«القضية الكردية وشعوب الشرق العظيم»

«القضية الكردية وشعوب الشرق العظيم»

بناء على قرار المجلس المركزي لحزب الإرادة الشعبية، وفي إطار التحضير للمؤتمر القادم للحزب، فقد تقرر إضافة وثيقة «القضية الكردية وشعوب الشرق العظيم» إلى الوثائق الأساسية التي سيتم نقاشها لإقرارها خلال المؤتمر.
يعود تاريخ النشر الأول لهذه الوثيقة إلى آذار 2016، ورغم مرور سبع سنوات على صدورها، إلا أنها ما تزال محتفظة براهنيتها، إذ أثبتت هذه السنوات نفسها صحة ما جاء فيها، واستباقها لما جرى خلالها. وهنا تعيد قاسيون نشرها للنقاش العام كما هي تماماً ودون أية إضافات.
تستقبل قاسيون مداخلات الرفاق والأصدقاء حول هذه الوثيقة، وكذلك حول البرنامج والنظام الداخلي، على ألا تتجاوز المداخلة الواحدة 350-500 كلمة، وذلك على البريد الالكتروني عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقدمة

تعد القضية الكردية في الشرق العظيم، أي المساحة الممتدة من قزوين إلى المتوسط، واحدة من أعقد المسائل المعلقة تاريخياً إلى اليوم، بفعل عوامل خارجية وداخلية متعددة.
تمتلك القضية الكردية، الكثير من السمات الخاصة بها، وهي أيضاً مسألة إقليمية- دولية بامتياز، بحيث لن تكتب الديمومة الطبيعية لأية حلول مجتزأة أو محلية لها.
تلجأ الإمبريالية ضمن محاولاتها التنفيس عن أزمتها الخانقة إلى استخدام الأشكال المباشرة وغير المباشرة كلها في التحريض والتوتير والاصطدام القومي والطائفي، استكمالاً للسياسة القديمة في التفريق، ولكن على مستوى أعلى، بهدف تفتيت المفتت وتقسيم المقسم (سايكس– بيكو2)، من أجل مواصلة صرف نظر الشعوب عن صراعها الأساسي مع الإمبريالية وتركيزها على الصراعات الثانوية التي تحاول السياسات والإعلام تحويلها إلى رئيسية.
باتت معالجة القضية الكردية تكتسب أهمية خاصة واستثنائية اليوم في ظل رفع الإمبريالية الأمريكية المأزومة، من مستوى عملها على تأجيج مشاعر التعصب القومي، والقومي المضاد، وصولاً إلى تغذية بعض النزعات الانفصالية والتفتيتية، بوصفها فوالق مطلوبة من قبل الإمبريالية، لتكمل الدور الوظيفي للفوالق الطائفية الثانوية.
استثمرت الإمبريالية في هذه النزعات خلال السنوات الماضية على نحو موسع من عمر أزمتها الرأسمالية الشاملة، لتنتج تنظيمات فاشية دينية طائفية جديدة متطرفة من شاكلة «القاعدة» و«داعش» وأمثالهما في منطقتنا، وتنظيمات فاشية قومية في مناطق أخرى، والتي قاربت على إنهاء دورها الموكول لها.
إن طبيعة ووتيرة تفاقم الأزمة الرأسمالية، كمنظومة وبنية، ووصولها إلى أفق مسدود، إلى جانب المآلات الموضوعية للتحولات الجارية الني ستنهي عهود الهيمنة الإمبريالية، باتت تؤكد مجدداً على صحة المقولات السابقة حول انتهاء عصر الدول القومية، باتجاه صيغ أكثر رقياً وتكاملاً وتحقق المصالح الحقيقية والمشروعة لشعوب الأرض.
هذه الحقائق لا تلغي أهمية النضال المرحلي في سبيل إلغاء أشكال التمييز كافة الممارسة بحق أي شعب من شعوب منطقة الشرق العظيم والعالم، ومن بينها الشعب الكردي.
بهدف الطرح على النقاش العام والإغناء، يعرض المجلس المركزي لحزب الإرادة الشعبية السوري رؤيته لهذه القضية المتراكبة والمتراكمة والمعقدة بصيغة موضوعات تهدف إلى الإسهام في صياغة موقف وطني وأممي مبدئي، يقطع الطريق على الطروحات الإقصائية التمييزية أو الانعزالية أو التقسيمية، سواء من الامبريالية، أم من ضيقي الفكر القومي كلهم، أياً كانت اصطفافاتهم.

