_

الشعب يريد إسقاط الفساد

الكل يدّعي الملكية الحصرية للشعب السوري، ويغالي بأنه يمتلك الأكثرية الساحقة دون سواه ويزاود على غيره بأنه لا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار.. بين المعارضة والنظام...

وهنا يكون السؤال مشروعاً إذ نقول: هل حقاً إن غالبية الشعب السوري مع طرف ضد طرف آخر في هذا الصراع القائم..؟
إن أغلبية الشعب السوري استبشرت خيراً بالحركة الاحتجاجية السلمية المشروعة، الشعب السوري الذي ذاق الأمرين و وصلت به الحال حد الكفر والجحيم بسبب ممارسات قوى النهب والفساد الكبير التي حاصرته بالفقر والبطالة وتدني مستوى المعيشة وجنون الأسعار والضرائب المعلقة بفواتير الكهرباء والمياه، باختصار فقد عبثت أيادي الفاسدين الكبار -  في جهاز الدولة وفي المجتمع -  بكل تفاصيل حياة تلك الأغلبية، الصامتة، وهي صامتة لأنها كانت غير مفعّلة بمعنى التحرك تجاه مصالحها (الاقتصادية – الاجتماعية، الديموقراطية والوطنية حتى)، تلك الأكثرية التي زادت صمتاً وانكفأت جدياً عن الحراك الشعبي الوطني بعد ارتفاع منسوب الدم السوري بين العنف والعنف المضاد، بين التشبيح والتشبيح المضاد الذي لا يميّز بين صالح و طالح، وبين هذا وذاك ازدات حدة التوتر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وتدهور الوضع الاقتصادي بتسارع عال، تراجعت القوة الشرائية لليرة، الأسواق شهدت فلتاناً غير مسبوق بأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية للمواطن السوري ورافق كل ذلك فلتان أمني تجلى بانتشار حالات الجريمة والقتل والخطف والسرقة في عديد من المدن السورية حتى منها التي لم تشهد تصعيداً على صعيد التظاهر والمواجهات الأمنية.
بين المطرقة والسندان ما تزال أغلبية الشعب السوري، صامتة، قلقة، تنظر لمستقبل الوطن ومستقبلها بانتظار حل سياسي جذري، لأن هذه الغالبية تؤمن أن معركتها الأساسية والحقيقية هي ضد قوى الفساد والنهب المنظم لموارد الدولة والشعب، وأغلبية الشعب السوري تعلم يقيناً أن الفساد المتآمر عليها وعلى البلاد هو المسؤول عن تهيئة الارضية الخصبة لأي تدخل خارجي أياً كانت اشكاله ومسمياته..
 
الفساد ممرات عبور الغزاة
لا بدّ إذاً من العودة والانطلاق من المربع الوطني الأول للحراك الوطني السلمي، المربع الوطني الذي صاغته شعارات الحراك السلمي قبل أكثر من عام والذي يوحّد الشعب السوري على اختلاف مشاربه السياسية وتنوعها، المربع الوطني الحامل لكل المطالب الشعبية والقادر على إعادة تفعيل الشعب السوري كاملاً خارج إطار الثنائيات الوهمية التي يحاول أعداؤه زرعها في داخل نسيجه ( مؤيد – معارض ، سني – شيعي ، عربي – كردي ، ... الخ) والتي تهدف -  تلك الثنائيات الوهمية -  بشكل رئيسي إلى تمويه الصراع الأساسي في حياة الشعب السوري وحياة كل الشعوب، صراع ناهب -  منهوب، صراع إمبريالية -  شعوب، فالفساد المرتبط برأس المال العالمي موجود داخل جهاز الدولة، داخل المجتمع، وداخل أطياف واسعة من المعارضة، هذا الفساد الذي أكثر ما يخشاه هو المحاسبة والقصاص منه لذلك سعى جاهداً على مدى عمر الأزمة الوطنية إلى التسعير على الدم السوري وتصعيد العنف سواء أكان من خلال تصرفات من أجهزة الدولة والخطاب الرسمي إعلامياً واجتماعياً أو من خلال الخطاب السياسي للمعارضة وتصرفاتها على الأرض، لنصل اليوم إلى السيناريو الأخطر و هو إعادة صياغة التحالف بين الفاسدين في النظام وجهاز الدولة وبين الفاسدين في المعارضة عبر تجديد آلية النهب والفساد بتغيير الأدوار والأسماء والوجوه مع استمرار الاستغلال والقمع الحقيقي للمجتمع بآليات أخطر وأعقد، ولنا في «انشقاق» أفراد من جهاز كانوا حتى الزمن القريب جداً مفاصل حساسة في آلية الفساد في البلد مؤشر واضح على هذا السيناريو، ودخول الولايات المتحدة الأمريكية بالحل السياسي من خلال الأمم المتحدة مؤشر حاسم على هذا التحالف وإعادة اقتسام الكعكة السورية على حساب دم الشعب.

الخيار الوطني الموّحد
تحالفٌ بين الفساد القديم والجديد إذاً هذا الذي نشهده، آليات نهب جديدة عصرية مصبوغة بسمات ديموقراطية مفصّلة على مقاييس الرأسمالية للديموقراطية، وجوه جديدة، أسماء جديدة، والشعب نفسه والنهب ذاته والقمع سيزيد. تبدأ الصورة بالتوضح أكثر، الفساد وتفاعلاته هو الاختراق الأكبر والسكين المضروبة بظهر الوطن، النهب والاستغلال هو سبب تراكم الاحتقان وخلق خزانات الانفجار في المجتمع التي تخلق كل مفاعلات الجريمة والتخلف والأمراض الاجتماعية والتي تؤدي بالضرورة للفوضى الخلاقة ببعض المساعدة من «أصدقاء الشعوب المظلومة... أمريكا وأخواتها»، والقمع يكمّل المهمة  بالقضاء على كل فرص تصحيح الأخطاء والتغيير الجذري الوطني، تتكامل الصورة أمامنا نحن الشعب المدافع الأول والوحيد عن هذا البلد لأن حياتنا فيه وليس في أي مكان سواه فلا أموالنا في بنوك سويسرا ولا شركاتنا تجتاح العالم من أقصاه لأقصاه، نحن العمّال والموظفين والطلبة والحرفيين والفلاحين، مصيرنا هو مصير الوطن... والوطن للجميع والدين لله، نحن من يسموننا «الأغلبية الصامتة»، علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى النزول إلى كل الشوارع والساحات وخوض كل المعارك والسجالات وتجريب كل أساليب النضال الممكنة بمستوياتها المختلفة، وشعارنا الموَحَد الموَحِد
الشعب يريد إسقاط الفساد الكبير المتآمر على البلاد والعباد