_
دور الفرد.. والفقه الليبرالي!
الدفاع عن كاسترو، أو أي رمز آخر ، ليس مجرد دفاع عن فرد

دور الفرد.. والفقه الليبرالي!

الذي يميز الفرد – أي فرد كان – هو مدى توافق موقفه وسلوكه ونشاطه الاجتماعي، مع اتجاه التطور الموضوعي، على طريق تحقيق الشرط الإنساني، أي التوافق مع تحرير الإنسان من كل ما يقيد نشاطه المعبر عن حاجاته ككائن اجتماعي، وقدرته على المساهمة في الإنتاج المادي والروحي، ومن الطبيعي أن تختلف المستويات والإمكانات الفردية بين البشر، وهنا بالذات، يبرز دور الفرد كعامل مسرع لاتجاه التطور الموضوعي، أو معيق له، وهذا ما يجب أن يكون المعيار الأساسي في تقييم دور أي فرد.

الدفاع عن كاسترو، أو أي رمز آخر ، هو ليس مجرد دفاع عن فرد، كما يزعم الفقه الليبرالي، و«المتأدبين اليساريين» بل هو قبل ذلك، موقف من مسار فكري وسياسي، وتجربة، ومنظومة قيم، تَمَثّلها هذا أو ذاك من الأفراد عبر التاريخ. عدا عن أن الرجل لا يحتاج إلى الدفاع عنه، في محكمة الدجل البرجوازي، التي اصطف فيها شهود الزور، من ساسة وإعلاميين، وكَتَبَه، وأعادوا إنتاج ما قالته «السي آي اي» خلال نصف قرن عن الرجل، وبعد أكثر من 600 محاولة تصفية جسدية، أليس انحطاطاً أخلاقياً ومعرفياً، أن يلوك قطاع واسع من الصحافة الليبرالية، ما حفلت به الترسانة الدعائية للعدو اللدود للتجربة الكوبية، في ظل عداوة وجودية استمرت خمسين عاماً، أية محكمة تلك التي تقبل شهادة القاتل عن الضحية؟  

كوبا 1953
ينتمي كاسترو إلى أسرة تمتلك 25 ألف هكتار، يعمل فيها 400 موظّف. يترك ذلك كله خلف ظهره، ويقرر بملء إرادته خوض النضال  ضد ديكتاتور حاكم فيزج به في السجن، ثم يخرج فيقرر خوص«النضال طبقياً» ليقاتل في الأدغال إلى جانب الفقراء، مع العشرات من رفاقه، وبينهم شقيقه، ويقود ثورة وينتصر. وتدخل القوات الثورية العاصمة يوم 8 كانون الثاني/ يناير 1959. ويصبح المحامي الليبرالي الدكتور «مانويل أوروتيا ليو» رئيساً، بدعم من حركة 26 يوليو، ويحل محله «أوزفالدو دورتيكوس» الذي شغل منصب الرئيس حتى عام 1976. ويصبح كاسترو رئيسا للوزراء في شباط / فبراير 1959، خلفًا لخوسيه ميرو في هذا المنصب.

كاسترو 2016 
يتوفى كاسترو- ويوصي الرجل بحرق جثمانه، يودعه شعبه، وتودعه أمريكا اللاتينية، بناسها و نخبها ومثقفيها ورموزها، كما لو أنه قِدّيس، وهم الذين عرفوه أكثر من غيرهم، بالتجربة، وليس كما تم تقديمه في مختبرات cia الإعلامية، فيخرج سقط متاع الإعلام، والثقافة، والفكر، وكتاب الموائد، وخدّام السلاطين، في الإعلام الليبرالي، ويتهموا كاسترو بالفساد والديكتاتورية.. ! 

ودّع غيفارا صديقه فيديل قبل أن يذهب إلى  بوليفيا، لاستكمال رسالته، التي آمن بها، وكتب إليه رسالة قال فيها:
«إما أن ينتصر الإنسان أو أن يموت، ولقد قضى الكثيرون من رفاقنا نحبهم في الطريق إلى النصر، إننى أشعر بأنني أنجزت ذلك الجزء من عملي الذى كان يربطني بالثورة الكوبية، وإن بلاداً أخرى في هذا العالم تحتاج إلى جهودي. وأظن أنني أستطيع القيام بما لا تستطيعه أنت بسبب مسؤولياتك في قيادة كوبا. أجل لقد حان وقت الرحيل والافتراق، وأريدك أن تعرف أنني أرحل بمزيج من الغبطة والألم. فإذا جاءت ساعتي تحت سماءٍ أخرى، فإنك والشعب الكوبي ستكونان في خاطري قبل أن ألفظ نفسي الأخير... النصر أو الثورة أو الموت» بعد وفاة كاسترو، يخرج علينا معتوهي الإعلام الليبرالي، ويختلقوا ويفبركوا قصصاً عن خلافات بين كاسترو، وغيفارا.

ليس من الحكمة، أن نزعم بأن كاسترو لم يخطأ، وأن التجربة الكوبية لم تمر بأخطاء وأزمات، فالجثث الميته وحدها تخلو من الأزمات، ولكن من السخف أن يتم «تلبيس» طرابيش لهذه الأخطاء، بحيث تصبح هي خلاصة التجربة الكوبية، التي يعتبر كاسترو رمزاً لها، وهنا تماماً يكمن الفرق بين التقييم الموضوعي للظواهر التاريخية والأفراد، وبين الدجل.

باختصار شيطنة كاسترو، وممارسة التشنيع بحقه، هي محاكمة لتجربة تاريخية، قبل أن تكون موقفاً من فرد، تجربة استطاعت أن تقول لا، لأعتى امبراطورية بالتاريخ، واستمرت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واستطاعت أن تعمم نموذجها في أمريكا اللاتينية!