دولة قطر... وهبوط المنطاد العالي
عبدالمعين زريق عبدالمعين زريق

دولة قطر... وهبوط المنطاد العالي

لم تدرك الجموع الغفيرة التي خرجت للشوارع في دول «الربيع العربي» قبيل أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة، وداعبت مخيلاتها الشعارات البراقة كالقضاء على الدكتاتورية والاستبداد والبدء بفرش الطريق الديمقراطي لتداول السلطة وتحقيق الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، إن الرصيد الكبير الذي جمعته وامتلكته دولة قطر من دعمها اللامحدود الذي بذلته هذه الدويلة الصغيرة وأميرها الذي دعي بـ«أمير الربيع العربي» سوف يتبخر سريعاً، وسيأخذ بطريق انبعاثاته الغازية كل الطبقة الحاكمة في قطر. وسيذكّرُ بنسق معروف قديم للتخلي عن الوكلاء وسيستبدلها بطبقة أخرى جديدة مولّدة قسرياً بجراحة قيصرية سريعة للتغطية على علاقاتٍ محرمةٍ لم تكشف تفاصيلُها علانيةً حتى الآن. لم يتوقع أحدٌ أنه في خضم هذه الأهوال العظيمة التي تجتاح المنطقة العربية ودولها المؤثرة أن القيادة القطرية الجديدة سرعان ما ستقفُ بشخصِ أميرها الصغير «بن حمد» في حضرة مظلته الدولية ليعلن توبته وبراءته وتوبة وبراءة الحكومة القطرية السابقة من دعم الإرهاب والمتطرفين الذين يهددون الأمن القومي لحلفائه وللعالم.

وقوفُ الأمير الجديد أمام المستشارة الألمانية ميركل جاءَ لينفي تهمةَ تلبسُ النظامَ القطري وتلفُّه من جميع جوانبه من فترة طويلة منذ خروجه إلى فضاء السياسة الدولية. هذه التهمة التي خرجت للعلن أخيراً من التحالف الدولي الجديد لمكافحة الإرهاب ذاته، صرح بها ديمبسي «أن من الدول المنضوية في هذا التحالف الأميركي الدولي من يدعم الإرهاب». وكان من ضمن المقصودين دولُ السعودية وقطر وتركيا والأردن والكويت، ونضيف نحن داعمين كثر آخرين من صنف الدول الكبرى على رأسها أميركا وذيولها بريطانيا وفرنسا.

بدت دويلة قطر ابتداء من الانقلاب الذي قاده الأمير حمد بن خليفة على والده عام 1995، مستفيداً من رحلة الأخير للاستشفاء والاستجمام، تستعدّ للقيام بدور كبير في المنطقة يتجاوز حجمها الجغرافي والبشري (عدد المواطنين القطريين لا يتجاوز الربع مليون نسمة) وتاريخها الخارج منذ سنوات قليلة من السيطرة البريطانية مع طفرة النفط والغاز في المنطقة.
استطاع الأمير وحاشيته المنقلبة بمن فيها خاله حمد بن جاسم، والذي شغل منصب رئيس الوزراء، أن يستجمع مراكز قوى معتبرة انبنى عليها الدور القطري فيما بعد، وشكّلت رافعات قويةً مدروسةً لدوره الذي كبُرَ بشكل مضطرد وغير معقول.

التفكيك الهادئ لخصائص وميزات الدور القطري في المنطقة سيقدم اليوم صورةً واضحةً لا تخفى على صاحبِ اللبّ طالبِ الحقيقة بعد انجلاء الغبار وبلوغ الدور حدَّه الأقصى. ظهر هذا الدور لعضو الكنيست الإسرائيلي عزمي بشارة، وكأنه غرفة التحكم والسيطرة للعمليات المستقبلية الكبرى المُزمعة الانطلاق في المنطقة، فطالما فاخر في لقاءاته ومحاضراته بحجم الزائرين الأجانب وسفراء الدول لوزارة الخارجية القطرية فاختارها أو اختارته ليكون في الركب المنظِّر لقطر ودورها الفاعل المتعاظم في المنطقة.
