_
إيقاف الانهيار: 2254!

إيقاف الانهيار: 2254!

يستمر انهيار سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية بوتائر غير مسبوقة طوال سنوات الأزمة التسع؛ ففي حين كان السعر يتحرك حول 600 ليرة سورية للدولار الواحد في شهر آب الماضي، فقد وصل مؤخراً إلى حدود 1200 ليرة للدولار الواحد، ما يعني انخفاضاً في سعر صرف الليرة إلى النصف خلال أربعة أشهر.

إن مجرد مقارنة سرعة الانهيار النسبية مع سرعة التراجع السابق خلال السنوات التسع الماضية، تكفي وحدها لكي يُقرع ناقوس الخطر بأنّ مرحلة جديدة قد بدأت.

سرعة الانهيار

خلال تسع سنوات تقريباً، انخفض سعر صرف الليرة من حدود 47 ليرة للدولار إلى حدود 600 ليرة، أي إنّ الليرة السورية فقدت 92% من سعرها (ولا نقول من قيمتها، لأنّ حساب انخفاض القيمة الحقيقية لليرة يتم على أساس القيمة الشرائية، أي بما تستطيع الليرة شراءه من البضائع، وهو حساب قامت به قاسيون بشكل دوري، وأرقامه تقل عن أرقام انخفاض سعر الليرة، ولكن ليس كثيراً).
بكلام آخر يمكن القول إنّ الليرة خسرت من سعرها وسطياً 5% كل ستة أشهر، ولكنها خسرت عشرة أضعاف هذا المتوسط خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، أي بحدود 50% من سعرها، ما يعني أننا أمام سرعة انهيار وسطية تقابل أكثر من عشرة أضعاف سرعة الانهيار الوسطية خلال الأعوام التسعة السابقة!

قيمة العملة

بالعودة إلى الحديث عن قيمة العملة، لا عن سعرها؛ أي عما يمكن للعملة شراؤه من بضائع، بغض النظر عن سعر صرفها أمام العملات الأجنبية، فإنّ الانخفاض في قيمة الليرة الذي فقدت بموجبه 86% من قيمتها بين الأعوام 2011 حتى 2018، سيرتفع مع الموجة الجديدة من انهيار سعر الصرف إلى حدود أكثر كارثية ستتولى قاسيون تبيانها في أعداد لاحقة وفقاً للقدرة الشرائية، ولكن التقدير الأولي يقول بأنّ الليرة في الوضع الراهن ستكون قد خسرت من قيمتها ما لا يقل عن 93% ابتداءً من 2011 وحتى الآن، أخذاً بالاعتبار أنّ سعر صرف الليرة قد خسر 96% استناداً إلى سعر صرف 1200 ليرة للدولار الواحد.
إنّ سعر صرف الليرة، ورغم أنّه لا يعبر بدقة عن قيمتها، إلا أنّه في نهاية المطاف (سعر)، وسعر أية بضاعة بما في ذلك العملة، هو انحراف عن قيمتها صعوداً أو هبوطاً وفقاً للعرض والطلب. ولذلك فإنّ معالجة سعر الصرف ينبغي أن تأخذ بالمعنى العلمي ناحيتين أساسيتين، الأولى هي القيمة الفعلية للبضاعة- للعملة، والثانية هي مسألة العرض والطلب وضمناً المضاربة.

القيمة الفعلية لليرة

تتحدد قيمة أية عملة من حيث الأساس، بما تقابله من بضائع، أي بما تقابله من إنتاج، وكذلك تتحدد بكتلة النقد الموجودة في السوق وبسرعة تداولها، وهذه عوامل فندتها قاسيون بشكل متكرر عبر السنوات الماضية. ما ينبغي لفت الانتباه إليه بداية هو التراجع الكبير والمستمر في الإنتاج الصناعي والزراعي، أي في الإنتاج الحقيقي، والذي لم يشهد تحسناً جدياً رغم التطورات الميدانية التي قللت من إشكالات تقطع الطرقات والإشكالات المتعلقة بشكل مباشر بالوضع الأمني العسكري، ما يعني أنّ التطور الميداني لم تتم ملاقاته بسياسات تعيد تحريك عجلة الإنتاج بشكل حقيقي.

