مجدداً: حول مكان اجتماعات الدستورية الحل والتفاوض المباشر والانتقال إلى دمشق

مجدداً: حول مكان اجتماعات الدستورية الحل والتفاوض المباشر والانتقال إلى دمشق

كشف غير بيدرسن، المبعوث الأممي الخاص إلى سورية، خلال إحاطته الشهرية لمجلس الأمن يوم 27 شباط، عن أنّه وجه دعوة لعقد الجلسة التاسعة للجنة الدستورية المصغرة في مدينة جنيف السويسرية في نهاية شهر نيسان القادم.

الجلسة الثامنة للدستورية المصغرة، كانت قد عقدت في جنيف نهاية أيار 2022، ولم تعقد بعدها أي جولة جديدة خلال العامين الماضيين.
أول اجتماعٍ للدستورية، بدأ نهاية تشرين الأول 2019؛ ما يعني أنّها قد عَقدت خلال 4 سنوات ونصف، ثمانية اجتماعات، كل منها استمر وسطياً 5 أيام عمل، بمعدل 4 ساعات عملٍ يومياً. أي أنّ اللجنة عملت طوال هذه السنوات لمدة 160 ساعة تقريباً، وهو ما يوازي عملاً لمدة 20 يوماً... أربع سنوات ونصف، بعشرين يوم عمل... وبناتج إجماليٍ ليس ظلماً القول إنه صفر أو قريب من الصفر.

بالعودة إلى اللحظة الراهنة، والدعوة الجديدة التي وجهها بيدرسن، فمن المفيد، وقبل نقاش الوضع الراهن للجنة ومستقبلها ودورها ضمن الحل السياسي، أن نعرض بالنص وبشكل كامل، الجزء من إحاطة بيدرسن الأخيرة المتعلق باللجنة.

إحاطة بيدرسن

قال بيدرسن ضمن إحاطته يوم الثلاثاء الماضي، 27 شباط، بما يخص اللجنة، ما يلي:

«منذ أكثر من ثمانية عشر شهراً، وجهت الدعوة لعقد الجولة التاسعة للجنة الدستورية في جنيف. ولم تُعقد تلك الدورة لأن روسيا، كما أكد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف هذا الشهر، لم تعد تعتبر سويسرا مكاناً محايداً، ولم تقبل الحكومة السورية بالحضور إلى جنيف نتيجة لذلك.
لقد كنت واضحاً منذ البداية فيما يتعلق بعدة نقاط. دعوني أذكر بأربع منها: أولاً، ذكّرت الجميع بأنّ الحكومة السورية وهيئة التفاوض السورية، اتفقتا بموجب المعايير المرجعية والعناصر الأساسية للّائحة الداخلية على جنيف كمقر للجنة، وشددتا على أنّ العملية ينبغي أن تسير دون تدخل خارجي. ثانياً، بوصفي ميسراً، قلت إنني سأبحث عن حلول خلاقة لإيجاد طريقة للمضي قدماً، بما في ذلك استكشاف جميع البدائل الممكنة. ثالثاً، قلت إنه إذا توصلت الحكومة السورية وهيئة التفاوض السورية إلى توافق حول مكان آخر غير جنيف، فسوف أدعم ذلك التوافق. ورابعاً، قلت إنه يجب التغلب على هذه القضية غير السورية لضمان استمرار العملية بقيادة وملكية سورية وبتيسير من الأمم المتحدة.
واسترشاداً بهذا النهج، وعلى مدى ثمانية عشر شهراً، وبدعم من مختلف الأطراف الخارجية الرئيسية، بما في ذلك الدول الضامنة لعملية أستانا ولجنة الاتصال العربية، تم طرح أماكن مختلفة، ولكن للأسف فإنّ الواقع هو الآتي: لم يتمتع أي منها حتى الآن بالحد الأدنى من التوافق المطلوب – أي موافقة الطرفين السوريين أو موافقة الدولة المضيفة. وكنت قد حذرت من أننا سنصل إلى هذه النقطة عندما تمّ طرح مسألة تغيير المقر للمرة الأولى منذ 18 شهراً.
وقد اقترحت مؤخراً بديلاً آخر، وهو إمكانية عقد الدورة التاسعة في مكتب الأمم المتحدة في نيروبي، وأعرب عن تقديري لزملائي في نيروبي على إبدائهم الاستعداد للقيام بكل ما هو مطلوب للاستضافة. وقد أثنيت على هذا المخرج للأطراف السورية. كما قمت بنقل اقتراح آخر من طرف سوري إلى الطرف الثاني بشأن عاصمة إقليمية بديلة. ولكن يؤسفني القول إنه لم يتم التوصل إلى توافق بين الأطراف السورية حول أي من الموضوعين، كما لم يتم التوصل إلى توافق حول الاقتراحات السابقة.
وحيث إنّني لم أدّخر جهداً لإيجاد مكانٍ بديل، أعتقد أنّ الطريق الوحيد للمضي قدماً في هذا التوقيت هو العودة للاجتماع مرة أخرى في جنيف على الأقل كمقترح توفيقي طالما لم يتم التوافق على مقر بديل - مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام بدائل أخرى لمقرات بديلة للدورات القادمة إذا ما تم التوافق عليها. وكنت قد أشرت إلى هذا الأمر منذ بعض الوقت على أنه قد يكون السبيل الوحيد للمضي قدماً إذا لم يتم التوصل إلى بديل. ومن ثمّ، فقد اتخذت قراراً بإصدار الدعوات الرسمية لعقد الدورة التاسعة في جنيف في نهاية شهر نيسان، وسأقوم بتوجيه الدعوات اليوم. وأناشد الأطراف السورية أن تستجيب بشكلٍ إيجابي، كما أناشد الأطراف الدولية الرئيسية لدعم جهود الأمم المتحدة كميسر والامتناع عن التدخل في مكان اجتماع السوريين.
أعتقد أنه من المهم أن تنعقد اللجنة الدستورية في أقرب وقت ممكن وأن تواصل عملها. فتعليق عمل اللجنة إلى أجل غير مسمى لن يؤدي إلا إلى تقويض مصداقيتها وعملها». انتهى الاقتباس.