بدأت قناة «الجزيرة» (أُنشئت عام 1996) - كما دولة قطر نفسها - بحفلة استحواذ المصداقية الطويل التي خاضته. واستطاعت بالفعل أن تكسبها على مدى عقدين اثنين من دعمها لدول المقاومة وللمطالب الشعبوية للجماهير العربية بجانب علاقاتها الإشكالية «بالكيان الصهيوني» في آونة واحدة، لتصرفها في أقل من سنتين اثنتين بخاصة في الملعب السوري وساحاته المشتعلة ففقدت رصيدها، قبل أن تتعرى تماماً عندما أظهرت وثائق ويكيليكس التأثيرات المهمة لرغبات السفير الأميركي وعملاء «السي آي أيه» لدى مدير القناة وضاح خنفر. اكتفت القناة بعزل خنفر واستمرت بتلقي الرغبات الأميركية واستنزاف بقايا رصيدها في ساحات سوريا ومصر. كما أن اتحاد علماء المسلمين بشخصية رئيسه المصري الإخواني يوسف القرضاوي لا يزال يعتبر معضداً أساسياً لدور قطر وصوتها عبر قناة الجزيرة. هذا الاتحاد الذي تشكل بتجميع اصطفائي انتقائي لعلماء ذوي مرجعية إخوانية من دون أن يكون لجموع المسلمين في العالم أي رأي مسموع في أعضاء هذا الاتحاد أو انتخابهم. ارتكب خطيئته الكبرى عندما أقحم هذا الاتحاد رأسه وغاص بجسده حتى أذنيه في سياسات المنطقة، واستخدم سماد التكفير وروى الأراضي العربية بدماء العرب والمسلمين والمسالمين بينهم وراح ينتظر حصائد المواسم الدموية في أراضي العرب.
لكن الحقيقة المؤكدة أن لم تكن لقطر القدرة على القيام بأي دور لولا ذلك الغطاء الأميركي والمظلة الواسعة التي تمتعت بهما بعدما تجمعت في قطر أكبر قواعد القوات الأميركية في العيديد والسيلية بعد توطن الأميركيين في جزيرة العرب عقب معركة تحرير الكويت. استمرت هذه المظلة في عهد الرئيس أوباما الذي استقبل الأمير القطري حمد، معبراً عن رغبته في استمرار الشراكة الأميركية القطرية، وأثنى على دور الأمير السابق في نشر الديمقراطية في المنطقة بالرغم من اعتراف أوباما أن هذا التغيير الديمقراطي لم يعبر يوماً الأراضي القطرية. عزى الرئيس الأميركي الأمر للمبالغ النقدية الضخمة لمتوسط دخل الفرد فيها الذي يصل إلى 145،000 دولار في السنة، «ومن شأن هذا أن يجهض الكثير من النزاعات»، بحسب قوله. إنّ الدور القطري الذي تمّ اكتنازه والعمل عليه بتؤدةٍ بالغة انقدح على حقيقته في بداية الربيع العربي وكان القطريون بكامل الطقم العائلي والحكومي الموحّد قد احتفلوا سويةً أمام العالم كله بجائزة دورهم المقبل، عندما رفعوا كأس فوزهم بتنظيم كأس العالم لكرة القدم في عام 2022، لم يكن هذا الفوز باعتقادي إلّا كرت «بلانش» وضمانة دولية، مؤكدة لهذه الدويلة أنها لن تزول بعد أن ينحسر المخاض العنيف الذي ستمر به المنطقة وستكون هي ذاتها أحد عرّابيه وحاملي لواءه ووكلائه الحصريين والمتحدثين باسمه وأحد الداعمين الأساسيين لهذا «الربيع العربي» المشبوه، الذين لم يكفّوا لحظةً واحدةً عن تزويد رئتيه وقصباته الهوائية بكلِّ عوائد الغاز والنفط الكبيرة التي تعوم عليها قطر ليبقى قادراً على التنفس والحياة حتى لو في غرف الإنعاش والعناية المشددة.