الأزمة الرأسمالية الشاملة والمخارج الإمبريالية

الأزمة الحالية العاصفة بالمراكز الإمبريالية هي أعمق أزمة في التاريخ، والمخرج منها لا يمكن أن يكون كالسابق، عبر التوسع الأفقي لرأس المال، إن كان بالقوة أو عبر الوسائل الاقتصادية، لأن هذا التوسع وصل إلى أقصى مدى له.
الأزمة الرأسمالية العالمية قابلة لأن تكون نهائية وقاصمة، وفي ظل ميزان القوى الدولي الجديد المتشكل لم تعد واشنطن القوة رقم1 الآمرة الناهية في العالم.
تواصل الإمبريالية المأزومة استخدام الأشكال المباشرة وغير المباشرة كلها في التحريض والتوتير والاصطدام القومي والطائفي للوصول إلى «سايكس– بيكو2» عبر التركيز بالسياسات والإعلام السائد على جعل الصراعات الثانوية صراعات رئيسية.
جاء في الموضوعات البرنامجية التي أقرها الاجتماع الوطني التاسع للجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين ((حزب الإرادة الشعبية حالياً)) في 26/11/2010 أن «حدود سايكس- بيكو الإمبريالية.. يخطط لها الآن كي تكون فضاءً لتفجيرات مختلفة عبر الأخطاء التاريخية المقصودة فيها حينما رسمت خرائطها».
تقوم الإمبريالية، وخاصة الأمريكية، بإعادة انتشار وتموضع قواتها، في سياق انسحابها من المنطقة لأن وصول هذه القوات إلى أقصى مدى في انتشارها مع تكاليفها الباهظة لم تعد قادرة على أداء دور الثكنة المتقدمة لحماية المصالح الإمبريالية بشكل مباشر. ولكنها عبر محاولتها الاحتفاظ بالتأثير والتحكم عن بعد، تحاول الإمبريالية الأمريكية ترك المنطقة بحالة من الفوضى والاقتتال لعقود مديدة من الزمن، بغية كبح منافسيها الكبار، وإطالة عمرها في خضم أزمتها الخانقة.
الصراع الأساسي المستمر إلى اليوم هو الصراع بين قطب الإمبريالية وقطب الشعوب، وثمة أشكال وأمثلة عديدة لدى الشعوب والبلدان على رفض ولفظ النموذج الرأسمالي المتوحش في التطور، نتيجة استحالة التوافق مع عدوانيته الناجمة عن الضيق المستمر لهامش ريعه، وبالتالي مناوراته.
الإمبريالية بحالة تخبط حول المخرج المحتمل أمامها، مما سيؤدي إلى انقسامات حادة سياسية واجتماعية، في داخل المراكز الرأسمالية والإمبريالية ذاتها، والأدلة والمؤشرات على ذلك أكبر من أن تحصى هنا.
الإمبريالية أصبحت اليوم أمام مفترق طريقين لا ثالث لهما، يعكسان الصراع الداخلي بين الأجنحة والتيارات داخل المراكز الامبريالية، ولاسيما في واشنطن:
إما انهيار حاد وسريع في حال اعتمادها خيار القوة المباشرة السافرة.
أو تراجع تدريجي وسلس مع اعتمادها خيار القوة الناعمة التي تتضمن أشكالاً من القوة المباشرة.
ما يجري في منطقتنا اليوم هو حالة مركبة من هذين الخيارين، عنوانه «صراع الحضارات» إضافة لـ«الفوضى الخلاقة»، وأداته الأساسية المستحدثة مؤخراً لهذه الغاية هي تنظيم «داعش»، الذي باتت تتمظهر إمكانية انحساره لأسباب ذاتية وموضوعية، دولياً وإقليمياً ومحلياً.
إن قوى الحرب لم توفر وسيلة إلا واتبعتها لتحقيق أهدافها في تفتيت واستباحة البلاد، وأهم وسيلتين متكاملتين تستخدمهما، هما: «الإحراق من الخارج» عبر الغزو المباشر أو تصنيع وتسليح وتمويل غزو القوى الفاشية بنسخها النازية الجديدة والداعشية، وسياسة «الإحراق من الداخل» عبر افتعال وتأجيج نزاعات داخلية بين «مكونات» الشعوب، على أسس قومية ودينية وطائفية وغيرها، تضاف إلى محاولاتها الاستمرار في فرض وتثبيت نموذجها الاقتصادي الليبرالي الجديد، بما يشكله من حصان طروادة لها داخل البلدان المستهدفة.
«داعش»، وبوصفه أحد الأذرع الفاشية الجديدة لدى الأوساط الأكثر رجعية في رأس المال المالي الإجرامي العالمي، هو الأداة الأولى الدينية- الطائفية للتفتيت، وهو إن بات غير كاف للوصول إلى الهدف، فلا مانع لدى تلك الأوساط من اختراع أداة ثانية.
الأداة الثانية في جعبة الاحتياطيات القذرة لدى القوى الإمبريالية، هي إثارة الفوالق القومية في المنطقة، وهنا تبدو «القضية الكردية»، وطروحات الاستقلال وتقرير المصير، بالصيغ المطروحة، مرشحة لقول كلمة حق فيها يراد بها باطل.
لينين كان مع حق تقرير المصير مبدئياً. وعندما انتقدته الزعيمة الشيوعية الألمانية روزا لوكسمبورغ بأنه طرح غير عملي، قال: «فليكن لكنه مبدئي ولكل حادث حديث». وجاءت الممارسة اللينينية اللاحقة لتؤكد على أن لينين إنما ترك الموقف العملي كي يصاغ حسب ضرورات النضال ضد الإمبريالية ولصالح تآخي الشعوب.
إن دموع التماسيح التي يذرفها الغرب بغزارة اليوم على الكرد هدفها إجهاض حق تقرير المصير الحقيقي، لمصلحة استنبات نزعات انفصالية، جزئية، وأحادية الجانب، واستفزازية، لا تحل القضية الكردية، وتضر في الوقت ذاته بالمصالح العميقة لشعوب منطقة الشرق العظيم.

