افتتاحية قاسيون 1170: المأزق «الإسرائيلي» يتعمق يومياً

افتتاحية قاسيون 1170: المأزق «الإسرائيلي» يتعمق يومياً

أكثر من 190 يوماً مضت على انطلاق عملية طوفان الأقصى، وبعدها الحرب العدوانية الهمجية على قطاع غزة، وما يوازيها من سلوك انتقامي إجرامي في الضفة الغربية، ومن ضربات على سورية وعلى لبنان. وهي أطول حربٍ على الإطلاق في مجمل تاريخ الكيان، ولم يحقق فيها أياً من أهدافه المعلنة، وأكثر من ذلك فإنّ مأزقه على مختلف الصعد والمستويات، يزداد عمقاً وتعقيداً، حاملاً بذور تغير شامل في كامل المنظومة الإقليمية، ليست الضربات الإيرانية المباشرة غير المسبوقة على الكيان سوى ملمحٍ واحدٍ من ملامح ذلك التغيير.

إنّ مركبات المأزق «الإسرائيلي» عديدة ومتشابكة، ولكنّ بين أهمها ما يلي:

أولاً: التوازن الدولي الجديد المستمر في التمظهر يوماً بعد الآخر، والصراع الأمريكي اليائس لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، عبر «تمسّك الميت القديم بتلابيب الحي الجديد». هذا الأمر ينعكس على العلاقة بين الأمريكان والكيان، بحيث يجري العمل أمريكياً على ضبط الكيان ضمن حدود وظيفته الأصلية كأداة أمريكية لتحقيق الاستراتيجيات الأمريكية في المنطقة، والاستراتيجية الأمريكية الشاملة. يظهر ذلك واضحاً بحجم التبعية والاعتمادية المطلقة تقريباً للكيان على الولايات المتحدة، ابتداءً من الذخائر إلى أنظمة الدفاع إلى أنظمة الهجوم إلى الوقائع الاقتصادية إلى المواقف السياسية على المستوى الدولي، والتي تصب كلّها في حقيقة واحدة هي أنّ الكيان فقد أي «استقلالية نسبية» حازها سابقاً في أوقات «الهدوء النسبي» والتقدم الأمريكي على المستوى الدولي.

ثانياً: بما يخص حرب الكيان على غزة، ورغم هول الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها، إلا أنه وللمرة الأولى في تاريخه، يعجز بشكل كاملٍ عن تحقيق أي هدفٍ من أهدافه، إلى الحد الذي بات فيه الخبر النادر سابقاً عن سقوط قتلى من جنوده، خبراً يومياً متكرراً. ما أفقده قدرات الردع المدّعاة، والحالة الأسطورية عن تطور جيشه وسلاحه. هذا كلّه عمق من الأزمات الداخلية المتفاقمة أصلاً على المستوى الديمغرافي ضمن السلم العنصري الصهيوني، وعلى المستوى الاقتصادي، وربما أهم من ذلك أنه أفقده الأساسين الأكثر رسوخاً في وجوده: التفوق العسكري الذي يؤمن انفصالاً كاملاً لمستوطنيه عن واقعهم القريب والإقليمي والدولي، والرخاء الاقتصادي الذي يشجع الهجرة المستمرة نحوه ناهيك عن البقاء فيه؛ فالاستعمار الصهيوني هو في نهاية المطاف استعمار استيطاني شبيه بشكلٍ ما بالاستعمار الفرنسي في الجزائر، والذي بمجرد أن اشتدّت ضربات المقاومة الجزائرية عليه، بدأ بالتهافت والتهاوي وصولاً إلى الفرار الجماعي لأكثر من 800 ألف مستوطن فرنسي خلال عامين.

ثالثاً: الوضع الإقليمي الجديد الذي بات فيه الاحتلال مستهدفاً بشكل مباشر من عدة ساحات بالتوازي، من لبنان واليمن والعراق ومؤخراً إيران. هذا الوضع نفسه جرت فيه بالتوازي حلحلة جزء مهم من التناقضات والصراعات التي كانت أحد أسس الحفاظ على المشروع الصهيوني، وعلى رأسها تخفيف درجة التناقض بين إيران من جهة وبين الدول العربية الأساسية من جهة أخرى، وحتى بين تركيا وهذه الدول... إلى الدرجة التي أعلنت فيها دول خليجية منعها الولايات المتحدة من استخدام قواعدها في الخليج في إطار الرد على إيران أو الاشتباك معها، وهذا بحد ذاته نقلة نوعية كبيرة عن الأوضاع السابقة.

إذا جمعنا إلى العناصر السابقة التراجع الأمريكي والغربي المتسارع، اقتصادياً وسياسياً وشعبياً، والتقدم الثابت للقوى الصاعدة، فإنّنا سنكون أمام لوحة تشي بأنّ التغيرات الكبرى على مستوى الإقليم باتت أقرب من أي وقت مضى؛ هذا لا يعني بالضرورة الانتقال السريع إلى حروب شاملة، ولكنه يعني أنّ مقاومة المشاريع الأمريكية الصهيونية في كامل المنطقة، ستواصل تصاعدها التدريجي المدروس وصولاً إلى غايتها النهائية.

وفي هذا السياق، فإنّ إحدى النقاط الأساسية ضمن المنطقة التي تحتاج إلى كسر المشروع الأمريكي الصهيوني فيها بأسرع وقت، هي سورية؛ والتي سيوفر الحل السياسي الشامل فيها على أساس القرار 2254، توحيداً حقيقياً للشعب السوري، وتموضعاً واضحاً لا لبس فيه ضمن المعركة العامة، يسمح بالانتقال من الاحتفاظ الأزلي بحق الرد، إلى الردع الحقيقي...

 (English Version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1170
آخر تعديل على الإثنين, 15 نيسان/أبريل 2024 08:20