_
من سمَّم سكريبال؟
جيمس أونيل جيمس أونيل

من سمَّم سكريبال؟

أثار الهجوم الهستيري المشتبه به على ضابط المخابرات الروسي السابق "سيرجي سكريبال"، والذي أثّر أيضاً على ابنته في مدينة "سالزبوري" الانكليزية يوم الأحد الماضي، الكثير من التكهنات والكثير من الهيستيريا، والقليل من التحليل والبصيرة. ووفر هذا الحدث الفرصة لوسائل الإعلام الغربية لتوجيه الاتهامات لروسيا بشكل عام وفلاديمير بوتين بشكل خاص، بأنها محاولة للتخلص من عدو مزعوم للكرملين.

كما هو الحال في تحقيق "مولر" حول التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، هناك اتهامات بدرجة متفاوتة من الوحشية، ولكن لا يوجد دليل حقيقي من شأنه أن بتجاوز القاعدة الأولى في أي محكمة.

أولاً: ما هي الحقائق المعروفة، التي تم الإبلاغ عنها بدقة في وسائل الإعلام الغربية الرئيسية؟ كان الضحية (على افتراض أنه كان هجوماً متعمداً عليه وعلى ابنته) العقيد السابق في دائرة الاستخبارات العسكرية الروسية. وهذه أحد أكبر وكالات الاستخبارات الروسية، وكما هو الحال مع نظائرها الغربية، فهي تشمل الكثير من الوظائف، والتجسس إحداها.

تم تجنيد سكريبال في أوائل التسعينات، من قبل "بابلو ميلر"، الذي رفض الإعلام البريطاني ذكره. كان "ميلر" عميلاً لشركة (MI6) في تالين، عاصمة إستونيا. كانت مهمة ميلر الرئيسية تجنيد الروس لتقديم معلومات عن بلدهم للبريطانيين. وهناك حقيقة مثيرة للاهتمام، ربما من قبيل الصدفة، أن ضابط المخابرات البريطانية (MI6) "كريستوفر ستيل" كان في هذا الوقت تحت غطاء دبلوماسي في موسكو. وأصبح "ستيل" يعرف باسم المؤلف الرئيسي لملف ترامب الشهير.

عندما عاد "ستيل" إلى لندن، كان يدير مكتب شركة (MI6) الخاص بروسيا بين عامي 2006 و2009. وكانت المعلومات التي كشف عنها "سكريبال" قد تم منحها لشركة "ستيل"، في البداية في موسكو وفي وقت لاحق في لندن.

اعتُقل "سكريبال" في عام 2004. وأدين بتهمة الخيانة في عام 2006، وحُكم عليه بالسجن لمدة 18 سنة. تم الإفراج عنه في عام 2010 كجزء من صفقة تبادل السجناء مع الجواسيس الروس في السجون الأمريكية. ذهب للعيش في المملكة المتحدة، حيث عاش التقاعد منذ ذلك الحين. ومن الحقائق المثيرة للاهتمام، على الرغم من احتمال كونها صدفة مرة أخرى، ان "سالزبوري" حيث عاش سكريبال، لا تبعد سوى 12 كيلومتراً عن "بورتن داون"، المركز الرئيسي للبحوث في المملكة المتحدة للأمراض الأعصاب.

إذا كان الروس يريدون قتله، فكان لديهم فرصة كبيرة للقيام بذلك خلال السنوات التي قضاها في السجن او السنوات الثمانية التي عاش فيها في "سالزبوري". إذا كانوا يرغبون في قتله، فليس من المعقول جداً أن يفعلوا ذلك علناً وبواسطة وسيلة لا يمكن شراؤها من الصيدليات. فيتطلب التعامل مع هذه المواد الخطرة وإدارتها خبرة مهنية. وبالتالي فإن المرشحين الواضحين لمحاولة قتله هي وكالات حكومية، ولكن يبقى أن نعرف من هي الحكومة.