1128-3

مشتركات شعوب الشرق العظيم

تشكل المساحة الممتدة من قزوين إلى المتوسط فضاءً واحداً عملياً، بالمعنى الاقتصادي والسياسي والعسكري منذ أكثر من ألف عام وإلى أوائل القرن العشرين. وقد سبق أن أخذ هذا الفضاء الموضوعي سابقاً شكل امبراطوريات ودول شاسعة ظهرت في هذه المنطقة تاريخياً والتي كانت سمات علاقات شعوبها مع بعضها الانفتاح والتماهي جغرافياً وسياسياً واجتماعياً.
الشعوب في هذه المنطقة متآخية، والأساس في علاقاتها هو التاريخ المشترك والتكامل في حين أن الطارئ المفروض استعمارياً عليها كان التباعد والتفكك، المنافي لخط السير الموضوعي باتجاه الاندماج والتكامل والتوحد.
إن ما يجمع هذه الشعوب هو أكثر بكثير مما يجمع سكان الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوربي مثلاً، حيث ثمة:
تكوين نفسي- قيمي- اجتماعي- عاطفي متشابه.
ثقافة قواسمها مشتركة كبيرة.
تاريخ نضال مشترك في وجه الاستعمار، بشكليه القديم والجديد، والامبريالية، ولاسيما الأمريكية ومشاريع هيمنتها.
ثمة نضال اقتصادي واحد موضوعياً، لأنها بحد ذاتها إقليم اقتصادي بالمعنى الواسع للكلمة، أي يتمتع بموارد بشرية وطبيعية كافية لتكامله واكتفائه الذاتي واستقلاله عن بقية الأقاليم والمراكز الاقتصادية، (وللعلم فإن أعداد الأقاليم المشابهة على مساحة العالم لا تتجاوز 5- 6 أقاليم).
بفعل عوامل الضغط الخارجية المستمرة منذ أوائل القرن العشرين، وعوامل التجاذب الداخلية، فإن هذه المنطقة قابلة للتقارب والتكامل والتوحد، اقتصادياً وحتى سياسياً.