المكان

يقول بيدرسن إنّ أول مرة طرح فيها تغيير مقر عقد اجتماعات اللجنة كانت قبل 18 عشر شهراً، وينسى أو يتناسى أنّ المرة الأولى هي بالضبط قبل 52 شهراً، أي في اليوم الأول، وفي الجلسة الافتتاحية لعمل اللجنة نهاية تشرين الأول 2019؛ حين طرحت منصة موسكو للمعارضة السورية اقتراح نقل أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق مع تأمين الضمانات اللازمة وبإشراف الأمم المتحدة، وطرحت في الوقت نفسه أن يتم بث كل جلسات اللجنة الموسعة والمصغرة بشكلٍ مباشر وبالصوت والصورة، كي يعرف السوريون ماذا يقول مَن يدّعون تمثيلهم مِن مختلف الأطراف حول مستقبل بلادهم، وحول مستقبلهم هم وأولادهم.

1164-1

لا يمكن لوم بيدرسن بطبيعة الحال على نسيانه أو تناسيه لهذا الاقتراح، لأنّه ليس إلا ميسراً بين الطرفين السوريين المشكِّلين لثلثي اللجنة، أي النظام والمعارضة، واللَّذين - وبالإضافة إلى قسم من الثلث الثالث (المجتمع المدني) - قد عبّرا منذ تلك اللحظة وحتى وقت قريب، وبأشكال مباشرة وغير مباشرة، وبما يكفي من الوضوح، أنهما غير مستعدَّين للتفكير حتى بمثل احتمالٍ كهذا، ومستعدّون للتفكير بكل عواصم العالم تقريباً، وبكل مقرات الأمم المتحدة فيها، بما فيها في نيروبي، ولكن غير مستعدّين للجلوس إلى طاولة واحدة في دمشق.
الرفض الصريح والضمني السابق لنقل أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق، لم يكن أمراً صادماً؛ فهو استمرارٌ بقوة العطالة للرفض الفعلي لفكرة الحل السياسي من أصلها، من جانب المتشدّدين في الطرفَين؛ لأنّ أول ما يتطلبه الحل السياسي هو اعتراف الطرفين بعضُهما ببعض دون أية مواربة، والعمل على الوصول إلى توافقات، وانتقال اللجنة الدستورية إلى دمشق، كان، وما يزال يعني اعترافاً متبادلاً ملموساً، وبدءاً فعلياً للتفاوض الحقيقي، وهذا أمر لم يكن وارداً في أذهان المتشدِّدين الحالمين بالحسم أو بالإسقاط.
بكل الأحوال، فإنّ صفوف المقتنعين بأهمية نقل، ليس فقط اللجنة الدستورية، بل والتفاوض المباشر في مرحلة لاحقة، إلى دمشق، اتسعت بشكل مستمر منذ تشرين الأول 2019. والظرف الموضوعي وتطوراته خلال السنوات الأخيرة، قد فتحت المجال للمتردّدين في حسم خيارهم، خاصة مع الاتضاح المتعاظم لمعنى مشروع «خطوة مقابل خطوة».