أصبح "سكريبال" ودوداً أثناء إقامته في "سالزبوري"، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية، مع عدم ذكر اسم "بابلو ميلر"، ولكن تمت تسميته على الانترنت.

يعمل ميلر الآن مع شركة استشارات أمنية بريطانية تدعى (أوربس للأعمال الاستخباراتية). ووفقاً لتيلغراف تمت الآن إزالة ارتباط ميلر بهذه الشركة من الملف الشخصي.

السؤال الواضح مرة أخرى هو: لماذا نفعل ذلك الآن؟

(أوربس) هي وكالة الاستخبارات الخاصة التي يملكها "كريستوفر ستيل". يبدو انها أكثر من مجرد مصادفة أن الرجال الثلاثة الذين كان لهم روابط شخصية ومهنية تعود إلى التسعينات، ويجب أن يكون لهم ارتباط مستمر في نفس الوقت الذي تم فيه تجميع ملف ستيل. ووصف مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق "جيمس كومي" ملف "ستيل" بأنه موقف ولا يمكن التحقق منه.

ومن المؤكد أن هذا أمر معقول، ولكن فرضية بديلة تقدم نفسها في ضوء الحقائق المذكورة أعلاه، ولم يتم ذكر هذه الفرضية.

إن فرضيتي المضاربة على اعترافي، هي أن "سكريبال" كان من المحتمل أن يشارك في إنتاج ملف "ستيل". ولذلك كان في وضع يمكنه من تقديم معلومات ضارة للغاية في ظروف ملف "ستيل".

في أي تحقيق جنائي رئيسي، أحد الأسئلة الأساسية التي يطرحها التحقيق: من الذي يملك الوسائل والدوافع والفرصة؟ وفي ضوء ذلك يأتي الروس في المركز الرابع خلف المشتبه بهم الرئيسيين الآخرين وكالات المخابرات الأمريكية، المملكة المتحدة نفسها، وعناصر الدولة التي سعت إلى منع ترامب من الفوز وبالتالي تقويض رسالته. الدافع الأساسي الذي ينسب التهمة إلى روسيا هو خيانة "سكريبال" منذ أكثر من عقد من الزمن.

والسؤال الرئيسي الثاني الذي يطرح في أي تحقيق جنائي هو "المصلحة" – من المستفيد؟ من الصعب تصور حجة ذات مصداقية مفادها أن روسيا هي المستفيد من تسمم "سكريبال".

مزيد من الدعم للفرضية أن رئيس الوزراء البريطاني "تيريزا ماي" قدمت بياناً للبرلمان البريطاني. وكان هذا البيان سخيفاً وكان يمكن إجراؤه فقط عندما تكون النية تهدف إلى زيادة شيطنة روسيا ومعاقبتها، بدلاً من أي محاولة لإثبات الحقيقة وتطبيق المبادئ العادية للأدلة والتحليل الواقعي.

وقد تم تحليل حجة "ماي" بدقة على موقع "قمر ألاباما"، والتي أشارت إلى أن روسيا دمرت كل المخزون المتبقي من برنامج الأسلحة الكيميائية للاتحاد السوفيتي ولا تنتج في الوقت الحالي أسلحة كيميائية.

يعزز تشويش البريطانيين من وجهة نظرهم أن "سكريبال" يشكل خطراً على قوات مكافحة ترامب. ولذلك سعت السلطات إلى التخلص منه. وهناك سابقة مشابهة لمثل هذه الحادثة وهي انتحار الدكتور "ديفيد كيلي".

أصبحت فرص ظهور الحقيقة ضئيلة، وفي الوقت نفسه يتزايد الصراع في روسيا.

تنويه: إن الآراء الواردة في قسم «تقارير وآراء»- بما قد تحمله من أفكار ومصطلحات- لا تعبِّر دائماً عن السياسة التحريرية لصحيفة «قاسيون» وموقعها الإلكتروني