القضية الكردية قضية إقليمية

الكرد في منطقة شعوب الشرق العظيم يتوزعون بشكل رئيسي في أربع دول هي تركيا والعراق وإيران وسورية. ونحن أمام مشكلة عامة، عابرة للحدود السياسية القائمة، وإن كانت تتجلى في كل دولة حسب واقعها الملموس.
إن عمومية المشكلة تفترض تحديد العوامل المشتركة بين مختلف الدول في هذا الفضاء الجغرافي السياسي الممتد، من قزوين إلى المتوسط.
إن الرأسمالية في بلدان العالم الثالث، في ظل التقسيم الدولي الراهن للعمل، هي موضوعياً رأسمالية تابعة، أي أن هذه البلدان «تتطور» تحت مطرقة النهب الاستعماري الجديد.
تتعرض شعوب هذه البلدان لنهب مزدوج، عالمي لصالح المراكز، ومحلي لصالح الوسيط البرجوازي الكمبرادوري المحلي مع السوق العالمية.
خلق هذا النهب المزدوج ولا يزال متلازمة «النهب– القمع»، كإحدى خصائص التطور التاريخي لهذه البلدان، لأن النهب الفاحش والمزدوج فيها يتطلب على الدوام أن يتوازى مع القمع الحامي لمصالحه.
يشكل التمييز القومي جزءاً من هذه العملية، حتى تستمر عملية تغذية جيوب قوى رأس المال المحلي من جهة، ولخلق المزيد من تراكم الثروة في المراكز من جهة أخرى.
تعمّد الرسم الاستعماري لخرائط المنطقة من خلال اتفاقية سايكس- بيكو إبقاء بؤر توتر كامنة قابلة ألغامها للانفجار تلقائياً في أية لحظة، ومن بينها قضية الحقوق القومية للكرد.
البلدان المعنية جميعها تتسم ديموغرافياً، بالتنوع الثقافي «القومي، الديني، الطائفي الخ» بما يعبر عن غناها الحضاري من جهة، وإمكانية الاشتغال عليها من جهة أخرى لعرقلة التطور التاريخي الموضوعي.
الرأسمالية الطرفية البدائية المتخلفة وبحكم متلازمة «النهب- القمع» لم تستند إلى ذلك الغنى الحضاري، لدفع التطور التاريخي الاقتصادي- الاجتماعي، السياسي إلى الأمام، بل ذهبت عكس ذلك تماماً، وخصوصاً مع تكريسها لسياسات اللبرلة الاقتصادية في العقود الأخيرة، وباتت تشترك مع سياسات الخارج التقليدية القائمة على «فرق تسد»، في النيل من الكثير من المشتركات الموضوعية، بين مكونات الطيف الاجتماعي لدى شعوب المنطقة.

