حول «الهزيمة التاريخية للمرأة» وتشويه إنجلس باسم «الماركسية»
مارني هولبورو مارني هولبورو

حول «الهزيمة التاريخية للمرأة» وتشويه إنجلس باسم «الماركسية»

إحدى أطروحات إنجلس المهمّة في كتابه «أصل العائلة والدولة والملكية الخاصة» أن العائلة ومكانة المرأة فيها هي ظاهرة اجتماعية متغيّرة تاريخياً وتتخذ أشكالاً وعلاقاتٍ مختلفة في أنماط الإنتاج المختلفة. استمد إنجلس من النتائج التي توصل إليها مورغان حقيقة أن اضطهاد المرأة ظاهرة حديثة نسبياً بمقياس التاريخ الطويل للمجتمع البشري. ففي المجتمعات المشاعية القديمة، عندما كانت العائلة تعمل ضمن تجمّع عشائري جماعي، كان كلا الجنسين يعملان بالتعاون لإنتاج المواد الضرورية لبقائهما. وكان للمرأة دور كبير وقياديّ في الإنتاج المشاعي مما أعطاها صلاحيات اتخاذ القرار للمجتمع بأكمله.

تعريب وإعداد: د. أسامة دليقان

كتبت الباحثة الاشتراكية الإيرلندية مارني هولبورو مقالاً مطوّلاً في الأول من آذار الجاري في دوريّة «مونثلي ريفيو» بعنوان «إنجلس من أجل عصرنا: الجندر، إعادة الإنتاج الاجتماعي، والثورة». وفيما يلي نعرض تلخيصاً (بتصرّف) لبعض الملاحظات التي أوردتها الكاتبة في مقالها.
وصف إنجلس، بشكل أكثر وضوحاً من مورغان، أن الانتقال إلى المجتمع الطبقي هو الذي أدى إلى اضطهاد المرأة. وحدث بشكل متقطع على مدى طويل من الزمن التحول من مجتمعات الصيد والجمع والالتقاط، إلى تطور الزراعة، أيْ إلى إنتاج الغذاء بدلاً من جمعه - وهو ما يمكن تحديده اليوم كجزء من الانتقال من العصر الحجري القديم إلى العصر الحجري الحديث. حيث تزامنت هيمنة أشكال الإنتاج الجديدة، بما في ذلك تدجين الحيوانات واستخدام المحراث، مع مؤسسة الأسرة الأبوية وخط النسب الذكوري. لقد اعتمد تطور المجتمعات الطبقية على تنمية فائض يزيد عما هو مطلوب لتأمين العيش اليومي مما سمح بتطور التبادل البضاعي والإتجار بالفائض، الأمر الذي بدأ يعزل إدارة الأسرة عن إدارة مصادر هذه الثروة الجديدة، ولذلك فقدت مؤسسة الأسرة طابعها العام، وأصبحت خدمةً خاصة تستبعد المرأة من دورها السابق في الإنتاج الاجتماعي، واتخذ التقسيم الجنسي للعمل مذّاك شكلاً معادياً للمرأة فقدت فيه مكانتها السابقة. ومثّل هذا الانقلاب «الهزيمة التاريخية العالمية للجنس الأنثوي» بحسب تعبير إنجلس.

الفهم المادّي للتاريخ

في كتابه «الاشتراكية الطوباوية والعلمية»، شدّد إنجلس على أنّ «القوة المحركة العظيمة لكل الأحداث التاريخية» تكمن في «التطور الاقتصادي للمجتمع، وفي التغيرات في أنماط الإنتاج والتبادل». وقدّم عمل مورغان دليلاً على أن الرجال لم يهيمنوا دائماً على المجتمع، وأن المجتمعات، على مدى معظم تاريخ البشرية الذي يعود إلى 130 ألف عام، كانت مساواتيّة وأموميّة عموماً، وقائمة على التعاون - وبعبارة أخرى، كانت النقيض تماماً للفردانية والانقسام وعدم المساواة بين الجنسين التي بلغت ذروتها في الرأسمالية.
بالنسبة لإنجلس، كان تطوُّر الزراعة وتربية الماشية وصناعة المعادن والنسيج، جنباً إلى جنب مع تطور التجارة وتسليع المنتوجات، هو الذي أدى إلى السيطرة غير المتكافئة على الموارد. وبخلاف ما يزعمه بعض نقّاد إنجلس، فإن حجته لم تكمن في القول إنّ إدخال الهياكل الأبوية نتج عن «التطورات التكنولوجية» وحدها، رغم أنّ استخدام المحراث في الزراعة المكثفة في نهاية العصر الحجري الحديث، لعب دوراً في الاتجاه إلى استبعاد النساء، وخاصة في المراحل المتأخرة من الحمل أو بعد الولادة. ومع ذلك، أوضح إنجلس أنه كان هنالك تقسيمٌ جنسيٌّ للعمل في التشكيلة المشاعية أيضاً، ولكنه لم يكن بحد ذاته سبباً في عدم المساواة الاجتماعية، أمّا فيما بعد فقد ساهم بعدم المساواة بالفعل، ويرجع ذلك أساساً إلى انقطاع العمل المنزلي الأنثوي عن مصادر «فائض الإنتاج»؛ وهذه المقولة الاقتصادية-السياسية في غاية الأهمية لفهم الانتقال إلى المجتمع الطبقي. فلقد تمّ الاستيلاء على فائض الإنتاج وإدارته من قبل الأقلية كخطوة حاسمة عززت القهر المنهجي حسب الطبقة والجنس.
أثّر عمل إنجلس بقوة على كثير من الأبحاث الأنثروبولوجية في القرن العشرين أيضاً، ومنها بحث إليانور بيرك ليكوك المنشور عام 1987 في مجلة Current Anthropology «مكانة النساء في مجتمع المساواة: مضامين من أجل الارتقاء الاجتماعي». حيث تربط ليكوك خلقَ فائض الإنتاج بالتخصّص في العمل من أجل التجارة والحرب. فالتنافس بين مجموعات النَّسَب، والذي تبدأ فيه الأسرة الفردية كوحدة اقتصادية في التبلور، يؤدّي إلى إضفاء الطابع المؤسَّسي على الوظائف «السياسية» المرتبطة بالحرب والمُلكية كشيءٍ منفصلٍ عن الوظائف «الاجتماعية». وهكذا يحدث الانقسام بين المجالين «العامّ» و«الخاص» ومأسسة الهيمنة الذكورية.

