مِن تاريخ عِلم الكمبيوتر السوفييتي – (2) طور التراجع
د. سيرغي غرينياييف د. سيرغي غرينياييف

مِن تاريخ عِلم الكمبيوتر السوفييتي – (2) طور التراجع

«مع نهاية الستينات، اتخذت القيادة السوفييتيّة قرارات ذات عواقب وخيمة: استبدال جميع تطويرات الكمبيوتر السوفييتية المختلطة من المستوى المتوسط، بعائلةٍ أخرى من الكمبيوترات المستندة إلى بنية IBM 360 الأمريكية... وبسبب سياسات الدوائر الروسية الحاكمة تحت تأثير الغرب آنذاك، والتي استهدفت تدمير العلوم المحلية، توقَّف (أوائلَ التسعينات) تمويلُ مشروعِ الكمبيوتر الفائق Elbrus، واضطرّ مُختَرِعُهُ العبقريّ فلاديمير بنتكوفسكي للهجرة إلى الولايات المتحدة، حيث أصبح كبير المصمِّمين لدى شركة Intel الأمريكية. وتحت قيادته، عام 1993، طوَّرَت «إنتل» معالج «بنتيوم» الذي يُقالُ بأنّهم أطلقوا عليه هذا الاسم تكريماً لبنتكوفسكي» – لا عجب بأن الدكتورّ غرينياييف مؤلِّفَ هذا المقال (الذي نشرنا جزْأَه الأول في العدد السابق من «قاسيون») أدرَجَ النصّ أعلاه تحت فقرة فرعيّة بعنوان: «الخيانة».

