_
خطوة خطوة نحو انتصار الشعوب!
سعد صائب سعد صائب

خطوة خطوة نحو انتصار الشعوب!

تُظهرُ الأحداث المتعلقة بسورية، وبربطها بمجمل الملفات المتأزمة حول العالم، أنّ قرار ترامب في كانون الثاني من العام الماضي سحب قواته من سورية، لم يكن سوى إعادة تجميع وتوزيع للقوى ضمن سياق تصعيدي شامل على المستوى الدولي.

ويستطيع من يطرح الأمور بهذه الطريقة أن يأتي بأدلته وبراهينه؛ فترامب نفسه قد تراجع عملياً عن قراره على مراحل، بدأت بتحويل صيغة الانسحاب من الفوري والكامل إلى التدريجي، ومن ثم القول ببقاء 200 إلى 400 عسكري، وصولاً إلى عودة الروح إلى طروحات البقاء المشروط وطويل الأمد.
يستطيع من يقول بأن السياق العام ليس إلا سياقاً تصعيدياً ينتقل من عتبة إلى عتبة أعلى وأخطر يوماً بعد يوم، أنْ يستحضر عدداً من البراهين التي تكاد تكون بلا حصر؛ في سورية وحدها يمكن استحضار عشرات البراهين، من الحصار والعقوبات الاقتصادية، إلى توتير ملفات الشمال الشرقي وتوتير ملف إدلب عبر اعتداءات النصرة وحلفائها، وتعطيلهم المستمر لتنفيذ اتفاق سوتشي، وليس انتهاء بالتعقيدات التي يفرضها التشدد على ملف اللجنة الدستورية تحت عناوين وذرائع مختلفة.
والحقيقة، أننا لا نخالف وجهة النظر هذه من حيث توصيفها للوقائع، لكننا نخالفها في جوهر هذه الوقائع ومآلاتها...
التأرجح الأمريكي... هزيمة الفاشية
إنّ اعتبار قرار ترامب الانسحاب من سورية، وقراره غير المعلن قبل ذلك سحب يده من ملف الجنوب السوري، قرارات ناتجة عن «جنون» الرجل، أو ناتجة عن «عمالته» لروسيا كما يحلو للصحافة الأمريكية أن تقول، ليس أكثر من محاولة للقفز عن وقائع بارتفاع جبال بعصا الزانة؛ وقائع الأزمة الرأسمالية العميقة والشاملة، ونتيجتها المباشرة الظاهرة في التراجع والانقسام الأمريكي الداخلي بين خيارين إستراتيجيين: إما استكمال الحرب والتصعيد حتى الرمق الأخير رغم ما يحمله ذلك من مخاطر كبرى على العالم بأسره وعلى الولايات المتحدة نفسها، أو الإقرار بالتوازن الجديد وبالتالي سلوك طريق المفاوضات وصولاً إلى تقديم تنازلات كبرى لا مفر من تقديمها لإبعاد شبح الانهيار الشامل.
لطالما عبرت قاسيون عن هذا الانقسام بتوصيفه بأنه بين تيار فاشيٍ وآخر واقعي، وأكدت مراراً أنّ كلّاً منهما يحاول الاستفادة من الآخر، بل والتنسيق معه حتى على المستوى العملياتي حيث يلزم ذلك؛ فالفاشي، هو أداة الواقعي في التفاوض، بل وأداته في سبر الحدود التي يمكن الوصول إليها لتثبيتها على الطاولة. والواقعي بالمقابل هو: أداة الفاشي في تنظيم حربه بحيث يساعده في تخفيف الضغط عن خواصره الهشة، وتقليل حجم وقسوة الضربات التي يتلقاها، على أمل أن يأخذ وقتاً إضافياً يسمح له بتحويل حرائقه المحدودة والتي يجري تطويقها تباعاً، إلى حرائق ممتدة وشاملة وغير قابلة للتطويق.
بين هذا وذاك، يصبح مفهوماً بالمعنى العام التأرجح الأمريكي، ولكن ما ينبغي التأكيد عليه أيضاً، هو أن التأرجح إياه لا يجري حول نقاط ثابتة، بل على طول خط ميله العام هو نحو مزيد من ضعف الفاشي والواقعي كليهما! وجوهر ذلك هو: أنّ حجم التصعيد الذي وصل مرات عديدة خلال السنوات القليلة الماضية إلى تخوم حرب شاملة، لم يتمكن من بلوغها، رغم رغبة الفاشي بذلك، ولم يبلغها لسبب أساسي وجوهري، هو: أنّ توازن القوى الجديد قد بلغ من الرجحان ضد مصلحة الغرب حداً باتت معه احتمالات الحرب الشاملة (ولا نقصد بالضرورة حرباً نووية، بل حرباً على غرار ما يجري في ليبيا مثلاً ولكن بمقاييس عالمية) قليلة إلى حدود قريبة من الصفر!