هيمنت الحكومة القطرية على صوت الجامعة العربية، ومارست الكثير من الجرأة والصلف والخيلاء بعد أن ساهمت في تقسيم السودان والمصالحة بين الأفرقاء اللبنانيين، واحتكرت دور الوسيط و«دلّال» المنطقة الذي تمر كل الصفقات من مكتبه الخاص. لعب الغاز المتصاعد برأسها وانتفخت المظلة الأميركية بالغاز القطري فتشكلت دولة المنطاد الذي لم يتوقف عن التضخم والعلو، وبلغ الغرور مبلغه حتى لأولئك العاملين في الجزيرة عندما راود عقولهم أنهم أصبحوا قادرين على إسقاط الأنظمة العربية بعد نجاح درسي تونس ومصر السريعين. لذا شاهد العرب عبر شاشاتهم ذات ليلةٍ حمد بن جاسم القطري وقد استعار شرعيةَ المتحدث باسم الشعب السوري وراح يعدُّ للقيادة السورية الأيامَ لتستجيب لمطالب الشعب السوري في التنحي والتخلي عن السلطة؟! شيءٌ من العبث والنرجسية المؤسسة على أكوام مليئة من المال والثروة وعوائد الغاز، كان الرجل يرقص مختالاً ممثلاً واحداً على مسرح فارغ هرب جمهوره من هول الأحداث وصدمتها، وشجعه الممولون خلف الخشبة والأضواء ليندفع في دوره المونودرامي إلى أقصاه. مارس بن جاسم ابتزازاً وتهديداً للدول العربية ومؤسساتها ولسفرائها، رشح منها تحذيره لوزير خارجية الجزائر من الوقوف بجانب سوريا في محنتها وإلا سيطلق هو بذاته الربيع العربي في الجزائر. كان يتصور لسنةٍ أو أكثر أن مصائر الدول وجغرافياتها بيديه، بل ذهب بعيداً عندما تحدث بصوت أميركي أجشٍّ وهدد روسيا في مجلس الأمن قبل أن يأتيه ردٌّ روسي مناسب. قامرت قطر مع الحلفاء الجدد في إسقاط الزعيم الليبي معمر القذافي الذي ربطته بها علاقات مميزة، فلم تكن «الجزيرة» تغيّر عاداتها في تلقف خطب العقيد الطويلة وبثِّها مباشرةً ومُعادةً على شاشتها وللترويج المستمر لموقع الفيلسوف العقيد القذافي في شبكة الإنترنت، وما الشريط الذي بُثَّ أخيراً من المحادثة السرية التي جمعت بين المرحوم القذافي وحمد بن خليفة الذي استفاض في شرح دوره المتوقع في إسقاط حكم آل سعود إلا يعبر عن حجم الدور التآمري الذي لعبته قطر في حلقة الغادرين بالقذافي والممهدين لثورة الناتو فيها.
سار المشروع الإسلامي الإخواني في المنطقة بنجاح مذهل، وتسارعت حركة قاطراته في محطاته العربية، ولم يكن يراهن على فشله إلّا المجانين المؤمنون بأوطانهم ودورها الحضاري الفعّال في وجهه. كانت روافع المشروع لا تقاوم وبدا هزمه وإسقاطه في المنطقة ضرباً من العبث والمستحيل، تشاركت فيه قطر مدعومةً بخطة أميركية محكمةٍ مع أحلام سلطانية للدولة التركية واستحكامات قوية للمشروع في تونس ومصر والسودان. وكان من تجليات هذا التقدم الكبير لقطار الإخوان انشقاق حركة حماس عن حلفها المقاوم القديم وانضمامها للقاطرة الرئيسية المُوجِّهة في الدوحة.
