أليكساندرا إلباكيان منقذة الباحثين

أليكساندرا إلباكيان منقذة الباحثين

إذا أتممت درجة الماجستير أو الدكتوراه فيما قبل عصر الإنترنت، فإن الحصول على المراجع العلمية والأوراق البحثية المحكمة على وجه الخصوص كان يتطلب الذهاب إلى المكتبات العلمية وتصوير النشرات المطلوبة في حال سمحت لك إدارة المكتبة بذلك، وكانت الكثير من المكتبات تتبع سياسة لا تسمح لك بالتصوير، بل تسمح بنقل المعلومات بنسخها بخط اليد على قدر ما يسمح لك وقت دوام المكتبة، وهو نوع من التعذيب وتضييع الوقت إذ لا يملك طالب الدراسات العليا رفاهية وجود هذا الوقت الضائع، وتتضاعف الكارثة في حال عدم وجود المجلات المحكمة الضرورية في مكتبات الجامعات، وهو حال معظم دول العالم الثالث التي لا تستطيع دفع اشتراكات هذه المجلات أو أنها لا تصل لأسباب سياسية غالباً، وكان الطالب يضطر إلى مشقة البحث عن عنوان كاتب المقال ومراسلته عبر البريد العادي لطلب نسخة من الورقة البحثية، وقد يرد عليك الباحث كاتب المقال أو لا يرد وهو الغالب، (وقد عاصرت شخصياً هذه المرحلة القاسية).

وجاء عصر الإنترنت ليسهل الوصول إلى المعلومات العلمية نسبياً لكن موضوع حقوق النشر كان عائقاً أساسياً للوصول إلى الأوراق البحثية التي كانت مدفوعة على الغالب، وكان في دمشق مركز وحيد يؤمن هذه الخدمة في بدايات عهد الإنترنت ويضطر الطالب لدفع مبالغ كبيرة لحصول على نشرة أو اثنتين يدعم بهما بحثه.
لكن ملايين الباحثين الآخرين وفي غالبية أنحاء العالم كانوا يتبعون طرقاً أخرى للتحايل على هذه المعضلة عبر المنتديات التي يتم تبادل النشرات فيها بين الباحثين والطلاب بين من يملكون نسخاً من هذه النشرات ومن يرغبون بقراءتها، لكن هذا التبادل الرائج غير المشروع لم يكن ليحلّ إلا جزءاً من المشكلة، لتبقى العديد من النشرات الضرورية لإتمام البحث بعيدة عن متناول الباحث أو طالب الدراسات العليا.
وقد أتممت الدكتوراه في العام 2012 وفي نهايات هذه الفترة ظهرت بطلة تشبه «روبن هود الباحثين» المنقذة من أهوال البحث عن النشرات المدفوعة وهي أليكساندرا إلباكيان التي كانت بالنسبة لي ولطلابي من بعدي فرجاً كبيراً لمتابعة أحدث إنجازات العلم ومواكبتها، وليس الطلاب والباحثون في سورية استثناءً، بل هي المنقذ لملايين الطلاب حول العالم، عبر موقع Sci-hub (المشهور بشعار الغراب الذي يحمل المفتاح، والذي أضافت إليه لاحقاً المطرقة والمنجل)، الذي كان يتنقل بين المخدمات المختلفة ويتعرض للعقوبات من كل دول العالم ويتم حظره على الدوام، حتى أنّ الصحافة الصهيونية هاجمت موقعها واصفة إياه بالسرقة، واتهمتها مجلة نيتشر بأنها تهديد للعلم، إلى أن تم إنقاذ الموقع حيث تبنت المخدمات الروسية الموقع وأصبح الوصول إليه آمناً.

