا بالطريق الصعب مدى خطورة هذا النظام ومدى قدرته على التدمير. تعتبر صفقة التجارة والاستثمار، أمثال اتفاقية ميثاق الطاقة، أدوات بيد الشركات العملاقة لتجعل الحكومات تدفع أموال باهظة إذا ما أرادت أن تشرّع قوانين لحماية البيئة. يمكن للشركات استخدام هكذا أدوات للتنمر على صانعي القرار وكبحهم عن اتخاذ القرارات الصائبة.

إنّ الخطوة الأولى للحل بالنسبة للدول غير الموقعة هي ألّا توقع، وبالنسبة للدول الموقعة أن تغادر الاتفاقية مثلما فعلت إيطاليا.

آخر تعديل على الثلاثاء, 09 نيسان/أبريل 2019 23:18