1128-2

سمات وخصائص القضية الكردية

القضية الكردية ليست قضية احتلال بالمعنى الكلاسيكي المتعارف عليه، وإن كانت تنطوي على الاضطهاد القومي، بل هي نتاج خرائط رسمتها قوى دولية في ظل توازن دولي محدد ارتسم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
تعد القومية الكردية من أكبر القوميات من حيث عدد السكان التي ليس لها كيان قومي. وتكاد لا توجد قومية أخرى بهذا العدد من السكان، وبهذا الغنى من الثروات في أماكن وجودها، منعتها سياسات الدول الغربية، والتفاعلات الداخلية لتلك السياسات، من تشكيل دولتها القومية الخاصة، حيث لم يسمح الاستعمار التقليدي المباشر في حينه بوجود دولة كردية مستقلة، بل تعمد إبقاءها مشكلة مفتوحة.
الفضاء السياسي والجغرافي للقضية الكردية- حتى ما قبل التحولات في ميزان القوى الدولي والإقليمي الجديد للقوى بفعل الأزمة الرأسمالية العامة والشاملة- هو دول الرأسمالية الطرفية، حيث النهب المزدوج والتفاوت الطبقي الحاد والمستوى المتدني من الحريات السياسية، مضافاً إليها ظلم قومي تكرس مع التقسيمات الاستعمارية، ولم ينته في ظل ما اصطلح عليه بالدولة الوطنية.
القضية الكردية قضية دولية موضوعياً، بسبب توزعها بين بلدان عدة، اختلفت في تحالفاتها الدولية منذ تكونها. وإن أي تحريك للملف الكردي في إحدى هذه البلدان منفردة كانت له على الدوام ردود أفعال من أربعة بلدان، ومن الدول المتحالفة مع البلدان الأربعة، بشكل غير مباشر، مما جعلها ساحة تنافس دولي دائماً.
الحامل الاجتماعي للمشروع القومي الكردي ليس البرجوازية. وكانت الحركة القومية الكردية على الدوام محكومة بعوامل أساسية عديدة، أبرزها: طبيعة القوى الاجتماعية التي ترفع شعارات المشروع الكردي، والتحولات الطارئة عليها في المراحل المختلفة والبلدان المختلفة، وتأثرها بالتحولات الدولية، وبظروف تطور البلدان الأربعة، العامة والخاصة، كل على حدة.
وللمقارنة فإن الشعوب الأوربية في القرنين الثامن والتاسع عشر، على سبيل المثال شكلت دولها القومية في ظل تحول البرجوازية من طبقة بذاتها إلى طبقة لذاتها، وبادرت إلى تشكيل سوقها، أو دولها القومية.
مع تراجع الحركة الثورية العالمية، وصيغة الدولة الوطنية، وتهديدها بمشاريع التفتيت الأمريكية في تسعينات القرن الماضي، تراجعت القوى الثورية والتقدمية الكردية، وصعدت في بعض الأماكن قيادات ضعيفة الارتباط بالمصالح العميقة للجماهير الكردية العريضة أو بأحسن الأحوال ضعيفة التجربة السياسية والنضج الفكري الضروري، حتى لو تمتعت بروح الإقدام والتضحية.
اليوم، مع تراجع الإمبريالية وحلفائها التقليديين والتابعين لهؤلاء الحلفاء يعاد انفتاح الأفق أمام الحلول الحقيقية للقضايا القومية في المنطقة، وإحداث الفرز المطلوب في القوى الاجتماعية والسياسية الحاملة للقضية الكردية، وطروحاتها، بحيث يجري تجاوز الشكل التقليدي الانعزالي الانفصالي التفتيتي المتوافق مع المصالح الإمبريالية، نحو التوافق مع المسار الطبيعي لحركة شعوب منطقة الشرق العظيم باتجاه تكاملها، وحل مشاكلها على أساس قواسمها المشتركة.
ومع تفاقم أزمة الإمبريالية التي تضع مستقبل ظاهرتها نفسه على طاولة البحث الجدي، وسعيها المحموم نحو التفتيت، ينبغي تقييم مدى رجعية أو تقدمية المشاريع القومية الضيقة.
من الواضح، أن ظروف التحول في ميزان القوى الدولي الجديد الجاري اليوم، والذي يشهد تراجعاً إمبريالياً وأمريكياً أصبحت تسمح من حيث المبدأ بوضع مسألة حقوق تقرير المصير، وتكامل ووحدة شعوب الشرق العظيم كلها، طوعياً وبالتراضي، واستناداً إلى القواسم المشتركة على طاولة البحث الجدي وبقوة.
إن من شأن ذلك أن يبني تكتلاً بشرياً، سياسياً واقتصادياً، رئيسياً جديداً في العالم، يحل ضمناً القضايا القومية، جملة وتفصيلاً، لمختلف الشعوب، بطريقة تخدم مصالحها هي، وليس المصالح الإمبريالية.
من الحقائق الثابتة، أن شكل تطور الدولة الوطنية خلق عبر التراكم التاريخي مستوىً معيناً من العيش المشترك والاندماج بين القوميات المتعددة في الشرق، لا يمكن لأي حل حقيقي للقضية الكردية أن يتجاهله.

