_
من الإنكار إلى الوسواس القهري

من الإنكار إلى الوسواس القهري

تنطوي محاولات تفسير المواقف السياسية من باب نفسي على مخاطرة كبرى؛ فكما أنّ تفسير الظواهر الاجتماعية باستخدام الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات ليس من شأنه أن ينتج أية معرفة صلبة يمكن الاستناد إليها، ببساطة لأن العلوم الاجتماعية أكثر تعقيداً، فإنّ الأمر نفسه ينسحب على العلاقة بين علم النفس وعلم الاجتماع...

فهذا الأخير ورغم انتماء كليهما إلى حقل العلوم الاجتماعية إلى أنه أكثر تعقيداً من الأول، وبأقل الأحوال فهما علمان مختلفان يدرسان موضوعين مختلفين، يمكن لأحدهما أن يستفيد من الآخر ولكن بالتأكيد لا يمكن لأحدهما أن يستبدل الآخر.
نجد تقديم هذه المادة (ذات الفكرة الواحدة البسيطة) بهذه الطريقة ضرورياً لتجنب سوء الفهم، خاصة وأنّ إحدى أكبر كوارث «التحليل السياسي» المقدم على التلفزيونات هو سقوطه المتعمد أو غير المتعمد في مستنقع تحليلات سخيفة لسياسات بحجم دول وقارات، بل وعالم بأسره انطلاقاً من مزاج وأهواء ونفسية «الشخصيات الكبرى»... الأمثلة في هذا السياق لا تنتهي، ونومئ لها إيماءً فقط لأن الإيماء يسمح بفتح باب التداعي لدى القارئ، مثلاً: تحليل السياسات الأمريكية انطلاقاً من تحليل شخصية ترامب بوصفه رجل تجارة.
رغم إقرارنا، أو اعتقادنا كي لا يلومنا الشغوفون بعلم النفس، بأن علم النفس غير قادر على تحليل الشؤون السياسية، إلّا أنه نافع جداً في حالات خاصة، بل ولا يمكن الاستغناء عنه!
الحديث هو بالضبط عن «حالات سياسية»، و«قوى سياسية»، و«شخصيات سياسية»، هي بالضبط شخصيات فقط لا غير، فكم من «حزب» في الحالة السورية، قديم أو مسبق الصنع وظهر حديثاً، لا يضم في عضويته أكثر من عدد أصابع الكف الواحدة أو الاثنتين...
في حالات من هذا القبيل، ينفع بلا شك علم النفس. ولا ندّعي هنا معرفة عميقة بهذا العلم، بل مجرد اطلاع هواة بمقياس عشرات الكتب.
سبق أن وصف كتابٌ في «قاسيون»، وعلى صفحاتها منذ 2011، المعتقدين باستمرار سيادة أمريكا على العالم، بأنهم مصابون بالإنكار الفرويدي، وهو إحدى آليات الدفاع النفسي التي افترضها فرويد وقال بأنها إحدى سبل الفرد في مواجهة وقائع جديدة صادمة بالنسبة له وغير مستعد للتكيف والتماشي معها، فيلجأ إلى الهروب من الواقع وافتراض أن ما حدث لم يحدث محاولاً متابعة حياته الطبيعية، وقد يصل الأمر به حدوداً متطرفة كتلك الحالات التي يمكن أن نراها عند أمّ تفقد ابنها أو ابنتها، وتصاب بحالة من الذهول رافضة التصديق، ويمكن أن تستمر لفترة من الزمن بعاداتها في معاودة غرفة المفقود والتكلم إليه.. وإلخ وكأنه موجود حقاً...
ولكن استمرار بعض الشخصيات في تصوراتها ذاتها حول أمريكا وقدرتها على فعل ما تريد، وتحكمها بالمصائر والأقدار، وبعد ثماني سنوات من وقائع متدحرجة لا في سورية وحدها بل وفي العالم بأسره، ربما يحيل إلى تصور آخر حول طبيعة المشكلة التي تعانيها هذه الشخصيات؛ ربما هو الوسواس القهري، وهو أحد الاضطرابات السلوكية المرتبطة بالقلق، والتي يقوم المصاب بها بالإصرار على تكرار أفعال محددة رغم قناعته بعدم منطقيتها، أكثر الأشكال شهرة للوسواس القهري هو وسواس النظافة والقلق من الجراثيم والأمراض، ونراه بإصرار المصاب على غسل يديه بشكل متكرر وبكثافة قد تصل أحياناً حد إيذاء نفسه.
الوسواس القهري يحمل طابعاً إدمانياً، ولكن شكل الإدمان لا يكون بالضرورة حركياً، أي: فيزيائياً كما حالة وسواس النظافة وغسيل اليدين، بل يمكن له أن يكون وسواساً فكرياً، حيث يخلق المصاب مجموعة من التصورات غير الواقعية ويبدأ بالبناء عليها بناء منطقياً فعلاً أو يبدو له منطقياً، ولكنه بكل الأحوال مؤسس على تصوراته الوهمية.
ربما ينفع هذا التشخيص في مساعدة أولئك المصابين بوسواس عظمة أمريكا، وإذا أحسن علاجهم ربما يتحولون إلى كائنات مفيدة، ولذلك لا بد من المحاولة.
ملاحظة: كُتبت هذه المادة بعد قراءة مادة صحفية جديدة لمحمد سيد رصاص، (تزعزع ثالوث سوتشي، جريدة الحياة، 9 آذار 2019).

معلومات إضافية

العدد رقم:
904