_
آسيا الوسطى والاتجاه الصعب بعيداً عن الأمريكي
سعد خطار سعد خطار

آسيا الوسطى والاتجاه الصعب بعيداً عن الأمريكي

أثارت الموارد الطبيعية الغنية في آسيا الوسطى منذ زمنٍ طويل شهية الدول الاستعمارية، وبشكلٍ خاص الولايات المتحدة الأمريكية التي كثفت نشاطها في المنطقة على نحوٍ ملحوظ خلال العام الفائت، بهدف ضمان احتكار النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري في مقابل تعاظم الدورين الروسي والصيني في المنطقة.

بات كبار المسؤولين الأمريكيين ضيوفاً متكررين في دول آسيا الوسطى، وخلال 2019 هندست الولايات المتحدة قائمة سفرائها في المنطقة، ولاحظ بعض المحللين أن التعيينات الدبلوماسية الأمريكية مؤخراً تلفت الانتباه إلى أن معظم السفراء الجدد هم أشخاص لديهم خبرة كبيرة في الإستراتيجية العسكرية وفي تنظيم الانقلابات العسكرية والملوّنة. وتشير هذه الإجراءات التي اتخذتها واشنطن إلى أن الولايات المتحدة تسعى جاهدة من أجل تعظيم النفوذ السياسي والعسكري طويل الأجل في المنطقة، وهو أمر ذو أهمية حاسمة من وجهه النظر الجيوسياسية الأمريكية التي تتوقع أن هذا سيضع كلاً من روسيا وإيران في موقفٍ صعب، مما يجعل عملية ممارسة الضغط على هذه الدول أكثر سهولة.

الانسحاب والتهديد بالانسحاب

شرعت الولايات المتحدة بحملة دعائية نشطة في المنطقة، مفادها أن الانسحاب الأمريكي منها من شأنه أن يستدعي موجة جديدة من التطرف والإرهاب، مدّعية أن المظلة العسكرية الأمريكية وحدها القادرة على تخليص المنطقة من هذه التهديدات، كما لو كان تهديداً لقادة هذه الدول: إما أن تتفقوا على إبقاء ما يمكن من نفوذنا لديكم أو لتتحملوا العواقب غير السارة لانسحابنا.
وليس سراً أن واشنطن تحتفظ باتصالات غير معلنة مع المعارضة الأفغانية، وخاصة مع طالبان وعدد من القادة الميدانيين لقوات أخرى، ومؤخراً، أصبحت اتصالات الولايات المتحدة مع هذه المجموعات أكثر علانية. وعند الضرورة، سيّرت قواتها المسلحة نحو حدود بعض جمهوريات آسيا الوسطى، ولا سيما أفغانستان- أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان. وقد تم اختبار هذا التكتيك منذ فترة طويلة. فعلى سبيل المثال، تعمل حركة «تركستان الشرقية الإسلامية»، التي أدرجتها القوى الغربية وروسيا في قائمة المنظمات الإرهابية، بنشاط ضد الصين في منطقة الإيغور المتمتعة بالحكم الذاتي، بدعمٍ واضح من الولايات المتحدة.
ومن المفارقات، أن «المساعدة» التي تقدمها واشنطن، والتي تهدف إلى تدريب وتجهيز العاملين في آسيا الوسطى في مجال الأمن، والمصممة حسب ما هو معلن لتوقف التدفق الكبير للأفيون من أفغانستان، لم تخفض تجارة المخدرات التي تجري عبر هذه المنطقة، بل بات واضحاً حتى بالنسبة إلى دول المنطقة «المعاندة» أن الولايات المتحدة حاضرة لضمان نفوذها لا أكثر.
وفيما يتعلق بالتدابير المضادة ضد الدور الصيني في المنطقة، فقد طالبت الولايات المتحدة بإصرار طوال عام 2019، جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفياتي في آسيا الوسطى، بتقديم دعم نشط للمقاتلين الفارين من منطقة شينجيانغ المستقلة ذاتياً في الصين. مما أدى إلى اشتباك دبلوماسي بين بعض حكومات هذه الدول والصين التي لا تقبل المساومة على سلامتها وأمنها وسيادتها.

تنامي النزعة المعادية لواشنطن

مؤخراً، أولى القطب الروسي الصيني الصاعد أهمية كبيرة لتنامي المشاعر المعادية لروسيا والصين في آسيا الوسطى، وكان التعاطي مع هذه المسألة موضوعياً، ولم يستند إلى الإنكار الذي عادة ما تبديه الدول إزاء هذا النوع من المشاكل. ولأن حجم الاتجاهات العدائية إزاء روسيا والصين ليس كبيراً جداً بالنظر إلى الخلفية والروابط التاريخية في المنطقة، اعتمدت روسيا والصين على تعزيز عمليات التحديث في آسيا الوسطى، إلى حدٍ بات يكثر فيه النظر إلى روسيا باعتبارها شريكاً مهماً، والأهم من ذلك، أن الخطر الإرهابي في المنطقة قد ساهم بشكل كبير في تعزيز هذه العلاقات، نظراً إلى الدور البناء لروسيا والصين في تعزيز استقرار أمن آسيا الوسطى. في المقابل، ساهم الغزو العسكري الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في العراق عام 2003، في ازدياد العداء للولايات المتحدة في آسيا الوسطى: فبينما رحبت السلطات الأوزبكية بهذه العملية، أبدى الشعب الأوزبكي وغيره من شعوب آسيا الوسطى قدراً كبيراً من السخط، ورأوا التدخل باعتباره عملاً من أعمال العدوان الأمريكي.
في الوقت الراهن، يمكن القول إن معاداة الولايات المتحدة الأمريكية تأخذ بعداً كبيراً، وتنتشر على امتداد دول آسيا الوسطى، أما مشاعر العداء لروسيا فإنها تخبو شيئاً فشيئاً، ذلك أن القرب الجغرافي والجذور التاريخية والمصلحة الاقتصادية المشتركة واتضاح زيف الدعاية الأمريكية، قد صارت عوامل بيّنة بالنسبة لقطاعات متعددة من شعوب المنطقة، هذا عدا عن أنه ليس لدى واشنطن فعلياً ما تقدمه لقادة وشعوب المنطقة، حيث باتت حساباتها اليوم مقتصرة على إمكانية الخروج من المآزق بأقل تكلفة ممكنة.
ومع ذلك، حاولت الولايات المتحدة إقامة حوار مع دول آسيا الوسطى في إطار ما يسمى بمجموعة «الخمسة زائد واحد»، والتي تضم كازاخستان وتركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان، إلا أنها لا تزال عاجزة عن خلق شبكة حلفاء لها في هذه المنطقة المهمّة من العالم.
ما يمكن قوله هو إن الاتجاه نحو تعميق العلاقات الثنائية مع كل من روسيا والصين، هو اتجاه موضوعي ناتج عن التغير في موازين القوى أصلاً، كما أن المصلحة العميقة للمنطقة في إطار المشروع الأوراسي ومشروع طريق الحرير الصيني الجديد هي ليست شيئاً قابلاً للنكران. من هنا، يمكن فهم الدفع الروسي الصيني المشترك في اتجاه تأسيس اتحاد يجمع دول آسيا الوسطى في منظومة واحدة تفتح الباب للحوار بين هذه الدول، وتقطع الطريق في الوقت ذاته على محاولة الولايات المتحدة أخذ دول هذه المنطقة فرادى.

معلومات إضافية

العدد رقم:
947
آخر تعديل على الإثنين, 06 كانون2/يناير 2020 11:49