القضية الكردية والأجندات المختلفة

في ظرف الانعطاف التاريخي الراهن تشهد القضية الكردية اهتماماً متعاظماً، ويطالها الاستقطاب الحاصل في المواقف السياسية حول القضايا جميعها.
يمكن تلمس أربعة مواقف حول هذه القضية، بغض النظر عن الدعاية الإعلامية السياسية المرافقة لتطور الأوضاع:
استمرار عقلية إنكار وجود قضية كردية بأساليب ملتوية من مختلف أنظمة الدول التي يوجد فيها الكرد، وبعض النخب السياسية والثقافية، بما فيها أحياناً تلك المحسوبة على بعض المعارضات. وتحاول تلك الأنظمة والنخب في ظل الاستقطابات الإقليمية والصراع الدولي القائم والأزمات المتفجرة في المنطقة استخدام القضية الكردية إما كورقة ضغط بينية، أو تسويفها تحت ستار الحفاظ على وحدة البلدان ومنع التفتيت، علماً بأن مجمل السياسات المتبعة، بما فيها إدارة الأزمات، تسهم في وضع أسس ومقدمات أي تفتيت محتمل، منشود أمريكياً.
تنزع بعض النخب الكردية، إلى اتخاذ خطوة في الفراغ من خلال التلويح بـ«الاستقلال»، بأي ثمن كان، تحت راية الحق القومي المشروع، بغض النظر عن حقيقة إمكانية تحقيقه وجديته واستقراره المفترض، وبغض النظر عما يمكن أن يحدثه مثل هذا الإجراء من طرف واحد في ظل الحالة التاريخية الراهنة، ودون أن يأخذ بعين الاعتبار التبدلات السريعة المحتملة في مواقف القوى الغربية الداعمة والمحرضة على اتخاذ هذه الخطوة، والتي تحاول مواصلة سياسة احتواء القوى والأطراف الإقليمية جميعها وتغذية نزاعاتها البينية والتحكم بها.
يشتغل الموقف الأمريكي عملياً على تغذية الموقفين السابقين، بدرجات متباينة ومتناوبة بينهما حسب مقتضيات المصلحة الأمريكية باللحظة الدولية المعنية.
الموقف الآخر الذي تعبر عنه هذه الوثيقة، موقف يُقرّ بحق تقرير المصير، من حيث المبدأ، ويرى تجسيده الملموس في الإطار الجذري والشامل والمتكامل والاتحاد فيما بين شعوب وقوميات المنطقة كلها، أي الاندماج الطوعي، كمخرج واقعي، باعتباره حلاً يلجم خطرين يهددان الحقوق القومية كلها للشعوب، بما فيها الكردي: خطر إنكار الحق على أصحابه، وخطر توظيف هذا الحق لصالح أجندات دولية بشكل كيانات مصنعة ومجتزأة وقسرية، تتعارض مع كل من المصالح الحقيقية لشعوب المنطقة، ومع المسار الموضوعي للتطور العالمي ومستقبله. وإن هذا الموقف لا يعني بأية حال من الأحوال صرف النظر عن ضرورة مواصلة النضال المرحلي في سبيل إلغاء أشكال التفرقة والتمييز بأشكالها كافة الممارسة بحق الكرد، أياً كانت أماكن انتشارهم.
إن «الاستقلال»، تحت يافطة حق تقرير المصير أو أي شكل مخفف آخر، وإعلان «دولتهم الخاصة»، يضع الكرد وبشكل مباشر تحت ضغط وابتزاز قوى إقليمية ودولية، وفي أحسن الأحوال، يجعل القضية الكردية ساحة لتصفية حسابات هذه القوى، في ظرف تتبدل فيه المحاور والتحالفات بشكل أكثر مما يتوقعه العقل القومي التقليدي.
إن تمرير أي شكل من أشكال الجنوح نحو الانفصال حالياً في ظل التوازنات الإقليمية والدولية غير المستقرة سيؤدي الى:
صراع كردي – كردي
صراع كردي – عربي
صراع كردي - تركي
صراع كردي - إيراني
هذا يعني أن الأمور ستتعقد وسيُدفع بالكرد للكفر بحق تقرير المصير بعد حين، وسندخل مرحلة صراع ثانوي صرف.
الطرح الذي يقدمه ضيقو الأفق القومي الكردي باتجاه إقامة كيانات صغيرة سيؤدي إلى حجب الحق عن باقي الكرد في بقية البلدان، الذين يشكلون أكثرية الكرد.

