الموضوعات.. ومقياس الأممية البروليتارية
طريف صالح طريف صالح

الموضوعات.. ومقياس الأممية البروليتارية

حاول مقال سابق حول الموضوعات مقاربة الثابت والمتغير في الماركسية اللينينية، والتحدث عن مقياس الموقف الطبقي، وسأحاول هنا مقاربة مقياس الأممية البروليتارية.

إذا كان المطلوب من المناضل الشيوعي ألا يكون مراقباً سلبياً لما يجري خارجاً عنه من أحداث وتطورات سياسية،  بل يجب عليه أن يكون مكافحاً نشيطاً مسلحاً بنظرية علمية ثورية لفهم الواقع وتغييره.. فانطلاقاً من ذلك، وإسقاطاً عليه نقول: لقد جاء في موضوعة الاشتراكية وأزمة الرأسمالية ما يلي:

1) إن الأزمة الحالية ليست مؤقتة أو عابرة، وليست جزئية وموضعية، بل هي أزمة عميقة متعلقة ببنية النظام الرأسمالي نفسه المنتج للأزمات.

2) ومن الممكن أن تتحول إلى أزمة نهائية إذا توفر العامل الذاتي للتعامل مع الظروف الموضوعية التي تنضج باتجاه انهيارها.

وتابعت الموضوعات واستنتجت أن الرأسمالية غير قادرة على الخروج من أزمتها الحالية بالطريقة السابقة نفسها، فـ«المعادلة اليوم تغيرت للأسباب التالية (1..، 2..، 3..، 4..، 5..).

إذاً ما مقياس الأممية البروليتارية اليوم؟

لقد برهنت الرأسمالية خلال كل المراحل الماضية على أنها غير قادرة على حل أية مسألة من المسائل الأساسية المطروحة أمام البشرية، بل على العكس، إنها باستمرارها في البحث عن مصالحها الضيقة، أوصلت هذه المسائل إلى طرق مسدودة، ويمثل مصطلح العولمة اليوم الذي تحاول الرأسمالية العالمية فرضه في التداول، إيهام الناس بأن سلطة الرأسمالية قدر لا مرد له.

والواقع، فإن الرأسمالية ليست ظاهرة موضوعية كما يحاولون الإدعاء، بل هي سياسة تمثل مصالح الأوساط الامبريالية في الظروف الجديدة، ظروف اشتداد وتوسع الطابع العالمي للعمليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لحظها البيان الشيوعي منذ ذلك الحين، ومن أجل مواجهة هذه المستجدات، ومن أجل الحفاظ على سلطة رأس المال العالمي، تستخدم الإمبريالية كل ما في جعبتها من وصفات ليبرالية جديدة ومالتوسية جديدة وثقافة عدمية جديدة.

إن ردنا على الرأسمالية المتوحشة (العولمة) معروف وقديم، وهو توطيد وتعزيز الأممية البروليتارية التي عبّر عنها الشعار الذي أطلقه البيان الشيوعي «يا عمال العالم اتحدوا»، تعبيراً عن ضرورة موضوعية لمواجهة سلطة الرأسمال العالمية، واليوم أصبح لهذه السلطة مراكزها العالمية وسياساتها وأدواتها التنفيذية، كما هو الحال في منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدولي.. ويصبح تجسيد هذا الشعار في الواقع العملي «يا عمال العالم ويا أيتها الشعوب المضطهدة اتحدوا».

لذلك من المهم اليوم تحديد مقياس الأممية البروليتارية، كي لا يبقى التضامن الأممي حبراً على ورق، وكلاماً لا علاقة له بالممارسة العملية.

إن موقفنا من أي كان يتحدد على أساس موقفه الفعلي من الامبريالية الأمريكية والصهيونية، ولا يتحدد على أساس اللافتة الإيديولوجية التي يرفعها هذا الفصيل أو ذاك.

فمن أجل كعكة من السلام المزعوم يستعد بعض المتمركسين لمصالحة الصهيونية، ومن أجل حفنة من التراب الذي هو حقنا التاريخي، يستعد بعض أدعياء القومية لمصالحة الصهيونية، ومن أجل غفوة من التعايش الوهمي بين الأديان، يستعد بعض المتأسلمين لمصالحة الصهيونية.. إن مهمتنا فضح هذه القوى وعزلها، وتوطيد التحالف مع القوى المناضلة الحقيقية ضد الصهيونية والامبريالية الأميركية. لقد صاغ الحزب الشيوعي السوري مواقفه كحزب من أحزاب الحركة الشيوعية العالمية، وكجزء من حركة التحرر الوطني العربية، انطلاقاً من موقفه الماركسي اللينيني. لقد صاغ المواقف وربطها عملياً في الممارسة بين عمليتي النضال الوطني والنضال الاجتماعي في ظروف بلادنا، هذه الظروف التي تتميز بتناقض مستعص بين بلداننا والرأسمالية العالمية، وأكد على أهمية الوجود المستقل للحركة الشيوعية كنواة من النواتات الهامة لحركة التحرر من أجل الحفاظ على سلامة توجهها واستمراريته.

إن أهم ما ميز الحزب تاريخياً هو الشجاعة السياسية في اللحظات الانعطافية التاريخية، حتى ولو أدت إلى السباحة ضد التيار العام، وذلك ليس من باب الرغبة في السباحة ضد التيار العام، وإنما انطلاقاً من فهم ضرورات الواقع، فالموقف الصحيح سياسياً يصاغ ليس من اعتبارات المزاج العفوي العابر، وليس على أساس الربح والخسارة المؤقتة العابرة.

لقد برهنت الحياة على إن الموقف المبدئي الصحيح، حتى ولو كان صعباً، هو الذي تكتب له الحياة، والأمثلة على ذلك كثيرة، فالموقف الرافض لحل الأحزاب الشيوعية في بلدان حركة التحرر، والموقف الرافض لفكرة التطور اللارأسمالي.. هذان الموقفان كلفاه غضب بعض الأوساط في الحركة الشيوعية العالمية.. كما نستذكر هنا الموقف المبكر المحذر من أخطار البيرويسترويكا.. وهذه الشواهد تؤكد على مبدئية الحزب واستقلاله وتميز الشيوعي الحقيقي عن مدعي الشيوعية.

إن مهمة دراسة التاريخ هي تحضير للمستقبل، ودراسة التاريخ يجب أن تستند إلى المنطق الطبقي البروليتاري في رؤية وتحليل الظواهر والحوادث الاجتماعية، هذا المنطق الذي هو المنطق العلمي الموضوعي الوحيد، هذا المنطق يسمح، وبحسب الحالة الملموسة التي هي قيد المعالجة، بتحديد أولويات المصالح التي يجب السعي إليها طبقية كانت أم وطنية أم إنسانية عامة.

آخر تعديل على الخميس, 22 كانون2/يناير 2015 17:32