هزيمة الفاشية... هزيمة الحرب
جرت- بعد قرار ترامب بالانسحاب العسكري من سورية- هجمة فاشية شرسة لتأريض إمكانات الحل، وللعودة بالأمور إلى المجرى التصعيدي، وجرى ذلك كما هو واضح على مختلف الصعد، وخاصة محاولات تفكيك أستانا، إلى جانب خطوات تخريبية في ساحات متعددة من العالم، من فنزويلا إلى الهند مروراً بإيران، وغيرها من الساحات. اليوم، ومع ثبات، بل وتعزز أستانا، تظهر إلى العلن نتائج الـ«خطوة خطوة» في تنفيذ اتفاق سوتشي وإنهاء النصرة، ويترافق ذلك مع اتصال هاتفي مطول بين بوتين وترامب بمبادرة من الأخير، وكذلك اللقاء المزمع عقده الثلاثاء القادم بين بوتين وبومبيو في سوتشي بعد ما يمكن وصفه بقطيعة شبه كاملة في العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين.
في توصيف هذا التأرجح الأمريكي، يمكن القول: إن هجمة الفاشية بعد قرار الانسحاب قد جرى تطويقها خلال الأشهر الستة الماضية، ونحن على وشك الهجوم المعاكس، الذي يتمثل بالمضي قدماً في اتفاقات سابقة، وإجراء تعديلات جديدة عليها تفرضها التراجعات الإضافية في المعسكر الغربي.
وبكلام أكثر وضوحاً، فإنّ الهجمة الفاشية التي أتينا على ذكرها، وإذ كانت تستهدف امتصاص احتمالات التهدئة، بل وإضافة توتر جديد يرفع التصعيد القائم أساساً وصولاً إلى تخوم الحرب، قد جرى تطويقها وخنفها إلى حد بعيد، وهذا الأمر لا يعني خسارة الفاشية جولة جديدة في الصراع فحسب، بل ويعني اقترابها من الهزيمة النهائية والخنق النهائي، ما يعني أيضاً، انخفاضاً إضافياً في احتمالات الحرب الشاملة.
هزيمة الحرب... انتصار القانون الدولي
إذا كانت هزيمة الفاشية لمصلحة الواقعية ضمن المعسكر الغربي، لا تعني إلّا انتصاراً محدوداً للواقعية الغربية نفسها، وضمن الإطار العام المتراجع للغرب بأسره، بفاشييه وواقعيّة، فإنّها تعني بالضرورة انتصاراً للتوازن الدولي الجديد، ولا نقول هنا: إنه انتصار للمعسكر الشرقي مقابل الغربي، مع أنه يمكن أن يقرأ كذلك من منظور «قومي- دولتي»، لأنّ انتصار التوازن الدولي الجديد في جوهره أعمق وأبعد من انتصار محور على محور، إنما هو انتصار لنمط جديد في العلاقات الدولية، قائم على التكافؤ وعلى احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى احترام سيادة الدول، وإنهاء سياسات البلطجة الغربية المستمرة منذ 500 عام.
انتصار القانون الدولي...
انتصار الشعوب
أبعد من ذلك، فإنّ انتصار القانون الدولي، وربما للمرة الأولى في التاريخ الحديث، لأنه كان موجوداً منذ نشأته كحبر على ورق، يحمل في طياته معاني أكثر بعداً وعمقاً من مجرد انتصار (القانون)؛ إنه في عمقه بداية لانتصار القانون الموضوعي للتطور البشري، وهذا أهمّ وأعلى من كل القوانين الوضعية على اختلافها، القانون الذي يقول: إن تطور البشرية، بل واستمرارها نفسه، بات رهناً بالقطيعة النهائية، لا مع شكل العلاقات الدولية القائم، بل مع جوهر تلك العلاقات، أي: مع العلاقات الرأسمالية ككل... هذه القطيعة بالذات هي انتصار الشعوب الحقيقي، والذي بات الأفق التاريخي مفتوحاً على اتساعه أمامه.

معلومات إضافية

العدد رقم:
913
آخر تعديل على الإثنين, 13 أيار 2019 08:19