الدستورية و«خطوة مقابل خطوة»

المتتبِّع للتطوُّر التاريخي لعمل وساطة الأمم المتحدة في سورية متمثلةً بمبعوثها الخاص، يمكنه أن يستنتج أنّ طرح بيدرسن لما أسماه «خطوة مقابل خطوة»، يمكن أن يكون قد جرى لمَلء الفراغ بعد توقف جولات جنيف، ومن ثم بعد تعثر إحراز تقدم ضمن اللجنة الدستورية، وخاصة بعد انقطاع عملها نهائياً خلال السنتين الماضيتين.
هكذا بدا الأمر في بدايته بالنسبة لكثيرين، ولكنّ ما جرى بعد ذلك، وخاصة خلال السنتين الأخيرتين، قد بيّن بما يكفي من الوضوح، أنّ مشروع «خطوة مقابل خطوة»، هو في جوهره مشروعٌ أمريكي الغرض منه ليس تطبيق 2254، بل العكس تماماً؛ الغرض منه هو منع تنفيذ القرار نهائياً، من خلال ما أسماه البريطانيون عام 2016 «تغيير سلوك النظام»، وبعصا العقوبات، وعبر آلية «خطوة مقابل خطوة»، ومروراً بتكريس تقسيم الأمر الواقع عبر التلطّي وراء فكرة «اللامركزية» وبالذات عبر إساءة استخدامها، ووصولاً إلى وضعٍ يتم فيه نقل البارودة من كتفٍ إلى كتف، أو حتى إلقاؤها نهائياً، بما يسمح بدمج سورية ضمن مشروعات «أبراهام» ومشتقاتها.
وليس عسيراً رؤية أنّه ضمن «العدة» اللازمة لاستكمال مشروعٍ كهذا، أنْ يتخلى الغرب والعرب عن القسم من المعارضة الذي سبق لهما أن روّجا له، (فليست المعارضة طرفاً في الخطوة مقابل خطوة التي تتلخص باتفاقٍ مفترضٍ تحت ومن ثم فوق الطاولة بين النظام والغرب، وهذا التخلي بات واضحاً لكل ذي نظر)، وأنْ يتخلى النظام بالمقابل تدريجياً عن صيغة أستانا وعن أطرافها وعن علاقاته بتلك الأطراف.
سبق لمركز دراسات قاسيون أن عرض في مادة مطوَّلة مشروع «خطوة مقابل خطوة»، وبيّن أنّ دونه عوائق موضوعية وذاتية كثيرة تجعل من تحقيقه أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة. وهنا نضع رابط تلك المادة التي كان عنوانها: «من تغيير سلوك النظام إلى خطوة مقابل خطوة... أين وصلت اتفاقات تحت الطاولة مع الغرب؟»، ونقتبس منها اقتباسين طويلين ضروريَّين، الأول يصف جوهر مشروع خطوة مقابل خطوة، والثاني يناقش حظوظ نجاحه.

جوهر «خطوة مقابل خطوة»

«المشروع من حيث الجوهر يتضمن ما يلي:

1- منع إعادة توحيد سورية، والأداة الأهم في ذلك، هي إيجاد طريقة لشرعنة كل السلطات المسيطرة حالياً، على كل مناطق النفوذ في سورية (ضمناً «سورنة النصرة»).

2- إغراء القوى المهيمنة ضمن مناطق النفوذ في سورية، برفع اللاءات الثلاث عنها، مقابل «تغيير السلوك»، والذي يتكون من عدة مفردات، اقتصادية، وسياسية، واستراتيجية.

