_
الصراع على روح تركيا
مصطفى اللباد مصطفى اللباد

الصراع على روح تركيا

تتضمن المادة التالية تحليلاً مهماً لما جرى في تركيا، وتتركز أهميته في معالجته لجانب من جوانب الوضع الداخلي التركي بوصفه مقدمة لما جرى مؤخراً.. وإن كانت «قاسيون» ترى أن جوانب أخرى لها دور أكبر فيما جرى، وتحديداً الجوانب الدولية والإقليمية، وإن كانت لا تتفق مع بعض جوانب التحليل الوارد في المادة أدناه، إلّا أنها تضعها بين يدي قارئ موقع قاسيون الالكتروني لما لها من أهمية..

انتهى الانقلاب العسكري في تركيا خلال خمس ساعات، لكن الأزمة السياسية والمجتمعية لم تنته بعد ولا تُتوقع نهايتها سريعاً. أراد الانقلاب العسكري الفاشل إعادة توجيه التاريخ التركي إلى لحظة العام 1923 عند تأسيس الجمهورية التركية، بما حملته من قيم وأفكار، فيما أرادت سياسات أردوغان التي تخوّف منها الانقلابيون فعل الشيء ذاته، ولكن بالعودة إلى فترات ما قبل تأسيس الجمهورية بما حوته من قيم وأفكار وأساطير أيضاً. بهذا المعنى، لا يمكن اختصار ما جرى في تركيا الأسبوع الماضي بمحاولة انقلاب فاشلة فقط ـ وهي كذلك بالطبع - وإنما يتوجب تسليط الضوء على الصراع الأكبر الذي اندرج فيه الانقلاب العسكري. ويُقصَد بالصراع الأكبر هنا ذلك الصراع على ماهية تركيا التي يريدها الأفرقاء، وبالتالي يتجاوز الموضوع تفاصيل الانقلاب وملامح الصراع السياسي وقسمات التنافس الاقتصادي ـ الاجتماعي، ليطال في النهاية روح تركيا.

الجمهورية الكمالية تتلاشى

لم تعد الجمهورية الكمالية التي تأسست قبل تسعين عاماً ونيف على حالها الأول بعد الانقلاب الفاشل، الذي مثل ذروة التراجع للجمهورية التركية بالمعنى المتعارف عليه سابقاً. أحرزت الجمهورية التركية نجاحات لا يمكن إنكارها، إذ إن تأسيسها في حد ذاته بالعام 1923 جاء تتويجاً لمحاولات إنقاذ ما تبقى من أراضي السلطنة العثمانية الواقعة تحت مجموعة من الاحتلالات الأجنبية (إيطالية ويونانية وإنكليزية وفرنسية). ومع التغريب الذي اعتمده المؤسس مصطفى كمال أتاتورك والدور القوي للدولة في السياسة والاقتصاد والطابع القومي للجمهورية، فقد كانت الفسيفساء الممثلة على الجغرافيا التركية في حال من التساكن بقرار وحماية فوقية دولتية. وإذ يمكن رؤية تركيا على الخريطة مثل شريحة أفقية تعزل البحرين الأبيض والأسود، يمكن عند التمعن فيها أيضاً ملاحظة الفسيفساء العرقي والطائفي الساكن في جنباتها، مثلما يمكن اكتشاف تمايز جهوي أساسي بين الغرب والشرق التركيين أو بين الرومللي والأناضول. والتمايز الأخير لا يمكن إرجاعه إلى الجغرافيا فقط، بل إلى خليط من العوامل العرقية والثقافية والاقتصادية والسياسية.
قامت الجمهورية التركية ـ أو هكذا نُظر إليها من الأناضول ـ على هيمنة ثقافية وسياسية لمدن الغرب التركي وقيمها العلمانية والجمهورية، في مقابل الأناضول الأقل تقدماً اقتصادياً والمهمش إلى حد كبير في هياكل السلطتين السياسية والثقافية. ومنذ وصوله إلى السلطة في ظروف مؤاتية العام 2002، شرع «حزب العدالة والتنمية» في تغيير التوازنات داخل تركيا بتدرج حذر، بحيث فتح الباب أمام الأناضول سياسياً واقتصادياً بالصعود إلى هياكل الدولة التركية وثقافياً بتبني قيمه في برامج وسياسات الحزب.
وعلى العكس من أربكان ذي الشعار الإسلامي الفاقع والبرنامج السياسي المتصادم مع المؤسسات العلمانية المهيمنة والتوجه المعادي للغرب، فقد راح أردوغان ينسج خيوطه على مهل مستفيداً من تجربة سلفه. وبدلاً من الاصطدام الفوري مع المؤسسات، فقد فضل الإطباق على الجمهورية الكمالية من كل الأبواب ومن دون صخب كبير في البداية. وفي حين انشغلت تركيا لسنوات بـ «قضية الحجاب» ورفع الحظر عنه في الجامعات والمصالح الحكومية، فقد ارتأى البعض خارج تركيا الموضوع باعتباره هامشياً وقشرياً، لكن المسألة اندرجت عملياً في إطار الصراع السياسي والثقافي بين الأناضول والرومللي على روح تركيا.