خارجي وداخلي

يمكن بشكل مكثف القول إنّ الضغط المباشر على الليرة يأتي من مصدرين، خارجي وداخلي.
الضغط الخارجي يتمثل أساساً بالحصار الغربي المستمر والمتصاعد، وكذلك بالكتلة النقدية السورية الموجودة في الخارج، بالتوازي مع ما يمر به لبنان، الذي أثبت أنه خاصرة رخوة للاقتصاد السوري يمكن عبره تعميق خسائره.
الضغط الداخلي يتمثل من حيث النتيجة بالسياسات الاقتصادية المتبعة، التي لا تزال تمضي بشكل مطرد في الاتجاه النيوليبرالي المتوحش المتمثل بتخلي الدولة التدريجي والمتسارع عن أي دور لها في السوق، بالتوازي مع المزيد من الخصخصة ورفع الدعم سواء بشكل علني أو شبه علني في القطاعات الحيوية المختلفة، وعلى رأسها الزراعة والصناعة.
من حيث الجوهر، فإنّ هذه السياسات هي انعكاس لتغول قوى الفساد الكبير التي لم تعد تتحكم بمقاليد الأمور الاقتصادية في البلاد فحسب، بل وباتت تتعامل باستخفاف مع أي إجراء لا يتوافق مع خططها ومصالحها.

عامل مستجد

العاملان السابقان، ثابتان من حيث المبدأ، ورغم أنّ شدتهما ازدادت خلال السنة الأخيرة، إلا أنّ ذلك وحده لا يمكنه أن يفسر السرعة الفلكية في الانهيار. ولذلك فإنّ هنالك عاملاً إضافياً نعتقد أنه الأكثر تأثيراً في الوقت الراهن، وهو لجوء قوى الفساد الكبير إلى تهريب سرقاتها المتراكمة والمستجدة بشكل متسارع، حيث تلقي الليرة السورية من يدها وتبدلها دولاراً لتهريبه للخارج. إنّ تسارع هذه العملية، ورغم ما يحمله من مآس مباشرة على عموم الشعب السوري، إلا أنّ له دلالة سياسية واضحة، هي أنّ هذه القوى باتت تسلم بأنّ استمرارها في مواقعها وسطوتها التي تسمح لها بالنهب، أصبح مهدداً بشكل كبير مع اقتراب الحل السياسي الحقيقي عبر 2254...

حلول إدارية واقتصادية؟

إنّ حلاً اقتصادياً جذرياً هو الطريق الوحيد الذي يمكن من خلاله إبطاء عملية الانهيار، وبنوده الأساسية واضحة يأتي على رأسها اجتثاث رؤوس الفساد الكبير بشكل حقيقي لا إعلامي، واسترجاع الأموال المنهوبة، وضخ الاستثمارات في الصناعة والزراعة بالتوازي مع سياسات مالية تعمل لمصلحة عموم الناس وضد القلة الفاحشة الثراء.
ولكن هذه الإجراءات كلها، وإنْ افترضنا إمكانية تطبيقها، فإنّ أثرها لن يظهر قبل سنوات في حال استمر الوضع السياسي بشكله القائم، وفي حال استمر الحصار الاقتصادي.
أما عن الإجراءات الإدارية، ومنها المراسيم الأخيرة، وكذلك ما جرى إعلانه من إجراءات ونوايا بالمعنى الجنائي الحقوقي، فرغم أنها يمكن أن تمثل أضعف الإيمان، إلا أنّ الوقائع تشير إلى أن تأثيرها على سعر الصرف لم يتجاوز 24 ساعة، ما يعيد التأكيد على ما قلناه أعلاه من أن قوى السوق والفساد الكبير باتت لا تستخف بدور الدولة فحسب، بل وباتت مؤمنة بأنّ تدخل الدولة بات هامشياً ولا يثير همها أو حفيظتها، بل هي تتابع سلوكها الوقح كأن شيئاً لم يكن.

لا حل سوى 2254

إنّ إيقاف التدهور، وفتح الباب نحو تراجعه ثم عكسه، لم يعد ممكناً بحال من الأحوال دون صدمة إيجابية كبرى ضمن الأوضاع القائمة، وهذه الصدمة تتمثل أساساً بتطبيق القرار 2254 بشكل كامل، والذي من شأنه أن ينتزع ذرائع الحصار الغربي من جهة، وربما أهم من ذلك، أن يفتح الباب للشعب السوري للتعبير عن نفسه بشكل حقيقي، وتقرير مصيره بشكل فعلي، عبر تغيير البنى القائمة بما يسمح بضرب قوى السوق والسوء، والتي تجاوزت في وقاحتها كل المستويات السابقة، ولم يعد ممكناً وقفها من جهاز الدولة الضعيف أمامها والمخترق من قبلها على مستويات عديدة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
2254
آخر تعديل على الإثنين, 20 كانون2/يناير 2020 12:39