المبرمجة الكازاخستانية

جاء السادس من تشرين الثاني، ليذكرنا بميلاد للمبرمجة الكازاخستانية أليكساندرا إلباكيان Alexandra Elbakyan في العام 1988 صاحبة موقع Sci-hub الذي بدأ كأداة لتوفير الوصول السريع إلى المقالات من المجلات العلمية - مثل هذه المقالات هي الوسيلة الرئيسية لتوصيل المعرفة العلمية اليوم. حيث قام موقع Sci-Hub بتطوير قاعدة بيانات تضم 88,343,822 مقالة بحثية وكتاباً حتى يوم إعداد المقال- يمكن لأي شخص الوصول إليها مجّاناً لقراءتها وتنزيلها. في السابق، كانت هذه المعرفة متاحة فقط بأسعار مرتفعة لا يستطيع معظم الناس دفعها. لقد أحدث Sci-Hub ثورة في العلوم من خلال جعل جميع المعرفة المدفوعة مجانية، ويعتبر مشروع Sci-Hub هو المشروع الأكثر إثارة للجدل في العلوم الحديثة. حيث الهدف منه هو توفير الوصول المجاني وغير المقيد إلى جميع المعرفة العلمية. وتصل نسبة التنزيل إلى أكثر من نصف مليون ورقة يومياً...
لكن أليكساندرا إلبكيان «روبن هود العلم» لا تستطيع أن تسافر خارج بلدها لأنها مطلوبة من عدة دول على رأسها أمريكا، ومن حُسن حظها أنها تحظى بالرعاية الروسية، وتعرف إلبايكان مشروعها بأنه مشروع سياسي يكافح من أجل حرية الوصول إلى المعرفة كحق من حقوق الإنسان، وقد كتبت ألكسندرا إلباكيان في ورقة بحثية محكمة في العام 2020 عن مشروعها بعنوان «تكنولوجيا خارجة عن القانون لخلق حرية المعلومات في العلوم»: تتشابك الديمقراطية بقوة مع فكرة حرية المعلومات وحقوق الوصول إلى المعلومات. لكن اليوم، يُحرم معظم الأشخاص الذين يعيشون في البلدان الديمقراطية من حقهم في الوصول إلى المعلومات في مجال العلوم. تتمتع المجلات الأكاديمية بثمن باهظ بما يكفي لحظر تداولها الحر في المجتمع بشكل فعال، أو بعبارة أخرى، إخضاعها للرقابة. لقد وضعت تقنية فريدة من نوعها من كازاخستان، تم تطويرها في عام 2011، حداً للرقابة الأكاديمية من خلال فتح الوصول المجاني إلى عشرات الملايين من المجلات الأكاديمية. هذا هو موقع Sci-Hub الذي يضم 500000 قارئ فريد يومياً. معظم الناس في جميع أنحاء العالم يدعمون موقع Sci-Hub، لكن الموقع محظور في كل بلد.
لقد تمت مناقشة «الحق في الحصول على المعلومات» كثيراً في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من قبل الحكومات وحتى في الأمم المتحدة. في عام 2010 نشرت الأمم المتحدة تقريراً رائعاً بعنوان «حرية المعلومات: الحق في المعرفة» مع تحليل لحرية المعلومات في مختلف دول العالم. في الواقع، لا يذكر هذا التقرير شيئاً عن الحق في المعرفة على الإطلاق.
في الوقت نفسه، في 2008-2009 كنت طالبة وتعرفت على تقنية جديدة تسمى «واجهات الكمبيوتر الداخلية» التي يمكنها توصيل دماغك مباشرة بالكمبيوتر، مما يتيح لك التحكم في أزرار الماوس أو كتابة بعض النصوص من خلال التفكير في ذلك. أردت أن أخصص مشروع السنة النهائية في الجامعة لذلك.
بدأت العمل على شهادتي واكتشفت أن جميع المعلومات التي أحتاجها تم نشرها في المجلات الأكاديمية. لكنها كانت مدفوعة الأجر، لقراءة أي مقال في تلك المجلة عليك دفع حوالي 30 دولاراً من أجل الوصول لأنه تم حظره بوساطة نظام حظر الاشتراك غير المدفوع. كان علي أن أقرأ عنها 100 ورقة، وكان ذلك مبلغاً ضخماً بالنسبة لي في ذلك الوقت.
لذا قمت بالأمر بطريقة أخرى، بحثت في شبكة الإنترنت وأخيراً وجدت طريقة لسرقة هذه المقالات، للوصول إلى هذه المعلومات مجاناً. ثم خطرت لي فكرة لإنشاء تطبيق لسرقة هذه المقالات تلقائياً. يمكن تصميمها كنوع من شبكة P2P اللامركزية. في ذلك الوقت، كان eMule شائعاً، وهو شبكة لا مركزية. أنا استخدمت eMule لتنزيل الكثير من قضايا العلوم والأفلام الوثائقية المجانية. ويمكن القيام بشيء مماثل للباحثين. من خلال اشتراكات بعض الأشخاص في المجلات التي تشترك بها الجامعات، لذا، أثناء تواجد الأشخاص في الجامعة، يتمتع البرنامج بإمكانية الوصول مجاناً إلى المجلات. وبوجود أشخاص أخرين هم خارج الأوساط الأكاديمية أو جامعتهم ليس لديها الاشتراك في تلك المجلة. يطلقون التطبيق، ثم يتم تنزيل المقال مجاناً بوساطة بعض أجهزة الكمبيوتر الموجودة في الجامعة. بدأت مناقشة الفكرة مع الهاكر في المنتديات، لكنها لم تثر الكثير من الاهتمام.
في عام 2011 كنت مبرمجة ويب وعضواً في مختلف المنتديات عبر الإنترنت حيث يجتمع العلماء معاً. المنتديات أكثر ديمقراطية ولامركزية من الشبكات الاجتماعية اليوم حيث كل منتدى يعمل على خادم منفصل. لقد كنت عضواً في منتدى البيولوجيا الجزيئية، لكن الموضوع الأكثر شعبية لم يكن علم الأحياء، بل كيف نفعل ذلك؟ ما هي كيفية الحصول على المعلومات من هذه المجلات البحثية؟ وكانت نفس المشكلة التي واجهتها أثناء العمل على شهادتي.
استغرق الأمر حوالي ثلاثة أيام لترميز وبدء هذا المشروع. لقد بدأت الموقع في 5 أيلول 2011 ونشرت إعلاناً في منتدى البيولوجيا الجزيئية قائلة إنه الآن هناك «خدمة للوصول إلى الأدبيات البحثية» التي يمكنها تنزيل المجلات العلمية تلقائياً. كان الناس يرقصون من السعادة يشكرونني ويثنون علي. لم يقل أحد أن هذه سرقة أو خرقاً للقانون.
اكتسبت الخدمة على الفور شعبية كبيرة في مجتمع العلوم الروسي، وفي غيرها من الدول، الهند والصين وإيران وغيرها. هناك كان هناك طوفان هائل من المستخدمين من هذه المواقع.
قال المستخدمون من إيران إن بلادهم تحت العقوبات، لذا لا يمكنهم حتى شراء الاشتراكات في هذه المجلات بشكل قانوني.