1128-1

تقرير المصير ضمن وحدته

يستمر تبلور ميزان القوى الدولي، نحو تكريس انتهاء العالم أحادي القطب (الأمريكي الذي كان سائداً خلال العقدين الفائتين) وبروز العالم متعدد الأقطاب (الروسي/ الصيني/ بريكس وقطب الشعوب أساساً)، حيث تشهد المنطقة والعالم صراع وتناقض مشاريع جيوسياسية عالمية كبرى يقوم بعضها على محاولات تكريس الهيمنة، في حين يقوم بعضها الآخر على النِدّية والتكامل والمنفعة المتبادلة، ضمن مساعي تثبيت كسر الهيمنة الأمريكية.
إن مشروع اتحاد شعوب الشرق العظيم يمتلك موضوعياً إمكانيات المشروع الجيوسياسي العالمي كلها، باتجاه الإجهاز على المنظومة الإمبريالية الاستعمارية برمتها.
إن الرد التاريخي المضاد من شعوب المنطقة على مشاريع التفتيت والفوضى الخلاقة ومقولات صراع الحضارات الأمريكية، يتمثل في غَذّ السير باتجاه وحدة مصالح شعوب الشرق العظيم واتحادها، التي تسمح بالتوجه إليها موضوعياً تحولات ميزان القوى الدولي الجديد.
إن اتحاد شعوب الشرق العظيم يقوم على التفاهم الطوعي بين جميع شعوب المنطقة، وإن المفصل التاريخي لهذا التحول الاستراتيجي، سيجري حين تكون الإمبريالية في أضعف لحظاتها وغير قادرة على تمرير مخططاتها كالسابق.
لا ينبغي الاكتفاء بما يسمى حق تقرير مصير الكرد الجزئي جغرافياً، بل ينبغي العمل لتقرير المصير والسيادة لشعوب المنطقة كلها، بمن فيهم الكرد كلهم بمختلف أماكن وجودهم في البلدان الأربعة، بمعناهما الحقيقي، أي انعدام التبعية لأي من المراكز الإمبريالية.
إن الأشكال أو الخطوات الانفصالية، أحادية الجانب، ستكون معرقلة لهذا المسار الموضوعي بحكم الصراعات الثانوية التي ستحدثها.
الشكل العملي لتنفيذ هذا الحق يتعلق بشكل تغير وتطور موازين القوى الدولية والإقليمية اللاحقة، وبحجم الأزمات في كل بلد.
لن يتبلور هذا الحق ويدخل حيز الوجود إلا ضمن التفاهم الطوعي الإرادي لشعوب المنطقة كلها، بشكل يعمق تآخيها ويوحد نضالها ضد الإمبريالية عدوة كل الشعوب.
أي أن تنفيذه على الأرض له علاقة بتفاهم واتحاد العرب والكرد والترك والفرس والقوميات الأخرى كلها، المتآخية عبر التاريخ والتي يجب أن تصل إلى مستوى أعلى من التآخي في الدفاع عن حقوق بعضها البعض.
إن تقرير مصير شعوب المنطقة، وحل قضاياها العالقة بما فيها القضية الكردية، لن يكون ناجزاً وحقيقياً ما لم يكن مرتبطاً عضوياً بوحدة مصيرها.
إن أي حل يجب أن يضمن الحقوق الثقافية والقانونية- المدنية الكاملة لكل مكون منفرداً، والحقوق السياسية والاجتماعية لكل المكونات معاً بآن واحد.
إن أفضل صيغة لحق تقرير المصير للشعب الكردي في المرحلة الانتقالية الراهنة، تكمن في أن يكون الشعب الكردي في قلب المعركة إلى جانب الشعوب الأخرى، من أجل عملية تغيير جذرية لكامل البنية السابقة، وما أنتجته من قهر اجتماعي وقومي، باتجاه شكل من أشكال الاتحاد القائمة على الاعتراف المتبادل بالحقوق، وليس جعلها أداة توتير جديدة، من خلال أوهام الدعم الغربي عموماً، والأمريكي خصوصاً.
مع أخذ هذا بعين الاعتبار، تصبح مفهومة الغاية الأمريكية من الدفع باتجاه قيام كيانات كردية صغرى تحدث صراعاً عنقودياً وشبكياً في المنطقة.

