_
«بيلدربرغ»: ماذا في اجتماعات 2019؟

«بيلدربرغ»: ماذا في اجتماعات 2019؟

كالعادة في كل اجتماعٍ لها، تتأخر التحليلات المرتبطة بالاجتماع السنوي لمجموعة «بيلدربرغ»، والذي عقد هذا العام في فندق «مونترو بالاس» في سويسرا، خلال الفترة ما بين 30 أيار إلى 2 حزيران، بمشاركة قرابة 130 شخصية من 23 دولة. فما الذي ناقشته هذه المجموعة التي يرى البعض بأنها «المجموعة الأكثر سرية في العالم»؟

بدأت اجتماعات بيلدربرغ بالانعقاد مع بداية الحرب الباردة، وعُرفت سابقاً بكونها نادياً للنقاش بين القادة الأمريكيين والأوروبيين لمكافحة المدّ الشيوعي، وبشكل مباشر، عملت المجموعة على توحيد قواها ضد الاتحاد السوفييتي الذي خرج من الحرب العالمية الثانية منتصراً. عقد الاجتماع الأول للمجموعة في عام 1954 في فندق بيلدربرغ في مدينة أوستربيك الهولندية (وهو مصدر اسم المجموعة الذي استمر حتى الآن). ومنذ ذلك الحين تواصلت اجتماعاتها في أماكن مختلفة في الغرب، وعقد معظمها في أمريكا الشمالية.

«Chatham House»

بعد الولايات المتحدة، تحل سويسرا في المرتبة الثانية من حيث استضافتها لاجتماعات المجموعة وذلك في أعوام (1960، 1970، 1981، 1995، 2011، ومؤخراً في 2019).
وتعتبر المجموعة منظمة سرية تماماً، تختبئ غالباً تحت تعريفها الفضفاض لنفسها، بكونها «عبارة عن محادثات غير رسمية تتيح للمشاركين استخدام المعلومات التي يتلقونها بحرية». إلا أن للمجموعة قواعد تعرف باسم Chatham House تفرض على من يحضر اجتماعاتها ألا يكشف هوية المتحدثين وانتماءاتهم، فضلاً عن أنه خلال الاجتماعات لا يتم– حسب ما يقول منظمو الاجتماعات- التصويت وليس لها بيانات ختامية بعد الاجتماع.
هذه الصورة الفضفاضة، دفعت بالعديد من المحللين إلى ربط طبيعة الشخصيات التي تحضر الاجتماعات والعناوين المطروحة للنقاشات خلالها منذ انطلاقها، للخروج باستنتاج مفاده أن المجموعة تضمّ القوى المسيطرة في الغرب بغض النظر عن حضور هذه الشخصيات في المشهد السياسي والإعلامي من عدمه، إذ إنها تضم سياسيين ومصرفيين كبار ورجال أعمال وفنانين مؤثرين بالمعنى الدعائي، وعدداً من الصحفيين والشخصيات الأخرى التي تضاف إلى قائمة المدعوين لحضور الاجتماع حسب الضرورة. أما الحضور، فهو في الغالب من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ونادراً ما تتم استضافة شخصيات من خارج هذا النطاق.

ما هي نقاشات 2019؟

تشمل نقاط النقاش في اجتماع 2019 والتي قام الموقع الرسمي للمجموعة بنشرها 11 بنداً أساسياً. وهي، بحسب ترتيبها: بحث وضع إستراتيجي مستقر، ماذا بعد بالنسبة لأوروبا؟، تغيّر المناخ والاستدامة، الصين، روسيا، مستقبل الرأسمالية، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تسليح (Weaponisation) وسائل التواصل الاجتماعي، أهمية الفضاء، تهديدات الإنترنت.
وخلافاً للاجتماعات السابقة، حضر الاجتماع في هذه السنة العشرات من دول تركيا وبولندا وبلغاريا واستونيا، بالإضافة إلى وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، ومستشار الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنر. وبحسب ما «تسرّب» للإعلام، فقد أضيفت إلى جدول عمل الاجتماع نقطة تتعلق بالوضع التركي، وهي بالصياغة العامة لها «دفع تركيا نحو الناتو كبديل عن توجهها نحو منظمة شنغهاي للتعاون».

