_
نهب القسطنطينيّة
إعداد: عروة درويش إعداد: عروة درويش

نهب القسطنطينيّة

في عام 1204، حدث غير المرتقب حدوثه في القسطنطينيّة، وذلك بعد مرور تسعة قرون على الصمود في وجه الغزاة. تمّ نهب القسطنطينيّة. وكانت الحقيقة الأكثر إرباكاً هي أنّ الجناة لم يكونوا من الأعداء التقليديين للإمبراطورية البيزنطيّة: جيوش المسلمين أو البلغار أو المجر أو الصرب، بل كانت جيوش المسيحيين الغربيين أثناء الحملة الصليبيّة الرابعة. ومع سقوط المدينة، اختفت الكثير من أيقوناتها الدينيّة ومن آثارها القديمة ومن أعمالها الفنيّة، وتم تقسيم الإمبراطورية البيزنطيّة بين البنادقة وحلفاؤهم. ورغم أنّ الإمبراطوريّة ستخرج من جديد من بين الأنقاض، لكن لن تتمكن القسطنطينيّة من الادعاء بعد ذلك بأنّها المدينة الأعظم والأكثر ثراء والنابضة بالحياة في العالم.

تمّ إطلاق الحملة الصليبيّة الرابعة بعد إعلان البابا إنوسنت الثالث عام 1202 للميلاد، تحت شعار استعادة القدس للمسيحيين بعد سقوطها في يد السلطان صلاح الدين عام 1187 للميلاد. تجمّع المقاتلون الصليبيون القادمين من جميع أنحاء أوروبا في البندقية في حزيران 1202، يقودهم الماركيز بونيفاس المونتيفراتي. من هناك خططوا للإبحار إلى مصر، التي كانوا يعتبرونها خاصرة العدو الضعيفة. لكنّ البنادقة، وهم الذين كانوا تجاراً جشعين، أصروا على أن يدفع الصليبيون مقابل استخدام السفن الـ 430 التي يملكونها. لكنّ الصليبيين لم يتمكنوا من دفع مبلغ 84 ألف مارك فضي. بالنتيجة تم عقد اتفاق على أن ينقل البنادقة الصليبيين ولكن عليهم أن يتوقفوا في زارا على الساحل الدلماسي، ويعيدوا احتلالها لصالح الإيطاليين، بعد أن انشقت عنهم قبل وقت قصير لصالح الهنغار. ونصّ الاتفاق على أن يمنح البنادقة 50 سفينة من سواحلهم الخاصة على أن يحصلوا على نصف أيّ منطقة يتم غزوها.

بعد أن غزا الجيش الصليبي زارا، اتفق البنادقة مع الصليبيين على أن يحولوا وجهتهم من القدس إلى القسطنطينيّة. ورغم الجدل الكبير بين المؤرخين على سبب ذلك، فالغالب أنّ البنادقة أرادوا التخلص من منافسهم التجاري القوي، ولم يكن دور جيش «الصليبيين» المباشر أكثر من قوات مرتزقة أغووها بالمال الحالي والغنائم المرتقبة. ولم يؤثر في ذلك بكل تأكيد «حزن البابا» على مهاجمة جيش الصليبيين لمدينة مسيحيّة، وسحبه للقب «صليبي» من الجيش، قبل إعادته إليه بعد فترة.

  • الهجوم على القسطنطينيّة:

وصل الصليبيون إلى أسوار القسطنطينيّة في 24 حزيران 1203 واستخدموا ورقتهم الرابحة. فقد قررت القوى الغربيّة أن تدعم أليكسيوس الرابع أنجيلوس، ابن الإمبراطور البيزنطي المخلوع إسحق أنجيلوس الثاني، ووعدوه بإعادة والده إلى العرش إن هو ساعد الصليبيين بالمال والجنود والمؤن. وكان من بين الغازين ملك الجرمان فيليب السوابي، المتزوج من شقيقة ألكسيوس.

سقطت القسطنطينيّة بسهولة ملفتة للنظر ما أن استطاع الصليبيون تجاوز حامية برج غالاتا، وأنزلوا الأكبال الهائلة التي كانت تمنع الوصول إلى ميناء القرن الذهبي. فبدؤوا بعدها هجومهم مع الأسطول مستخدمين أسلحة الحصار والسلالم المتدرجة. وحتّى الحراس الإفرنج (وهو الاسم الذي كان يطلقه اليونان والروثينيون على الفايكنغ) لم يتمكنوا من منع الغزاة من اقتحام المدينة. وفرّ الإمبراطور أليكسيوس الثالث أنجيلوس، شقيق إيزاك، من المدينة على إثر ذلك.