سورية ضمن النماذج المطلوبة

الكرد في سورية، جزء لا يتجزأ من الشعب السوري بتاريخه ونضاله ومنتوجه الحضاري وصراعه الطبقي والسياسي.
على قاعدة وحدة مصير الشعب السوري فإن المطلوب في سورية ليس ديمقراطية مكونات دينية وعرقية وطائفية، بل ديمقراطية مكونات سياسية عابرة للأديان والقوميات والطوائف والمذاهب، تقود صراعاً سياسياً اجتماعياً على قاعدة برامج سياسية شاملة.
تحاول العديد من القوى في سياق نضالها الديمقراطي المزعوم، استبدال الضبط القسري لقوى المجتمع «الاستبداد»، بنموذج «ديمقراطية» المكونات، التي تعني استناداً إلى التجارب الملموسة «استبداداً من شكل آخر» عبر تقاسم السلطة والثروة بين نخب تلك المكونات.
يضع هذا النموذج موضوعياً الكل في مواجهة الكل، لا على أساس تناقض المصالح الاجتماعية كأمر طبيعي في أي مجتمع استغلالي، بل على أساس مصالح النخب نفسها، وبالتالي يشتت قوى الأغلبية المنهوبة لمصلحة الناهبين، ويدخلها في أتون معركة ليست معركتها بالأصل.
إن الدخول بهذه المعركة يعيق بالتالي التطور الموضوعي الذي يتجسد في هذه المرحلة التاريخية من تطور المجتمع البشري ككل، بالاندماج ليس داخل كل بلد فقط، بل حتى على المستوى الكوني، فيصبح هذا «النموذج الديمقراطي» في بلد مثل سورية عائقاً مصطنعاً أمام التطور الطبيعي الذي تعكسه وحدة المصالح، والتاريخ والمصير المشترك لهذه «المكونات».
تؤكد التجربة الملموسة، أن «الوضع الكردي» بأبعاده المختلفة يتعقد طرداً مع تعقد الوضع السوري العام، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى بأن مستقبل كرد سورية لا ينفصل عن مستقبل سورية نفسها.
إن مصلحة الكرد السوريين تكمن بالضبط في العمل من أجل الإسراع بالحل السياسي بين السوريين، بما يفتح الطريق إلى التغيير الوطني الديمقراطي الجذري والعميق والشامل، الذي يعبر عن مصالح أغلبية السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم الضيقة. وهذا ما يفترض التجاوب والتنسيق مع جهود القوى الدولية والإقليمية والداخلية الساعية إلى مثل هذا الحل.
يعتبر الصراع الجاري، في سورية وعليها، في جزء منه صراعاً على النموذج الديمقراطي اللاحق لدول المنطقة ولسورية التي ستخرج من أزمتها الراهنة.
إن نجاح نموذج حل الأزمة السورية سياسياً وسلمياً وتحقيق غايات هذا الحل المتمثلة في وقف العنف ووقف التدخل الخارجي بأشكاله كافة ووقف الكارثة الإنسانية ومعالجة تداعياتها وصولاً إلى تحقيق متلازمة مكافحة الإرهاب، أياً كانت مصادره، وإحداث التغيير الوطني الديمقراطي الجذري والعميق والشامل على الصعد كافة، سيطبع بطابعه التطور اللاحق لدول المنطقة وأزمات العالم.
إن مواجهة المشروع الإمبريالي التفتيتي لدول منطقة الشرق العظيم تحمل اليوم أهمية مصيرية إنسانية عامة، لأن نتيجة نجاح تلك المواجهة أو فشلها يترتب عليها خيارا البقاء أو الفناء لأحد قطبين متناقضين تناقضاً أساسياً عميقاً، بقاء أحدهما يعني فناء الآخر، هما قطب الشعوب من جهة، وقطب الإمبريالية من جهة ثانية. والمشكلة أن بقاء الإمبريالية لن يكون «بقاءً» لأنه سيعني ضمناً استمرار الحروب واندثار الحضارة البشرية، وهو ما لا يمكن للشعوب الحية والقوى الحرة أن تقبل به!
في حزب الإرادة الشعبية، نقف بصلابة مع الحقوق المشروعة للكرد السوريين، ولكننا مع نضالهم في سبيلها بالوسائل المشروعة، وحسب مقتضيات مصلحة الحفاظ على الدولة السورية.
ونحن مع رفع الظلم عنهم، مثلما نحن مع حقوق الشعب السوري، ومع رفع الظلم عنه ومع حقه بالعيش الكريم. ومن الخطأ لدى بعض القيادات الكردية أن تعتقد أن قضاياها مفصولة عن قضايا عموم الشعب السوري.
إن قضية الكرد السوريين يجب ألّا تلقى اهتمامهم هم فقط، بل يجب أن تكون في صلب اهتمام بقية الشعب السوري وقواه السياسية الشريفة، وإن مصلحة ونضال هؤلاء من أجل حقوق الكرد، يجب ألّا تقل عن نضال الكرد أنفسهم، فهذه القضية هي جزء من القضية الديمقراطية العامة في البلاد.

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1128
آخر تعديل على الأربعاء, 19 تموز/يوليو 2023 21:05