تشويه إنجلس بسلخ قضية المرأة عن الإنتاج

لفتت الكاتبة هولبورو إلى أنّ «هناك مجالاً آخر للخلاف في عمل إنجلس، والذي يتعرّض أحياناً لانتقادات حادّة من النِّسويّات الماركسيّات، وهو فهمه للعلاقة بين الإنتاج (للمواد والسلع) والتكاثر (إعادة إنتاج البشر)» في مقدمة كتابه «أصل العائلة». وقبل الخوض في مقطع إنجلس موضع الانتقاد، يجدر بالتنويه هنا إلى أنّ مصطلح «النسويّات الماركسيّات» الذي استخدمته هولبورو، ولا سيّما في الغرب، لا يعني بالضرورة أنّهن «شيوعيّات» لأنّ كثيراً من الحركات النسويّة البرجوازية ترتدي ثوباً «يسارياً» أو «ماركسياً»، وخاصّة بعد التأثير الكبير لتمويل النخبة الرأسمالية العالمية لمشروع اختلاق «يسار بديل» في مواجهة الشيوعية وتفتيت نضال الطبقة العاملة وتشظيته إلى «قضايا» منفردة وحتى «متناحرة» ضمن ما أسمته الباحثة النسويّة الماركسية الإيرلندية ديانا أوديور بـ«الحركات الاجتماعية الجديدة».
في مقدمة الطبعة الأولى 1884 من «أصل العائلة» كتب إنجلس: «حسب المفهوم المادي، يشكل إنتاج وتجديد إنتاج الحياة المباشرة، في آخر تحليل، العاملَ الحاسم في التاريخ. ولكنه هو ذاته، مع ذلك، ذو طبيعة مزدوجة؛ فمن جهة، إنتاج وسائل الحياة: سلع التغذية، الألبسة، المسكن، والأدوات الضرورية لهذا، ومن جهة ثانية، إنتاج الإنسان نفسه، مواصلة النوع. وإنّ النظم الاجتماعية التي يعيش في ظلّها أهل عهد تاريخي معيّن وبلد معين يشترطها مظهرا الإنتاج: درجة تطور العمل من جهة، ودرجة تطور العائلة من جهة ثانية».
وأوضحت هولبورو بأنّ الطبيعة المزدوجة للإنتاج وإعادة الإنتاج التي أشار إليها إنجلس هنا لا تعني الحديث عن «مرحلتين مختلفتين» بل عمليّتين متداخلتين. ولفتت إلى أنّ بعض «التيارات النِّسوية الاشتراكية في السبعينيات» استندت إلى مقدمة إنجلس هذه على أنها مبرر لافتراض نظامين لاضطهاد المرأة: نمط الإنتاج من ناحية، والعمل المنزلي من ناحية أخرى، للتوصل إلى نتيجة بأنّ اضطهاد المرأة يعمل بشكل مستقل عن الاستغلال الطبقي.
واضح من نصّ إنجلس بأنّ العمليّتين «مظهران» للإنتاج الواحد نفسه الذي يشكل الأساس المشترك لهما، وتستشهد الكاتبة بـ فوجل وآخرين الذين انتقدوا افتراض بعض التيارات النِّسوية لهذين المظهرين «كنمطين مستقلين»، لأنّ افتراضهم ينطوي على إشكالية اعتبار الاضطهاد بين الجنسين ناشئاً عن سلطة أبوية متميزة اجتماعياً، ومستقلة نسبياً، وغير محددة غالباً داخل الرأسمالية، مما يمثل «تعايشاً غامضاً لتفسيرات منفصلة للتطور الاجتماعي» حيث تُفهم السلطة الأبوية تارةً على أنها «أيديولوجيا»، وطَوراً على أنها «قاعدة قمعية للجنس»، وثالثةً على أنها «بنية اجتماعية» منفصلة عن الأساس الاقتصادي، مما يغيّب أصولها الدقيقة.
[تعقيب المعرّب: نلاحظ أيضاً بأنّ هذا الفصل غير الديالكتيكي الذي اختلق هذه «المثنويّة» بالتفكير حول «الجندر» يميل إلى تصوّر لا تاريخيّ يثبّت الرجال والنساء في «الجنس البيولوجي»، كما لاحظت كاتبة المقالة، مما قد يفسر جزئياً اختيار النخب الإمبريالية العالمية لاستغلال «المثلية الجنسية» والمتاجرة بها كأحد محاور التفتيت، نظراً لإمكانية حملها على أساس «بيولوجي»، سواء الحقيقي منه أو المُفتَعَل/المُضَخَّم ثقافياً أو تربويّاً أو دوائياً أو جراحياً، لحرف البوصلة عن الأساس «الاقتصادي السياسي» الطبقي للمشكلات والأزمات الاجتماعية بما فيها الأزمة التاريخية للعلاقات بين الجنسين ومظلوميّة المرأة].

معلومات إضافية

العدد رقم:
1165
آخر تعديل على الإثنين, 11 آذار/مارس 2024 09:33