_
تركيا التائهة .. إلى أين؟

تركيا التائهة .. إلى أين؟

تشير آخر الأرقام عن الوضع في تركيا: إلى أن الليره خسرت  ما يقارب 50%  من قيمتها، بينما تراجع الدخل السياحي بحوالي 30 %، وانخفضت نسبة النمو من 7 % الى 2.9 %، وانسحبت حوالي 50 % من الاستثمارات الخارجية، بسبب عدم الاستقرار، وفي حين بلغت معدلات البطالة حوالي12 %، وبين الشباب إلى اكثر من 25%.

 

العد التنازلي للـ«معجزة التركية» تزامن مع تفجر الأزمة الرأسمالية الراهنة، حالها حال معظم بلدان الرأسمالية الطرفية، واذا أردنا توصيف الأزمة التركية الحالية، يمكن القول، بأنها أزمة انتماء، حيث انتهى الدور الوظيفي المرسوم منذ عقد ونصف تحت راية «الاسلام المعتدل»، و الدور الوظيفي الجديد لم يتحدد بعد، في ظل تراجع وتخبط المركز الذي كان يوزع الأدوار، ويتحكم بوظيفة الدولة الطرفية التابعة. 

بعبارة أخرى، تمر الدولة التركية، بكل بنيتها التاريخية في مرحلة انتقالية، هي مرحلة البحث عن الذات في الظرف الدولي الجديد، وهو أمر موضوعي من حيث المبدأ، ولكن المشكلة تكمن في أن من يتنطع لهذه المهمة، يبدو كأنه أعمى، أو على الأقل عاجز، ويحاول القيام بها بأدوات وسياسات لم تعد تتناسب مع الوقائع الداخلية والإقليمية والدولية، وعبثاً يحاول الجمع بينها، في ظرف تفجرت فيها كل التناقضات بالتوازي: 

- تناقض مع الإدارة الامريكية، والاتحاد الاوربي، يتمظهر بالتوسل والاستجداء والدونية مرة، ومرة بـ«الحرد» من الحلفاء، يأخذ شكل خطاب شعبوي، يتسم شكلاً بالعنجهية والاستعلاء، ويعكس في الواقع ضعفاً وقلقاً. 

- تناقضات مع الجوار الإقليمي، من خلال السعي إلى لعب دور مركز اقليمي، قائم على العربدة، والتدخل الوقح في شؤون الآخرين.

- تناقضات مع القوى الدولية الصاعدة، عبر محاولات بائسة لابتزازها. 

- تناقضات داخلية: اقتصادية، تتكثف بتراجع النمو، وهروب الاستثمارات، وسياسية، تظهر في العلاقة مع القوى السياسية الأخرى، و في الملف الكردي..           

الانقلاب الأبيض، أو الرمادي بعبارة أدق، الذي جرى تحت مسمى التعديلات الدستورية، هي محاولة من النخبة التركية، لإعادة هيكلة الدولة التركية بكل ما تحملها الكلمة من معنى، استندت على تحالف سياسي – حزبي هش « القوميين - الاسلاميين» فرضه واقع حال طرفين مأزومين، فيه ما فيه من ألغام قابلة للتفجير لاحقاً، خصوصاً مع الفارق القليل في التصويت بين لا، ونعم.

كشف الانقلاب العسكري الفاشل في تموز الماضي، ونسب التصويت حول التعديلات الدستورية بالملموس، الانقسام الحاد في الدولة والمجتمع والطبقة السياسية في تركيا، في ظل وضع دولي واقليمي مضطرب، وهي إشارات واضحة على الخطر الكبير الذي يهدد وجود الدولة التركية، في حال استمرار السياسات السابقة، بكل ما يحمله ذلك من خطر على الأمن العالمي ككل، بحكم الوزن الجيوسياسي للدولة التركية، وموقعها الجغرافي، وهو ما تريده وتشتغل عليه كما نعتقد قوى الحرب في المركز الغربي الرأسمالي. 

بين مشروعية البحث عن الذات، وبين خطل الخيارات المتبعة، ثمة طريق وحيد أمام تركية للخروج من المستنقع الذي تنزلق إليه بتسارع، وهو حسم خيارات التبعية في العلاقة مع المركز الرأسمالي الغربي، لصالح العلاقة مع القوى الدولية الصاعدة، التي تنتمي تركيا معها إلى ذات الفضاء الجغرافي الثقافي، الاقتصادي، واحترام سيادة الدول في الاقليم، وعدم التدخل في شؤونها، وحل قضايا الداخل التركي، وعلى رأسها القضية الكردية حلا ديمقراطيا عادلاً، فهل ستبلور المرحلة الانتقالية التي تمر بها تركية حوامل لمثل هذه الخيارات، وهي كما نعتقد خيارات تعبر عن مصالح قوى هامة وذات وزن في الدولة والمجتمع التركيين، لاسيما، وأن التوازن الدولي الجديد، يمهد الطريق لتبلورها، ونجاح خياراتها؟