3- بين المفردات الاقتصادية الأساسية، استكمال تنفيذ مشاريع صندوق النقد والبنك الدوليين في سورية التي بدأت منذ 2005؛ أي الوصول بسورية إلى حالة قانونية اقتصادية، تشبه تلك التي يعمل عليها الرئيس الأرجنتيني الحالي: إنهاء أي دور للدولة: وإنهاء أي دعم من أي نوع، والتعويم الكامل، وإنهاء أي حقوق أو مكتسبات تاريخية حصلت عليها الطبقات المنتجة، وإنهاء أي طابعٍ إنتاجي ضمن البلاد، وتعميق النشاط المالي الإجرامي وتكريسه بوصفه النشاط الأساسي السائد (الأمر الذي تم إنجاز قسمٍ مهمٍ منه، وباستخدام العقوبات كإحدى أدوات التحفيز الأساسية بهذا الاتجاه).

4- بين المفردات السياسية، تكريس الضعف العسكري في سورية وقوننته، ليس عبر تعزيز تقسيم سورية فحسب، بل وعبر الانطلاق القانوني المسبق من اشتراطات تتعلق بحجم الجيش العامل، وأصناف الأسلحة، وإلخ (على الطريقة اللبنانية مثلاً).

5- بين المفردات السياسية أيضاً، النقل النهائي والعلني للبارودة من كتفٍ إلى كتف، أو حتى إلقاؤها أرضاً. أي الانخراط في عملية تطبيع مع الكيان برعاية إماراتية أردنية... يتضمن ذلك بطبيعة الحال إخراج القوات الإيرانية من سورية (والقوات الإيرانية فقط، مع بقاء الآخرين، بل ومع احتمال دخول قوات جديدة على الخط «أردنية مثلاً»).

6- تحويل فكرة «اللامركزية»، من شعارٍ وأداة للحكم يمكن للسوريين الاتفاق عليها وعلى حدودها بما يخدم مصالحهم، إلى أداة تنفيذية لعملية «تغيير سلوك النظام»... ولعل نشاط الأمم المتحدة مؤخراً في هذا الصدد، دون غيره، يسمح ببناء هكذا افتراض، خاصة أن علامات التجاوب ضمن السياق نفسه، قد ظهرت من عدة أطراف بالتزامن.

7- مشروع (خ.م.خ)، مشروع طرفاه هما الغرب والنظام، والمعارضة السورية ليست طرفاً فيه، والقرار 2254 ليس أساساً له. ولذا فإنّ على أولئك الذين يطمئنهم كلام الغربيين عن «طي صفحة هذا المشروع»، أن يفكروا بطريقة معاكسة تماماً: فطرح المشروع بوصفه أداة لتنفيذ 2254، كان الخطوة الأولى (في الحقيقة الثانية بعد شعار تغيير سلوك النظام)، في الانسلاخ التدريجي عن 2254. والآن حين يقال للبعض: إنه قد تم طي صفحة المشروع، فالمقصود فعلياً هو أنّ المسرحية التي كانوا جزءاً ضرورياً منها قد انتهت، وبالتالي، سيتم الانتقال للعمل الفعلي الذي لا مكان لهم فيه... (لا لجنة دستورية، ولا تفاوض، ولا انتقال سياسي... هنالك فقط «تغيير سلوك»، وترتيبات ثنائية)». انتهى الاقتباس.

1164-18

حظوظ نجاح المشروع

«حظوظ تنفيذ هذا المشروع - برأينا - منخفضة جداً، للأسباب التالية:

أولاً: رسمة المشروع تفترض أنّ «الطرف الإسرائيلي»، طرفٌ قوي وفاعل بالإطار الإقليمي، وهو الأمر الذي لم يعد يعتقد به سوى المصابين بقصر نظر سياسي حاد (إنْ أردنا استخدام تعبيرٍ لطيف).

ثانياً: الرسمة قائمة على أنّ «الطرف الإيراني» ضعيف ومحاصر، ويمكن تطويقه وإخضاعه عبر الترهيب والترغيب، وهو الأمر الذي ينطبق وصف القائلين به على الوصف السابق.

ثالثاً: افتراض أنّ الأمريكي في حالة مريحة تسمح له بتنفيذ مشاريعه، والتأكد من اكتمالها قبل أي تفكير في الانسحاب من المنطقة، وأنه إضافة لذلك، قادر على احتواء تركيا وأخذها إلى صفه ضمن التنفيذ...