ترجمة وإعداد: د. أسامة دليقان

بداية النهاية

مرّ تطوير علوم الكمبيوتر السوفييتية بفترة ثانية حاسمة «طُلِبَ فيها من الجميع نسخ التكنولوجيا الأمريكية، وليست تلك الأكثر كمالاً منها حتى!»، وفقاً لعضو أكاديمية العلوم الروسية، بوريس أرتاشيس بابايان.
مع ذلك لا أعتقد أبداً أنّ طواقم التطوير لدينا كانوا سيّئين. بل تعاملوا مع المهمّة ببراعة لا تقلّ عن براعة نظرائهم الغربيين، وأنشأوا كمبيوترات عمليّة تماماً... أمّا الخطأ فكان يمكن بالضبط في تركيز الصناعة بأكملها على تقليد الغرب بدلاً من تطوير التقنيات المحلّية الأصلية.
مِن غير المعروف بالضبط مَن (في قيادة البلاد) هو الذي اتخذ القرار الإجرامي بتدمير تطويرات الإلكترونيات المحلية الأصلية، والاستعاضة عنها بتقليد الغرب. لا أجد أية أسباب موضوعية لمثل هذا القرار المؤسف.
منذ أوائل السبعينات، بدأتْ تتدهور عملية تطوير التكنولوجيا السوفييتية للكمبيوتر الصغير والمتوسط. وبدلاً من تطوير مفاهيم الكمبيوتر واختبارها، أخذت القوة الهائلة لمعاهد تكنولوجيا الكمبيوتر في البلاد بالانخراط في «الغباء» والنَّسْخ شبه القانوني للكمبيوترات الغربية. وإبّان الحرب الباردة حُظِرَ قانونياً تصديرُ معظم التقنيّات الغربية الحديثة (و الكمبيوتر ضمناً) إلى الاتحاد السوفييتي.
لنقرأ شهادةً أخرى من بابايان: «كان ثمّة أملٌ بازدهار تكنولوجيا الكمبيوتر وصيانتها. بالطبع لم يحدث ذلك. فبعد تجميع كل شيء معاً في مكان واحد، انتهى الابتكار. انتهى العقل وبدأ يجفّ العمل الإبداعي تماماً. كان مطلوباً فقط تَخمينُ كيفَ تَصنع أجهزة كمبيوتر غربيّة، وفي الواقع قديمة! لم يكن المستوى المتقدِّم من التطورات معروفاً، كان الأمل هو أنْ تعمل البرمجيّات... لكن سرعان ما تبيَّنَ أنها غير متلائمة، فالقطع المسروقة لم تتناسب مع بعضها... كان لا بد من إعادة كتابة كل شيء، وما حَصلتُ عليه كان قديماً، وعَمِل بشكلٍ سيّئ. لقد كان فشلاً ذريعاً...».
ويتابع «من الممكن الحصول على طوبولوجيا الدوائر الإلكترونية ونسخها لمعرفة جميع معلّماتها. ومع ذلك، لم يقدِّم هذا إجابةً عن السؤال الرئيس: كيف نصنعها؟! وفقاً لأحد الخبراء الروس، الذي عمل آنذاك مديراً تنفيذياً لمنظمة غير حكومية كبيرة، كانت ميزة الأمريكيين دائماً استثمارات ضخمة بالهندسة الإلكترونية، وكانت ولا تزال سرّية تماماً. كانت الرقائق الدقيقة السوفييتية في أوائل السبعينات مشابهة وظيفياً لنظيرتها الأمريكية، لكنها لم تَرقَ إليها بالمعايير الفنّية. ورغم الحصول على الرسوم الطوبولوجية الأمريكية، كنتَ تضطرُّ إلى إنشاء الرسوم الخاصة بك لأنّ مكوناتنا في العمل كانت فاشلة».
ثمّة اعتقادٌ بأنّ الكمبيوتر السوفييتي من طراز BESM-6(طوَّرَه ليبيديف– راجع الجزء الأول من المقال) كان آخرَ جهازِ كمبيوتر سوفييتيّ أصليّ يضاهي بتصميمه نظيرَهُ الغربي. لكنّ هذا ليس صحيحاً تماماً، فبعد الطراز المذكور صُنِعَتْ في الاتحاد السوفييتي سلسلةٌ من كمبيوترات الطراز Elbrus وتم تزويد أول إصدار لها Elbrus-B بنسخة إلكترونية دقيقة من BESM-6.
واصل موظّفو فريق ف. س. بورتسيف العمل على سلسلة Elbrus، وفي 1980 افتتح خط إنتاج للكمبيوتر Elbrus-1 بسرعة أقصاها 15 مليون عملية/الثانية، وبتصميم متعدد المعالِجات، مع ذاكرة مشتركة، وتنفيذ برمجة آمن ومعالج فائق، ونظام تشغيل فردي للأنظمة متعددة المعالجات (وكلّها ميزاتٌ ظهرت في Elbrus قبل تاريخ ظهورها في الغرب). وعام 1985 تم إكمال الطراز التالي Elbrus-2 بسرعة 125 مليون عملية/الثانية. وكان من استخداماتها المهمة معالجة بيانات الرادار، والعديد منها أيضاً لا تزال في الخدمة، بالدفاع الصاروخي وقوات الفضاء [نذكّر القارئ بأنّ المقال مكتوب عام 2012 – المُعرِّب].
من سمات «Elbrus» المثيرة للاهتمام، أنّ برنامج النظام تم تطويره بلغة El - 76 عالية المستوى. منذ 1990، صدر أيضاً «Elbrus 3-1» بأربع نسخ، وأداء 500 مليون عملية/الثانية، بهدف حل التحديات العلمية والاقتصادية الكبيرة، بما فيها نمذجة العمليات الفيزيائية.
منذ 1975 بدأ العلماء السوفييت يطورون كمبيوترات عملاقة مثل PS-2000، بسرعة 200 مليون عملية/ثانية، والتي تفوقت على منافساتها الأجنبية بكثير من الجوانب، وبتكلفة أرخص بكثير (10 ملايين روبل فقط لتطويرها). وبدأ إنتاجها الصناعي عام 1980، بنطاق تطبيقات واسع، يشمل الدفاع الصاروخي ومعالجة البيانات الفضائية.

