_
ثلاث سنوات على انطلاق أستانا...  أين وصلت؟
عماد طحان عماد طحان

ثلاث سنوات على انطلاق أستانا... أين وصلت؟

قبل ثلاث سنوات من اليوم، وبالتحديد يومي 23 و24 كانون الثاني من العام 2017، انعقد الاجتماع الأول لصيغة أستانا في العاصمة الكازاخية، برعاية كل من روسيا وتركيا وإيران.

الاجتماع الرابع عشر لصيغة أستانا جرى في الحادي عشر من كانون الأول الماضي، أي إنّ الاجتماعات عقدت ضمن معدل وسطي هو اجتماع كل شهرين ونصف. وهذا المؤشر الرقمي وحده ليس كافياً بطبيعة الحال للإحاطة بمعاني هذه الصيغة ووزنها، ولكنه يمثل مؤشراً مهماً على كم النشاط الدبلوماسي والدينامية العالية لهذه الصيغة، ناهيك عن خمسة لقاءات قمة بين الرؤساء الثلاثة خلال الفترة نفسها، وضعف هذا الرقم على الأقل من اللقاءات الثلاثية على مستوى وزراء الخارجية ووزراء الدفاع.
في البدء كانت سورية
تتيح العودة إلى سيل التحليلات والقراءات السياسية التي رافقت انطلاق مسار أستانا، معاينة عمق الأوهام التي تخبَّطت ضمنها قوى الفضاء السياسي القديم على المستويات المحلية والإقليمية والدولية؛ فقد كان هنالك ما يشبه الإجماع على أنّ الصيغة محكومة بالفشل، وأنها ليست سوى تلاقٍ تكتيكي مؤقت لنقائض يستحيل الجمع بينها، وكان الحديث دائراً بشكل خاص عن موقع تركيا ضمن هذا الثلاثي، الموقع الذي كان البعض يتعاطى مع اصطفافها في المعسكر الغربي بوصفه واقعاً نهائياً من النمط الذي لا يمكن تغييره، رغم أنّه ليس من شيءٍ في الكون من النمط (غير القابل للتغيير)...
التعاطي الساذج السابق، أوقع تلك القوى في جملة من المواقف المتخبطة، بين هجوم متواصل على الصيغة الثلاثية، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبين تأييد بعض نتاجاتها بشكل انتقائي واضطراري وبعد فوات الأوان في كثير من الأحيان.
النظرة القاصرة المشار إليها، حجبت عن الكثيرين فهم المعاني العميقة لهذه الصيغة؛ إذ بقي التفكير محصوراً لفترة طويلة في حدود المسألة السورية، بل وفي جوانب صغيرة وجزئية منها.
وإذ كانت في البدء سورية، بما يتعلق بعمل ثلاثي أستانا، فإنّ أي مراقب موضوعي لحجم التطور الهائل الذي تأسس على ارتفاع التعاون بشكل متواتر وملموس في المسألة السورية، يمكن له اليوم أن يرى بوضوح أنّ الصيغة ورغم أنها نشأت على أساس معالجة قضية ملموسة واحدة هي القضية السورية، إلا أنها اتسعت شيئاً فشيئاً لتتحول إلى شراكة إستراتيجية بين ثلاث دول، شراكة تشمل لا ملفاً إقليمياً واحداً، بل جملة من الملفات على امتداد شمال إفريقيا (ليبيا مثالاً) وغرب آسيا ووسطها.
منظومة إقليمية جديدة
جذر القضية، هو ما كررته قاسيون مراراً، من أنّ التوازن الدولي الجديد، لا يتعلق بإعادة تموضع بسيطة للقوى والبنى المحلية والإقليمية والدولية فحسب، بل وأهم من ذلك هو إعادة تشكيل تلك البنى.
بكلام آخر، فإنّ منظومة أستانا شكلت في جوهرها أول تمظهر للمنظومات الإقليمية الجديدة المنتمية إلى عالم ما بعد الأحادية القطبية الأمريكية، والتي قدمت نموذجاً أولياً لإعادة رسم وترتيب مختلف المنظومات الإقليمية المنتمية إلى العالم القديم.
ماذا أنجزت سورياً؟
إذا أردنا تكثيف ما أنجزته صيغة أستانا في المسألة السورية حتى اللحظة، يمكن لنا أن نعدد الأوجه الأساسية الآتية:
تقليص حدود الحرب على الأرض السورية إلى مساحات محدودة، بعد أن كانت تشمل البلاد بأسرها تقريباً، وهو ما كان نقطة بدء لا بد منها لفتح الباب نحو تطبيق الحل السياسي.
وضع حدٍ للتلاعب الغربي بمسألة الفالق (السني الشيعي) في المنطقة، والذي كان الأداة الأكثر فاعلية في تخريب المنطقة، والذي لم ينته التلاعب به بشكل كامل، ولكن يمكن القول بما يخص سورية، وبثقة عالية، إنّ هذا التناقض الثانوي لم يعد قادراً على تفجير الأمور.
كذلك الأمر مع التناقضات القومية ضمن المنطقة، وإنْ كان لا يزال هناك الكثير مما ينبغي حله والتعامل معه، إلا أنّ الصيغة نفسها، صيغة أستانا، باتت ممراً مهماً لوضع أرضية حل شامل للإشكالات القومية، لا في سورية، بل في المنطقة ككل.
تكريس القرار 2254 بوصفه جوهر الحل وخارطته، عبر تأريض التلاعب الغربي بالعملية، بشكل مباشر عبر المجموعة المصغرة، وبشكل غير مباشر عبر المتشددين في النظام والمعارضة.
إنتاج اللجنة الدستورية السورية، والإصرار على إنجاحها رغم كل المعوقات التي توضع في وجهها.
أي مستقبل ينتظرها؟
الازدهار المتصاعد للعلاقات الثنائية والثلاثية ضمن ثلاثي أستانا، وفي المجالات المختلفة، السياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها، بات يسمح بالتنبؤ بأنّ هذه المنظومة قطعت نقطة اللاعودة بأشواط مهمة، وباتت علاقة إستراتيجية وأساساً في رسم الوجه الجديد للمنطقة، والذي يتطلب استكماله ليس حل الأزمة السورية فحسب، كشرط لازم لا غنى عنه، بل وأيضاً تقريب وجهات النظر مع القوى العربية الأساسية، وصولاً إلى مساعدتها على الاستدارة الموضوعية التي لا مفرّ منها، بعيداً عن الأمريكان وبلطجتهم... هذا الامتحان لأستانا، سيكون واحداً من أصعب امتحاناتها، وربما من أكثرها حاجة للصبر وللحكمة، ولكنه أيضاً الامتحان النهائي الذي سيضمن النجاح به فتح أبواب حياة مزدهرة لشعوب ودول المنطقة بعد قرون من الظلمات!

معلومات إضافية

العدد رقم:
950