انتعشت «نمور الأناضول» أو الشركات التركية المتوسطة ومعها شركات المقاولات برعاية الحزب الحاكم، فزاحمت بمرور الوقت حصة الاحتكارات التركية الاقتصادية في الغرب وأشهرها تلك العائدة لعائلتي «صابانجي» و «كوش». وساهم انفتاح «حزب العدالة والتنمية» على الدول العربية المجاورة والخليجية منذ ما قبل «الربيع العربي» في تأمين أسواق جديدة للشركات التركية أناضولية المنشأ والقريبة من الحزب، فتعاظمت الأرباح وتبدلت المواقع والتوازنات داخل الاقتصاد التركي بمرور السنوات. ومع تأمين الغالبية العددية في كل الانتخابات البرلمانية (أكثر من النصف قليلاً) مع ملاحظة أن عدد سكان الأناضول يزيد عن سكان مدن الغرب التركي بوضوح، فقد كان استمرار التبدل في المواقع في السلطتين السياسية والاقتصادية أمراً منطقياً. لذلك، ومنذ سنوات ما قبل الانقلاب الفاشل، لم تعد الجمهورية الكمالية بقيمها الأتاتوركية ونخبتها الرومللية المهيمنة أمراً بديهياً في تركيا، بل أصبحت المطالبة بالسلطة السياسية والاقتصادية والثقافية، من لدن «حزب العدالة والتنمية» باعتباره الممثل الشرعي للأناضول وقيمه ومصالحه، أكثر من واضحة.

الانقلاب الفاشل في سياقه الأشمل

في هذا السياق الكمالي المتراجع؛ بالتوازي مع الصعود الأناضولي - الإسلامي إلى هياكل السلطة في تركيا والممتد خلال السنوات العشر المنصرمة، جاء الانقلاب العسكري الفاشل ليحاول إرجاع الأمور إلى الوراء تسعين سنة ونيفاً، في حين عقد أردوغان وحزبه وجماهيره العزم على إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء أكثر من ذلك. خلقت خسارة الانقلابيين أمام حشود الأتراك الإسلاميين واقعاً جديداً في تركيا، تنتعش فيه الفضاءات الطورانية والعثمانية الجديدة والروابط التاريخية للجغرافيا التركية الممتدة من البلقان إلى الصين، في الوقت الذي انزوت فيه بشدة قيم الخصوصية التركية والانضواء في المعسكر الغربي وقاعدة «سلام في الداخل وسلام في الخارج» الأتاتوركية.
وبغض النظر عن صحة اتهام الداعية الإسلامي التركي المقيم في بنسلفانيا فتح الله غولين بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل من عدمها، إلا أن جوهر المواجهة في اسطنبول كان بين عناصر الجيش المشاركة في الانقلاب في مواجهة المواطنين من ذوي التوجه الإسلامي (غالبيتهم من قاطني المناطق الفقيرة في اسطنبول الآسيوية والمتحدرين من الأناضول). قطع الانقلابيون جسر البوسفور، إلا أن ذلك لم يمنع الجماهير الآتية من الجزء الآسيوي من الوصول إلى «ميدان تقسيم» في الجزء الغربي الأوروبي الأكثر تطوراً من المدينة عبر قوارب الصيد ومراكب النقل، ليواجهوا الانقلاب ويحافظوا على مواقعهم الجديدة في تركيا، تلك التي أراد الانقلاب إطاحتها. وبرغم أن احتمال التهدئة مع المعارضة يظل قائماً نظرياً ومنطقياً، كي يمنع أردوغان ازدياد التوتر في المجتمع التركي بما يهدد سلطاته ذاتها، إلا أن إجراءات الأسبوع الأخير تقول عكس ذلك.
استمر الصراع بوتيرة أقل صخباً طيلة «فترة التمكين» البالغة اثني عشر عاماً، وتشير الإجراءات المتلاحقة بحق القضاة والأكاديميين وموظفي الدولة إلى ترجيح احتمال أن الصراع الشامل على السلطة في تركيا، ربما يتصاعد بوتائر عالية خلال الفترة المقبلة لحسمه لمصلحة أردوغان/ «حزب العدالة والتنمية»/ كتلة المصالح الأناضولية. في هذه الحالة سيدخل أردوغان مواجهته النهائية للحسم، فيتحول الصراع في تركيا من صراع على حدود الأدوار والنفوذ والمصالح للأفرقاء، إلى صراع على وجود الطرفين في هياكل ومؤسسات الدولة التركية، وهو أمر ليس مضمون العواقب دائماً.

الخلاصة

أظهرت التيارات السياسية المختلفة في منطقتنا انحيازاتها مع بداية الانقلاب الفاشل، وكان الانحياز منصباً على الأساس الأيديولوجي سواء مع أردوغان أو ضده. وبرغم أهمية الأيديولوجيا في السجالات السياسية، إلا أنها لا تضيء في العادة على الأبعاد المختلفة للصراعات ولا على جوهرها المكنون. لا يجسّد رجب طيب أردوغان طموحات شخصية عارمة فحسب أو التيار الإسلامي في مواجهة خصومه العلمانيين فقط، وإنما أيضاً مصالح اقتصادية صاعدة وقيماً ثقافية مخالفة للقيم الأتاتوركية التي سادت وكانت. يتموضع أردوغان في الصراع التركي الأعمق باعتباره ممثلاً للأناضول في صراعه التاريخي مع الرومللي على السلطات السياسية والاقتصادية والثقافية في تركيا، وهنا بيت القصيد. من دون الالتفات إلى هذه المسألة، سيتم اختصار الصراع في تركيا بقشرة ثنائية الإسلامي/ العلماني الرائجة لتوصيف المشهد التركي، وهي على رواجها لا تكشف إلا الجزء الظاهر فقط من الصراع الأعمق الجاري على روح تركيا!

آخر تعديل على الثلاثاء, 26 تموز/يوليو 2016 13:19