صحا العالم على سقوط المشروع الإخواني وقطع عنقه في سوريا، فلم تعد كلُّ عوائد الغاز القطرية قادرةً على وصل ما انفصل بين رأس المشروع المترنّح في تركيا وقلبه الذي سرعان ما اضطرب وتوقف في مصر بعد عزل مرسي وسقوط الحكم الإخواني فيها. ورغم ذلك لا يزال مكتب الخارجية القطرية مشغولاً بدور الوسيط مع المتطرفين أصحاب المشاريع الإسلامية الواهمة يقدمون حلولاً تسوويّة معها في صفقات تحرير رهائنَ دوليين وراهباتٍ وجنود تدفع فيها تمويلاً مقنعاً للترضية والدعم.
شاعَ فيما بعد تفسيرٌ مشابهٌ للفانتازيا وعوالم ما وراء الطبيعة تداوله الإعلاميون لأيام قليلة في قناة الجزيرة والإعلام القطري وحده مفاده: أن التخلي الأميركي عن القيادة القطرية واستبدالها بطاقم جديد بعد حادثة قتل السفير الأميركي في بنغازي هو اختيار وطني مستقل اتبعته قطر كنموذج جديد ونوع فريد من تداول السلطة السلمي في المنطقة، ومؤشر لربيعٍ ديمقراطيٍ ينتشر من هذه الدولة الصغيرة. ماذا سيبقى من الدور القطري في السنوات المقبلة؟
سيبقى وقفاتٌ طويلةٌ للأمير الجديد في أماكن كثيرةٍ من العالم يعلن فيها توبته وبراءة وتخلي دولته عن المتطرفين الإسلاميين الذين سيملأون العالم وسيشغلون لياليه وأيامه المقبلة.
وسيتبقّى محاولات حثيثة من الحكومات القطرية المتوالية لاستعادة مجدٍ موهومٍ آفلٍ قديم حصلت عليه الدولة ذات يوم، لكنه تبخر مع غاز المنطاد الذي ارتفع بهم عالياً من دون أن يحسُبَ قوّاده أنه لا بد من خطة نزول مع نفاد الغاز المتطاير. سرعان ما اضطرتهم ظروفهم ورغبات خارجية لإلقاء القيادة القديمة ذاتها. سينشغل الجميع في قطر طويلاً بهبوط آمن لدولة المنطاد المتضخم الذي رفعه الغاز للأعالي ولم تكن ثمّة خطة للهبوط. وستبقى محاولات استرضاء وشراء ذمم لدول العالم بمزيد من تبذير الأموال وتبييضها في استثمارات وصفقات سلاح ودعم حكومات لكيلا يفتح ملفها المليء بكل الموبقات ومناقصات المشاريع السياسية المشبوهة. وسيبقى شاعرٌ عربيٌ قطريٌ اسمه محمد ابن الضيب العجمي في السجون محكوماً بخمس عشرة سنةً، صدح ذات يوماً بأبيات من الشعر ندّد فيها بمن يظن أن قوته وفخره عائدٌ للقوات الأميركية ولقواعدها التي يستند بظهره إليها.
ولكن يبدو أن الأهم من هذا كله أن تبقى دولةٌ صغيرةٌ اسمها قطر بدون برلمان أو دستور عُرفت بانقلابٍ حدث ذات ليلةٍ قاده رجل طامح في المُلك على أبيه فأصبح ذلك سُنّةً في هذه العائلة. بشرت هذه الدولة بـ«ربيع عربي» ديمقراطي تستورده على أظهر قوات مسلحةٍ مهجّنة للناتو وجموع من الجماهير العربية الواهمة المضلّلة انساقت ترددُ لحنَ الديمقراطية الأميركية الجديد وشعاراتِ أفاقيها الجدد.

المصدر: الأخبار