رابعاً: افتراض أنّ الصين وروسيا، ستقفان مكتوفتي اليدين أمام هذا المشروع، الذي يستهدفهما مباشرة عبر استدامة وتعميق الفوضى الشاملة الهجينة في الشرق الأوسط. (من الطريف في هذا السياق، أنه وكما روّج الإعلام لفكرة أنّ السعودية قبلت بالتطبيع مقابل وقف العدوان على غزة وانتهى الأمر، كذلك تروّج لأنّ روسيا قبلت بـ«الخطوة مقابل خطوة»، مرةً مقابل شيء ما في أوكرانيا، ومرة مقابل شيء ما يخص العقوبات، وإلخ من تخرُّصات بائسة).

خامساً: الرسمة الكاملة للمشروع، وخاصة بمنتهاها المتعلق بالتطبيع مع الكيان، تتطلب بالضرورة اشتراكاً فاعلاً للسعودية، خاصة في تمهيد الأرضية بهذا الاتجاه. وهذا الركن تلقّى ضربة علنية مهمة مع البيانين الأخيرين لوزارة الخارجية السعودية.

سادساً: الافتراض الخاطئ وقصير النظر بأنّ حالة الإنهاك القصوى التي وصل لها الشعب السوري، يمكن أن تدفعه للقبول بأي شيء وبكل شيء، بما في ذلك القبول بالتطبيع مع الصهيوني». انتهى الاقتباس.

النتيجة؟

النتيجة هي أنّ منع عقد أيّ جولة جديدة من الدستورية، سواء عبر التذرع بعدم الاتفاق على مكان انعقادها أو غير ذلك من الذرائع، هو ضرورة من ضرورات «خطوة مقابل خطوة»، التي تتطلب تحييد منصات المعارضة المعترف بها في 2254 كطرفٍ مفاوض للنظام، وعبر تحييدها، تحييد 2254 نفسه، وتحييد الحل السياسي بأكمله بالمحصلة.

دمشق!

هذه الوقائع الجديدة، تضيف إلى كل الحجج السابقة حول ضرورة نقل أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق، حجةً إضافية راهنة وشديدة الأهمية؛ فنقل أعمال اللجنة إلى دمشق لم يعد أداة للحفاظ على اللجنة نفسها فحسب (التي من غير المتوقع أن تعقد أي جولة جديدة خارج سورية، وحتى إنْ عقدت اجتماعات إضافية فلن تنتج شيئاً)، بل وأداة في الحفاظ على الحل السياسي وعلى القرار 2254 وعلى أستانا كطرفٍ أساسي في ضمان تنفيذه...
وبالتبعية، فإنّ نقل اللجنة إلى دمشق، بات أداةً أساسية في منع تكريس تقسيم البلاد وإنهاء دورها، ومحاولات نقلها نهائياً إلى معسكر الأعداء التاريخيين للشعب السوري ولشعوب العالم، خاصةً عبر إبقائها في حالة الفوضى الشاملة الهجينة.

ختاماً

ربما من المفيد في هذا السياق أن نختم باقتباس آخر حول الموضوع نفسه، من مؤتمر صحفي للرفيق قدري جميل، أمين حزب الإرادة الشعبية ورئيس منصة موسكو للمعارضة السورية، عقده يوم 19 تشرين الأول 2021:

«من الناحية العملية، ماذا يعني نقل أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق؟
أولاً، يعني خلق حالة استمرارية في عمل اللجنة الدستورية، حالة عمل يومي. كما قلت منذ قليل، خلال عامين، اجتمعت اللجنة الدستورية فقط 28 يوماً كل يوم وسطياً 4 ساعات وأحياناً ساعتين.
الواضح من سرعة هذا العمل أنه لن يؤدي إلى الوصول إلى دستور خلال فترة قريبة، ونحن مستعجلون، والشعب السوري مستعجل أكثر منّا من أجل حلحلة الأزمة السياسية وحلحلة الموضوع القائم وحلحلة المشكلة السورية والبدء بالحل السياسي.
الاستمرارية اليومية لعمل اللجنة ستسمح بإنهاء العمل بفترة قياسية سريعة.
ثانياً، من الناحية السياسية، نقل أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق يعني إنهاء عدم الاعتراف المتبادل بين الطرفين اللذين يتفاوضان في جنيف. إلى الآن كانت هناك حالة عدم اعتراف. حالة عدم الاعتراف كانت تتمظهر في أن كل طرف يسمي الطرف الآخر بتسميات ما أنزل الله بها من سلطان ولا تؤدي إلى خلق أجواء مناسبة للحوار.
ثالثاً، نقل الأعمال إلى دمشق لا يعني فقط إنهاء عدم الاعتراف، وإنما أيضاً الاعتراف بأن الحوار هو الطريق الوحيد للحل، لن يكون هناك إسقاط ولا حسم عسكري، سيصبح الحوار الذي يجري في دمشق تحت إشراف ورقابة وحماية الأمم المتحدة وأريد أن أركّز على هذه النقطة. البعض حينما قلنا نقل أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق قال «تريدون أن تسلموا المعارضة لقمة سائغة لأجهزة أمن النظام؟» قلنا لهم «بالله عليكم، إذا كان وفد المعارضة سيذهب إلى دمشق وبالأساس قسم منه موجود في دمشق والقسم الذي هو غير موجود في دمشق ألا يمكن للأمم المتحدة أن تتكفل بحمايته وأن تأخذ من الحكومة السورية والنظام السوري الضمانات الضرورية والكافية بدعم من الأطراف الدولية صاحبة العلاقة لضمان أمن وسلامة وسير عمل اللجنة الدستورية على الأراضي السورية؟ لماذا الإصرار من قبل بعض المعارضين على عدم الذهاب إلى دمشق إذا كان هنالك ضمانات؟ أفهم الإصرار من قبل بعض المعارضين على عدم الذهاب إلى دمشق على أنه إصرار على عدم الاعتراف المتبادل وعلى عدم الاعتراف بالحوار بوصفه الطريق الوحيد للحل في سورية. ولا يمكن تفسير ذلك بشكل آخر».
الحقيقة أن الحوار الجاري في جنيف كان منفصلاً نهائياً عن الواقع السوري وتطوراته. وضع اللجنة السورية في حضن الشعب السوري تحت أنظاره وبشكل نؤمّن فيه أكبر علنية ممكنة، لأنه في الزوايا المظلمة يتم عملياً تنظيم الألاعيب وتلفيق الأكاذيب، لذلك من المهم أن تكون هناك علنية قصوى في الإضاءة على اللجنة الدستورية في دمشق، ونحن من طرفنا كمنصة موسكو وجبهة التغيير والتحرير وحزب الإرادة الشعبية نطالب ببث كاملٍ ومباشرٍ لأعمال اللجنة الدستورية كي يرى الشعب السوري الجميع ماذا يقول وماذا يفعل... نحن موجودون في هذه اللجنة وليس لدينا ما نخفيه، ولا أعتقد أنّ الآخرين لديهم ما يخفونه. لذلك لماذا عدم الإصرار على نقل وقائع عمل اللجنة الدستورية بشكل كامل. أنا لا أقول نقل عمل لجان الصياغة الصغيرة... إلخ أتكلم عن اللجنة المصغرة واللجنة الموسعة. اللجنة المصغرة 45 واللجنة الموسعة اجتمعت مرة واحدة والتي كانت 150 شخصاً، هذا ممكنٌ نقله بشكل مباشر. دعونا نتعلم العلنية والمكاشفة والمصارحة، وليكن الكل صفحة مفتوحة أمام الشعب السوري لكي يعلم الشعب مَن هو مَن... هذا الشيء ضروري.
حينما اقترحنا هذا الاقتراح توقعنا أنّ أول من سيوافق عليه هو وفد الحكومة السورية، ولكن إلى الآن لم ينبسوا ببنت شفة حول هذا الموضوع، واستغربنا بشكل شديد لماذا لم يحددوا موقفاً من هذه العملية؟ هل لأنهم لا يريدون الاعتراف بوفد المعارضة وأن يستمروا في حالة عدم الاعتراف المتبادل؟ هل لأنهم لا يعتبرون الحوار هو الطريق الوحيد للحل؟ لذلك لتبديد هذه الشكوك، على الأطراف أن تعلن موافقتها على نقل أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق لأن نقلها يعني تفعيل القرار 2254 لتطبيقه من كامل جوانبه». انتهى الاقتباس.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1164