1148-7

الوصول المحظور إلى العلم

بدأت Sci-Hub في عام 2011، ولكن تمت مناقشة مشكلة الوصول المحظور إلى المجلات البحثية قبل ذلك بكثير، منذ التسعينيات. أول شخص عبر عن هذه القضية كان الفيزيائي بول جينسبارج. في مقابلته مع مجلة التايم قال إن الناشرين الأكاديميين يديرون أعمالًا تجارية غير شريفة، فإنها تجمع أرباحاً ضخمة وتحد من الوصول إلى المعلومات، وقال بأنه سيكون سعيداً إذا رأى انهيار هذا النظام.
في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أثارت هذه القضية نقاشاً نشطاً للغاية بين العلماء. ظهرت مجلة اسمها PLoS، أنشأها عالم الأحياء مايكل آيزن، وهارولد فارموس الحائز على جائزة نوبل، وباتريك براون، عالم الكيمياء الحيوية. نشر مايكل آيزن رسالة مفتوحة يدعو فيها العلماء إلى رفض الناشرين الذين يستخدمون نموذج حظر الاشتراك غير المدفوع، وحصلت الرسالة على ~ 34000 توقيع من 180 دولة. وولدت حركة العلم المفتوح.
كان هناك العديد من المقاطعات وغيرها من الأحداث، تم تنظيم مقاطعة واحدة ضد النظام بوساطة عالم الرياضيات الشهير تيموثي جاورز في عام 2012 ضد الناشر العلمي Elsevier. جمعت رسالة تيموثي جاورز ما يقرب من 17000 توقيع.
وفقا للقانون الحالي، العلم في المجلات هو «ملكية فكرية» للناشرين. ومن هنا فإن ما يفعله Sci-Hub يكاد يكون كذلك مساوياُ للسرقة - وتسمى «القرصنة» – وهذه القوانين تعمل في جميع دول العالم. إن الوصول إلى المعرفة العلمية أمر غير قانوني في جميع دول العالم اليوم.
تتم مقاضاة Sci-Hub باستمرار، وكانت الدعوى الأولى جاء من Elsevier وناشرين آخرين في عام 2015. ونتيجة لذلك، فرضت محكمة أمريكية غرامة على Sci-Hub تقدر ب 15 مليون دولار وأصبح Sci-Hub محظوراً قانونياً في الولايات المتحدة، وحدث ذلك بغض النظر
الرأي العام الذي كان تماماً إلى جانب Sci-Hub وداعماً للوصول المجاني إلى المعلومات العلمية. وتم الإعلان عن مشروع تجريم الموقع في فرنسا وإيطاليا والسويد.