ما خرج للإعلام حتى الآن

نزر يسير جداً هو ما تم «تسريبه» للإعلام- حتى الآن- عن النقاشات التي دارت في الاجتماع، ولهذا السبب، سنعتمد على مقالات كتبها بعض ممن حضره. ذلك لا يعني بحال من الأحوال تبنينا لهذا الكلام، إنما هي بعض الإضاءات التي تحتاج تحليلاً معمقاً قد يكتمل بعد خروج معلومات أخرى.
بعد حضوره الاجتماع، كتب كبير المعلقين الاقتصاديين في صحيفة «فايننشال تايمز»، مارتن وولف، مقالاً أكد فيه: «خلّف زوال الاتحاد السوفييتي حفرة كبيرة. وكانت «الحرب على الإرهاب» بديلاً غير كافٍ. اليوم، تستوفي روسيا والصين كل ما هو مطلوب وضروري عالمياً. وبالنسبة للولايات المتحدة، يمكن للصين أن تكون العدو الإيديولوجي والعسكري والاقتصادي الذي تحتاجه. فهاهنا أخيراً خصم جدير بالاهتمام. كان هذا هو الاستنتاج الرئيس الذي استخلصته من اجتماعات بيلدربرغ لهذا العام. لقد أصبح التنافس الشامل مع الصين مبدأً تنظيمياً للسياسات الاقتصادية والخارجية والأمنية الأمريكية»، ويتابع وولف: «مزيج من المنافسة والتعاون هو الوسيلة الصحيحة للمضي قدماً. مثل هذا النهج لإدارة صعود الصين يجب أن يشمل التعاون الوثيق مع الحلفاء المتشابهين في التفكير ومعاملة الصين باحترام. المأساة فيما يحدث الآن هي أن الإدارة الأمريكية تشن في وقت واحد صراعاً مع الصين، وتهاجم حلفاءها، وتدمر مؤسسات النظام الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب. هجوم اليوم على الصين هو حرب خاطئة، تم خوضها بطريقة خاطئة، على المنطقة الخاطئة. مع الأسف، هذا هو المكان الذي نحن فيه الآن».

العلاقات الأوروبية الأمريكية، والأمريكية التركية

في المقابل، كتبت أستاذة الاقتصاد في جامعة كوش التركية، سيلفا ديميرالب، والتي حضرت الاجتماع أيضاً، أنه وخلافاً لجدول الأعمال: «لم تُناقش المشاكل الاقتصادية مباشرة في اجتماعات بيلدربرغ لهذا العام. لا شكَّ في أن الاقتصاديين فضَّلوا أن تتم مناقشة الأبعاد الاقتصادية للأحداث بشكل غير مباشر وبمزيد من التفصيل. ومع ذلك، فإنّ ما كان واضحاً هو ميل الولايات المتحدة لإعطاء الصدارة للمخاوف الإيديولوجية بدلاً من المخاوف الاقتصادية فيما يتعلق بتشكيل تحالف ضد الصين».
وتابعت ديميرالب: «نوقشت المخاوف المتعلقة بمستقبل الاتحاد الأوروبي... تم التعبير عن أن الاتحاد الأوروبي غير قادر على تقديم حلول فعالة لعدد من المشاكل... لوحظت خطوط الصدع في الاتحاد الأوروبي... ولوحظ وجود عدد كبير من ممثلي حزب الخضر في أوروبا خلال الاجتماع... وُضعت صورة متشائمة بشأن قضية تباطؤ الاقتصاد الأوروبي... ولوحظ أن هنالك فقداناً للمصداقية بين الحلفاء... وذُكر أيضاً أن إيطاليا على وجه الخصوص هي عامل خطر مهم... أكد الأوروبيون على ضرورة تجنب حرب باردة تكنولوجية مع الصين، وتم نقاش موضوع التكنولوجيا الفائقة... يبدو أن الجانب الأوروبي غير مرتاح إلى حد ما لموقف الولايات المتحدة تجاه الصين... ولم يُنظر للولايات المتحدة كحليف موثوق به بسبب تطبيقها التعريفات الجمركية على أوروبا... في موضوع الـS400 أكدت الولايات المتحدة أنها لن تقدم تنازلات... وقيل أنه إذا أصرت تركيا على شراء نظام الدفاع الصاروخي S400 من روسيا، فستكون هنالك العقوبات، لن يتم تقديم تنازلات إلى أنقرة، ستتم إزالة تركيا من عملية تصنيع F-35، وسيتم إنهاء دورها في سلسلة التوريد... وأُدين ضمنياً الدور الذي لعبه ترامب في تقريب تركيا من روسيا».
أما في النقطة المتعلقة بـ«مستقبل الرأسمالية»، فلم يرشح عن الاجتماع سوى تصريح واحد يتيم لمنظم الاجتماع، أندريه كودلسكي، والذي قال لصحيفة «24 هيرتز» السويسرية، إن «الحديث عن مستقبل الرأسمالية لا يعني أننا نعتبر ذلك النظام الوحيد الممكن».

معلومات إضافية

العدد رقم:
918
آخر تعديل على الإثنين, 17 حزيران/يونيو 2019 13:06