_
عن وحدة النظرية والممارسة: الجديد التاريخي والحمل الليبرالي
محمد المعوش محمد المعوش

عن وحدة النظرية والممارسة: الجديد التاريخي والحمل الليبرالي

يُخاض الصراع حسب الرؤية السياسية والاقتصادية- الاجتماعية للمرحلة التاريخية وتناقضاتها (البرنامج العام الناتج عن الرؤية وما تحتاجه تناقضات الواقع من حلّ)، وأخذاً بعين الاعتبار الرؤية الخاصة حول أدوات التغيير(أحزاب وقوى سياسية وتكتيكاتها) وموقعها في الصراع. وهذا الجانب الممارسي من النظرية يستند إلى الإرث التاريخي للحركة الثورية، ولكن يحتاج إلى الارتكاز على المرحلة التاريخية وتناقضاتها في آن، أي جديدها التاريخي، أي خصائص البنية الطبقية والفكرية والسياسية في المرحلة الخاصة، وشروط الصراع في الزمان والمكان. هنا بالتحديد تُشكّل دروس الحركة الشعبية المصدر العملي الغنيّ لهكذا رؤية خاصة حول الأدوات وموقعها، فالدروس هذه هي من الغنى بأضعاف أضعاف ما قد يحمله التراث النظري والتاريخي وحده. هذه الدروس التي يجب أن يتم تعميمها نظرياً لكي تُشكّل من جديد نقطة انطلاق الممارسة وإغناء النظرية الممارسية.

العفوية بعيداً عن التسلسل الزمني الميكانيكي لتطوّر الحركة

اعتُبِرَت الموجة الأولى من الحركة الشعبية في العالم العربي (كجزء من عودة الحركة الشعبية في العالم إلى المشهد التاريخي)، والمتصاعدة منذ حوالي عشر سنوات، كموجة عفويّة سياسياً وتنظيمياً، ولهذا مثلاً كان مصيرها الذي شهدناه من جرّها إلى العنف والعسكرة والقمع والتشويش والحرف والتقسيم. واعتبر أيضاً أن من شروط هذا التطوير هو رفع المستوى السياسي للحركة، ورفع تنظيمها، وحملها للبرنامج العام للتغيير.
ولكن السؤال الممارسي بامتياز هو الجوانب الجديدة من هذا التطوير السياسي والتنظيمي للحركة، والتي تضاف إلى الدروس الثابتة من تاريخ الحركة الثورية للشعوب؟
وهنا يبرز دور تضمين الجديد التاريخي في الإجابة المطلوبة عن السؤال أعلاه، الذي حمله التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للعالم خلال العقود الماضية في المرحلة الليبرالية، وخصوصية هذا التطور في دول الأطراف التي هي الحقل الخاص من ممارستنا النظرية والعملية. وفي هذا المستوى الممارسي بالذات تنصهر كلُّ التحليلات النظريّة المتفرقة التي طالت الجديد التاريخي وتناقضاته.

التناقض الذي حمله تقدّم الوعي السياسي: الليبرالية الموروثة كحمل ثقيل

نحتاج هنا أن نعيد إبراز التحليل الذي كثيراً ما مررنا عليه سابقاً لضرورة ربطه في سياق هذه المادة. كان للتنازل الذي قامت به الرأسمالية في منتصف القرن الماضي، أي الرشوة التاريخية للقوى الشعبية، دورٌ أساس في تقدم أدوات جديدة للهيمنة. وأدوات الهيمنة هذه حكمها منطق واحد هو: استيعاب الحركة الشعبية بعد أن دخلت مسرح التاريخ في النصف الأول من القرن الماضي. واستيعابها كان عبر عدة ممارسات: ضرب الوعي السياسي عبر تعميمه وتحويله لصالح الهيمنة، بعد أن أصبح إلغاؤه صعباً، أي استحالة إخراج القوى من مسرح التاريخ التي دخلته في نصف القرن الأول. فكان مطلوب تعطيلها وهي على هذا المسرح بالذات، أي تعطيل قدرة الشعوب. تعميم الخطاب السياسي جاء لتشويهه، أي ما سماه مهدي عامل في آخر أوراقه بـالفكر اليومي. هذا الجانب جعل حضور الفكر السياسي عامّاً في المجتمع، أي أصبح أغلب الأفراد «يتعاطون في السياسة»، كانوا ضمن أحزاب أم لا. وطبعاً، بالرغم من المضمون التقدمي التاريخي لهذا الجانب، حمل هذا التعميم خطراً فعلياً في تحويل القوى الشعبية إلى حوامل مادية لمنطلقات الفكر السياسي للبورجوازية. أي وضعها في مواجهة منطلقات الفكر الماركسي اللينيني كأرقى منصة وصلها تطور الفكر الثوري في التاريخ.
وتطلَّبت هذه الخطوة تعظيم دور أدوات الهيمنة على الوعي كالإعلام والتعليم والسينما (مثال برامج الحوار السياسي، والأفلام وما تحمله من مضمون سياسي ظاهر وضمني خفيّ، والبحث العلمي ومنتجه..) الذي تضخَّم بشكل كبير وصار جهازاً عالمياً يوازي الجهاز العسكري للإمبريالية. وهذا ما شكل عبئاً ثقيلاً على الحركة الثورية بعد أن صارت تتعامل مع القوى الشعبية وهي محمّلة بهذا الحمل الليبرالي المعادي سياسياً. وخصوصاً في ظل نمط الحياة الذي تم تعميمه عن الذاتية والفردية وغيرها.