حاول الإمبراطوران، الابن والأب، المنصبان من جيش الصليبيين أن يفيا بوعودهما. وبسبب قلّة الموارد حاول فرض زيادة في الضرائب ممّا أدّى لسخط الشعب عليه. فإن أضفنا جهوده الفاشلة لإخضاع الكنيسة الشرقيّة لكنيسة روما، وبقاء الصليبيين الذين أشعلوا ناراً كبيرة حول المدينة، سنفهم دعم الشعب لأحد قادة الجيش المدعو أليكسيوس الخامس دوكاس في استحواذه على السلطة، وإعدامه كلا الإمبراطورين، الأب والابن، في كانون الثاني 1204 للميلاد.

شرع دوكاس، والمعروف باسم مورتزوفلوس «كثّ الحاجبين»، بمحاولات جديّة لتدعيم الدفاع عن العاصمة، فدعّم الجدران الثيودوسيانيّة ورفع الأبراج، وقام بعدّة هجومات على معسكر الصليبيين. فقام الصليبيون بمحاولة الانتقام في 9 نيسان 1204، ولكنّ البيزنطيين استطاعوا صدّهم. فأعاد الصليبيون الكرّة في 12 نيسان، ولكن هذه المرّة بعد أن أعادوا جمع سفنهم مع بعضها البعض، وباستخدام أضعف نقطة في الجدار، وبشكل متتالي ومتكرر. صمد المدافعون لفترة، ولكنّهم انهاروا في نهاية المطاف عندما استطاع الفرانكس (الغال الفرنسيون) اقتحام أبواب المدينة.

دخل الصليبيون المدينة وبدأت الفوضى، فاغتصبوا وقتلوا المدنيين، ودمروا وأشعلوا المباني والكنائس ودنسوها. هرب دوكاس من المدينة وتمّ فيما بعد الإمساك بعد وتعميته ورميه من أعلى برج. بدأت حال دخول الصليبيين المدينة ثلاثة أيام متتالية من النهب.

  • نهب المدينة:

لخّص المؤرخ جيروم نورويتش الخسارة التي لحقت بالعالم أجمع جرّاء نهب القسطنطينيّة، فقال: «نتيجة نهب القسطنطينيّة، عانت كامل الحضارة الغربية من خسارة أعظم من حرق مكتبة الإسكندرية في القرن الرابع، ومن نهب روما في الخامس. ربّما كانت أعظم كارثة يؤدي لها حدث واحد في التاريخ».

كان يسكن في القسطنطينية في عام 1204 حوالي 300 ألف شخص، ممّا يقزم منافستها البندقية التي كان يسكنها 80 ألفاً، أو أيّ مدينة أوربية أخرى في ذلك الوقت. ولا يتعلق الأمر بعدد سكانها وحسب، بل أبنيتها وكنائسها وقصورها وحدائقها وميادينها العامّة، والأهم من كلّ ذلك بالنسبة لغزاتها: مظاهر ثرائها. فمن نهبها لم يبق على شيء من تماثيلها أو أعمالها الفنيّة التي لا تحصى أو كتبها أو مخطوطاتها أو جواهرها التي جمعها الأباطرة والنبلاء خلال ألف عام. فما لم يتم نهبه، تمّ تدميره أو إحراقه أو تذويبه بسبب معدنه الثمين. حتّى مدافن الأباطرة، ومن بينها قبر جستينايان الأكبر الشهير، تمّ فتحه ونهب محتوياته الثمينة.

ومن بين الآثار البارزة التي نهبت من المدينة بقايا ما يسمّى «بالصليب الحقيقي» الموجود في كاتدرائيّة ليمبورغ في ألمانيا، والخيول البرونزيّة الأربعة الموجودة في كاتدرائيّة البندقيّة، والتي كانت في الغالب سلسلة من مجموعة عربات الخيول التي تزيّن بوابة ميدان سباق خيل القسطنطينيّة المليء بالكنوز.

وحصل البنادقة بعد ذلك على ثلاثة أثمان مدينة القسطنطينيّة: الجزر الأيونيّة وكريت وإيوبوا وأندروس وناكسوس وبضعة نقاط استراتيجية على ساحل بحر مرمرة. وتم تتويج بالدوين الفلاندري كإمبراطور لاتيني في كنيسة آيا-صوفيا، فحصل على خمسة أثمان القسطنطينية وربع الإمبراطورية. وحصل بونيفاس المونتفيراتي على تسالونيكه وشكّل مملكة جديدة ضمّت أثينا ومقدونيا. وفي عام 1215، على إثر موت بالدوين في سجن بلغاري، أوجد ويليام شامبليت وجيوفري الأول فيليهاردوين سلالة من اللاتين في البيلوبونيز. وحصل دوق أوثون الفرنسي أتيكا وبويوتيا. وستعود في عام 1261 الإمبراطورية البيزنطيّة للنهوض من جديد.

تنويه: إن الآراء الواردة في قسم «تقارير وآراء»- بما قد تحمله من أفكار ومصطلحات- لا تعبِّر دائماً عن السياسة التحريرية لصحيفة «قاسيون» وموقعها الإلكتروني