الحق في المعرفة حرية الوصول إلى المعلومات

دعونا نعود إلى وثيقة الأمم المتحدة التي ناقشناها فيها البداية «الحق في المعرفة، حرية الوصول إلى المعلومات» . في هذا التقرير لا شيء يذكر حول مشكلة الوصول إلى المعلومات العلمية،
التقرير يذكر فقط الحريات الصحفية، ولكن هذا هو الحال قضية مهمة مثل الوصول إلى المجلات العلمية غابت تماما هنا. لماذا؟ تقييد الوصول إلى المجلات العلمية هو شكل واضح من أشكال الرقابة ومع ذلك، لا يتم فرض هذه الرقابة بشكل مباشر من قبل الحكومة، ولكن من خلال بعض الآلات الرأسمالية - ويمكن أن يكون السبب وراء ذلك أن تبقى القضية في بعض النقاط العمياء ولا يتم الاعتراف بها كما هي، وهي الحد من حرية الوصول إلى المعلومات والرقابة.
تقول أليكساندرا إلباكيان، يجب أن يكون العلم مفتوحاً طالما أن الشيوعية والتواصل كلمتان من جذر واحد (في اللغات اللاتينية).
انتقلت أليكساندرا إلى روسيا وفي عام 2012، وبدأت برنامج الماجستير في الإدارة العامة أو الحوكمة في جامعة HSE في موسكو. وفي عام 2017، بدأت أليكساندرا إلباكيان برنامج الماجستير في اللغويات في جامعة ولاية سان بطرسبرغ، في اختصاص لغات الكتاب المقدس، وبذلك تمكنت من دراسة الاتصالات والأديان. تخرجت في عام 2019 وحصلت على درجة الماجستير في اللغويات.
تقوم اليوم بإعداد درجة الدكتوراه في معهد الفلسفة التابع لأكاديمية العلوم الروسية. وتدرس نظرية المعرفة وتريد أن تثبت أن المعرفة يجب أن تكون مفتوحة.

كتبت أليكساندرا إلباكيان تحت عنوان «الشيوعية» : يعد النظام الحالي لإنتاج المعرفة في العلوم مثالاً كلاسيكياً للنظام الرأسمالي الفاشل. يتم استغلال الباحثين، ولا يحصلون على أموال مقابل عملهم، المعرفة التي ينتجونها في شكل أوراق بحثية، ليست ملكهم. وهي لا تخص الناس أيضاً. وبدلاً من ذلك، أصبحت المعرفة العلمية اليوم ملكية خاصة لعدد قليل من الشركات القوية، التي تجني منها مبالغ ضخمة. ولا يشكل هذا النظام عائقاً أمام التقدم فحسب، بل إنه يخلق أيضاً مسافات شاسعة بين الأغنياء والفقراء، حيث يُمنع الفقراء من الوصول إلى المعرفة. وهذا يشمل مجالات مهمة مثل الطب والرعاية الصحية.
كل هذا أصبح ممكناً بفضل المفهوم الخاطئ للملكية الفكرية.
فالملكية الفكرية لا تؤدي إلى الظلم فحسب، بل إنها تتناقض مع نفسها أيضا. الوحدة الأساسية للمعرفة العلمية هي النشر في مجلة أكاديمية. لكن المجلات هي في الأساس أدوات للتواصل، فهي موجودة للتواصل أو لجعل الأمور مشتركة. المعرفة والتواصل لا ينفصلان. ومن ثم فإن الشيوعية هي الجوهر الحقيقي للعلم والمعلومات والمعرفة.
فكرة أن الذكاء مرتبط بطبيعته بالتواصل، تم إثباتها أيضاً من خلال بنية الدماغ، الدماغ هو في الأساس شبكة من مليارات الخلايا العصبية التي تتواصل فيما بينها.
كما حدد عالم الاجتماع روبرت ميرتون الشيوعية كواحدة من القيم الأخلاقية الأساسية في العلوم. وليس من قبيل الصدفة أن الاتحاد السوفييتي، أول دولة شيوعية، كان يقوم على العلم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1148