_
لماذا يراسل بوتين الجامعة العربية؟

لماذا يراسل بوتين الجامعة العربية؟

كغيرها من المؤسسات الدولية التي جرت الهيمنة على قراراتها بفعل مرحلة «السيادة الأمريكية» على العالم، تعاني الجامعة العربية من ترهلٍ وتماوتٍ يبدوان جليين للعيان منذ أن بدأت إرهاصات التغير الجاري في موازين القوى الدولية، وتراجع واشنطن عن كونها «القوة الوحيدة رقم واحد» في العالم.

لا يغفل الكلام السابق أن المؤسسة المسماة «جامعة عربية»، هي بريطانية الهوى منذ نشأتها، ولكنّه يشير أيضاً إلى بداية ازدياد نفوذ وإرادة الولايات المتحدة الأمريكية ضمنها منذ عام 1956، أي بعد اتضاح تراجع الدور البريطاني والفرنسي بمقابل تقدم الأمريكي، وواقع أن انسياقها التام في الإطار الأمريكي تثبت فيما بعد.

في مقابل حالة الترهل التي تعتري «المؤسسات الدولية»، نجد أن القطب الصاعد عالمياً- والمعبَّر عنه بمجموعة «بريكس» ومنظمة «شنغهاي»- لا يتعامل مع هذه المؤسسات بمنطق الإنكار أو العداوة. وعلى العكس من ذلك، نشهد ما يبدو أنه إصرار روسي- صيني على التعامل مع هذه المؤسسات بمنطق احتواء النزعات التي تعبّر عن قوة عطالة مرحلة الزعامة الأمريكية، بالتوازي مع فعل كل ما يمكن فعله لتغيير المسار العام الذي تسير وفقه هذه المؤسسات، لأخذها بعيداً عن المسار الأمريكي، بما يتوافق مع الاتجاه الموضوعي الذي يرتبط بالمصلحة العميقة للدول المنضوية في هذه المؤسسات، والتي سيقودها «الطريق الوحيد» الذي يمكن أن تسلكه فيما لو أرادت الاستمرار بالتبعية للأمريكي، هو طريق إحراقها هي بالذات.

على هذه الأرضية، يمكن تفسير الطريقة التي يتعامل فيها القطب الروسي الصيني الصاعد مع مجموعة من المؤسسات الدولية التي لا تزال تعمل بقوة العطالة الأمريكية، ابتداءً من حلف شمال الأطلسي «الناتو»، مروراً بالصندوق والبنك الدوليين، وصولاً إلى المؤسسات ذات الطابع الإقليمي والتي تعمل وفق المنطق ذاته.

إن هذه الطريقة التي يتصرّف بها الطرفان الروسي والصيني مع المؤسسات الدولية والإقليمية آنفة الذكر، إنما تشي بالعقلية الكامنة لدى المسؤولين المعنيين والقيمين في القطب الصاعد، وهي عقلية المنتصر بالمعنى الاستراتيجي. وذلك الأخير، بحكم أنه منتصر موضوعياً، ليس في حالة يضطر فيها للجوء إلى منطق كسر العظم والمواجهة المباشرة، بل يكفيه العمل الدؤوب في اتجاه تغيير التوجهات الاستراتيجية لهذه المؤسسات التي ستضطر، عاجلاً أو آجلاً (وعاجلاً على الأغلب) إلى التصرف بمقتضى التغيرات الكبرى، حيث باتت حتى تلك المصالح الضيقة للدول تقتضي الانعطاف والاستدارة، بعيداً عن «المحرقة الأمريكية»، وبما يوافق توجه التهدئة والحلول السياسية الذي يفرضه الروس.