كارثة عِلمية

مرّ العِلم الروسي بأوقات عصيبة بعد 1991، إذ مارست الحكومة الروسية الجديدة آنذاك تدمير العِلم والتقنيات الأصلية، وأوقفت تمويل معظم المشاريع البحثية، وبسبب تفكك الاتحاد انقطعت العلاقة بين الشركات المصنّعة لأجهزة الكمبيوتر المتوزعة في الجمهوريات السوفييتية السابقة. واضطر العديد من مطوِّري علوم الكمبيوتر للعمل بمهنة أخرى. في فترة ما، كان يوجد جهازٌ واحدٌ فقط مُتبقٍّ من كمبيوتر الطراز Elbrus3 من الحقبة السوفييتية، وكان أسرع بمرّتين حتى مِن أكفأ كمبيوتر أمريكي معاصرٍ له آنذاك (وهو الكمبيوتر Y-MP من شركة Cray Research الأمريكية). فماذا حلّ بذاك الجهاز السوفييتي؟ تمّ تفكيكه عام 1994 وهَرْسُهُ تحت مكبس التخلّص من الخردوات!

عَقلٌ سوفييتيّ داخِلَ مُعالِجٍ أمريكيّ

ختاماً، نعرض فيما يلي سيرة مختصرة للعالِم الذي ذكره الكاتب د. غرينياييف في بداية المقال، بعد أن دمجنا معلوماته مع ما ورد في موسوعة «ويكيبيديا».
عالِم الكمبيوتر السوفييتيّ فلاديمير مستيسلافوفيتش بنتكوفسكي (بالروسية: Владимир Мстиславович Пентковский) – وُلدَ في 18 آذار 1946، في موسكو، لأبٍ كان بدوره عالِمَ رياضيات وفيزياء من الجيل السوفييتي الأول (1911 – 1968).
الابن خريج معهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا (1970)، دكتوراه بالعلوم، حائز على أعلى جائزة دولة بالاتحاد السوفييتي (1987). من 1970 إلى 1992، عمل في «معهد ليبيديف للميكانيك الدقيق وهندسة الكمبيوتر». ويعدّ رائد تصميم حواسيب Elbrus السوفييتية العملاقة ومبتكر لغة البرمجة عالية المستوى El-76. بعد انتهائه من التصميم المنطقي لمعالج El-90 بحلول 1987، والذي تم إطلاق نموذجه الأولي عام 1990، بدأ بتصميم معالج El-91C الدقيق، ولكن للأسف لم يكمله بسبب إغلاق المشروع عند تفكك الاتحاد السوفييتي والاضطراب السياسي والاقتصادي المرافق، ليهاجر بعدها إلى الولايات المتحدة، حيث عمل في شركة Intel منذ 1993 وترقّى بسرعة لمنصب كبير مصمِّميها، قائداً الفريق الذي طوّر بنية معالجPentium III (الذي سمّي هكذا تكريماً له). عام 1995 قدّمت Intel معالجاً أفضل هو Pentium Pro، والذي بقي مع ذلك قريباً جداً من قدرات المعالج الروسي الصغير El 90 العائد للعام 1990.
بعد العام 2000، قدّم بنتكوفسكي من جديد خدمةً لبلده روسيا عبر قيادته فريقاً لتطوير وحدة المعالجة المركزية الروسية في بنية جديدة لمعالج Vector Instruction Pointer (أو VIP).
عام 2010، وبقيادة بنتكوفسكي، فازت شركة إنتل الأمريكية ومعهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا (MIPT) بشكل مشترك في مسابقة مقترحات الجامعات لإطلاق مبادرات بحثية بمشاركة علماء دوليين بارزين، برعاية وزارة التعليم والعلوم الروسية وبمنحة 150 مليون روبل، أثمرت بمختبر هندسة وبرمجيات، موجَّه خصوصاً لحلّ المسائل المعلوماتية- البيولوجية وتصميم الأدوية والمستحضرات الصيدلانية. بعدها بسنتين توفّي بنتكوفسكي بشكلٍ مفاجئ في 24 كانون الأول عام 2012 عن عمر 66 عاماً، في مقرّ إقامته (كاليفورنيا، الولايات المتحدة).
وهكذا، قد يكون معالجُ الكمبيوتر الذي تَقْرأُ عَلى شاشته هذا المقال الآن هو نتاج تطوير عقل هذا العالِم الذي أنتجَهُ اتحاد الجمهوريّات الاشتراكية السوفييتية.

من تاريخ عِلم الكمبيوتر السوفييتي – (1) طور الصعود

معلومات إضافية

العدد رقم:
1017