الضمني في الحاجات الجديدة: المعنوي وثقله

هنا أيضاً نعيد جانباً آخر من التحليل مرَّ سابقاً. حمل نمط الحياة الجديد تقدماً في الحاجات المعنوية، بعد أن سمح الواقع الليبرالي الذي وضع الذات الفردية في مركز «قصفه» المركز، وهذا التقدم للجانب المعنوي اصطدم لاحقاً بالواقع الرأسمالي التغُّريبي المعادي للذات، فأصبح هذا الجانب من المعاناة الوجودية الشاملة عنصراً أساساً في علاقة الفرد بعالمه ومعاناته.

البنية الطبقية المفتتة

لعب التراجع عن البنى الإنتاجية الحقيقية- في دولنا تحديداً- دوراً بارزاً في تشكيل البنية الطبقية للقوى المُستَغَلة. فمن جهة تفتت هذه القوى على ضوء التشتت الكبير في القطاعات الاقتصادية (الخدماتيّة)، وضعف تنظيمها التقليدي النقابي (الصناعي بشكل أساس)، وخصوصاً في تعقُّد بنى الاستغلال العابر للحدود بين الدول، أي شبكات الإنتاج السلعي.

التراجع السابق للقوى الثورية

ترافقت العوامل الموضوعية السابقة مع تراجع حضور القوى الثورية والأحزاب الماركسية في العام، والتي حصلت بحقها تصفيات مادية واسعة. وتأثَّرت البنى المتبقية منها بالعوامل المذكورة أعلاه، في نمط الحياة الليبرالي والحرب على الوعي وطبيعة البنية الطبقية المتشكّلة. أي أصبحت بنى هذه الأحزاب حاملة للتناقضات الاجتماعية الفكرية والسياسية نفسها.
إنَّ العوامل المذكورة أعلاه، كبعض مما حمله الجديد التاريخي، تسمح بالوصول لملامح أوَّلية حول موقع أدوات التغيير ومستوى الممارسة. وخصوصاً في ظل حِدَّة الأزمة التي يواجهها العالم وتسارع معالمها والتي تتطلب تعويضاً بجوانب النقص.

رفع الوزن السياسي والفكري لقوى التغيير، والرفض المطلق للعفوية

إن الضعف في الجوانب التنظيمية الموضوعية والذاتية للحركة الشعبية، وكذلك حضور ملامح «الفكر اليومي» التبسيطي والحامل لأدوات الفكر السياسي البورجوازي، وبالترافق مع السلاح الإعلامي وأدوات الهيمنة على الوعي (خصوصاً في ظل ضعف الإعلام البديل)، كل ذلك يتطب أكثر من أي وقت مضى رفع الوزن السياسي لقوى التغيير الثوري. وذلك عبر رفع الجوانب المعرفية والعمق الثقافي والتاريخي لرؤية هذه القوى لكي يتم يتجاوز الصعوبات المذكورة. وهذا يتطلب عكس هذا العمق المعرفي في خطاب القوى الثورية. وفي ذات الوقت يتطلب مركزة عالية للصراع السياسي المتمحور حول موقع القوى الثورية في عملية التغيير. وذلك من أجل رفع الصراع الفكري والسياسي لكي يرقى ويتخطَّى المستوى الذي يتم دفع الحركة إليه من قبل السردية البورجوازية وأدوات هيمنتها على الوعي، والتصدي للمناورات التي تخوضها ممارسة القوى المهيمنة.
وهذا يعني تعظيم دور قوى التغيير، لا تلطيفه خضوعاً وتنازلاً لموروثات الوعي الليبرالي لدى الحركة الشعبية نفسها.

رفع وزن الإقناع والحوار

بالترافق مع رفع الوزن السياسي لقوى التغيير، ولأن القوى الشعبية حاملة الوعي السياسي و«فكره اليومي»، هي نفسها ما يجب تطوير ممارستها، فإن ممارسة إقناعية في سلوك القوى الثورية لا بد وأن تتعاظم أيضاً. وهذا ينعكس في تعميق حججها (في المضمون)، وخطابها ومضمونه اللغوي (في الشكل). وذلك من أجل تصفير حضور المتاريس الفكرية الموروثة. وعماد هذا التفاعل الوضوح والصراحة.

إبراز الضمني من الحاجات

المعاناة الضمنية، وأساسها أزمة الذات الفردية، وتهميشها في قيمتها تحديداً، لها دور كبير في تحديد ملامح مزاج وشخصية القوى الاجتماعية. لذلك، فإن إبراز هذا الجانب للعلن وتبنيه وطرح طرق تحقيقه البديلة سينزع متاريس أخرى وعوامل شد للخلف في سياق التفاعل بين قوى التغيير وبين القوة الاجتماعية. لا بل سيشكل رافعة جديدة للوضوح نحو التحول لنموذج اجتماعي بديل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
942
آخر تعديل على الإثنين, 02 كانون1/ديسمبر 2019 13:30