_
كُسوف الشمس... هل أثبتَ نظرية أينشتاين؟ (2)

كُسوف الشمس... هل أثبتَ نظرية أينشتاين؟ (2)

(2) وفقًا لكولينز/بينش 1998 (Golem، الطبعة الثانية)، فيما يتعلق بنتائج إيدينغتون: «كما سنرى، كانت غير دقيقة للغاية ومتعارضة مع بعضها البعض. عندما اختار إيدينغتون أيُّ الملاحظات الرصدية هي التي يجب احتسابها كبيانات؟ وأيُّها التي يمكن اعتبارها «ضجيجاً»؟ [أي شوائب بعملية القياس تستثنى من النتيجة]، أيْ: عندما اختار أيّ الأشياء التي يجب الاحتفاظ بها وأيّها ينبغي تجاهلها، كان إيدينغتون يضع في ذهنه توقعات آينشتاين كثيراً.

وبالتالي، فإنّ إيدينغتون استطاع أن يزعم بأنه أثبتَ أينشتاين فقط لأنّه استخدم اشتقاقات أينشتاين في تقرير ما هي الملاحظات الرصدية التي حصل عليها حقاً، في حين أنّ اشتقاقات أينشتاين أصبحت مقبولة لأنّ ملاحظات إيدينغتون الرصدية بدت أنّها تُثبِتها... إنّ الملاحظة الرصدية والتوقُّع تمّ ربطهما في حلقة من التأكيد المتبادل...» (ص54).
وقاموا بتقديم وصف تفصيلي للشروط الفنية التي جرت بموجبها رصديّات كسوف 1919 وحلّلوا التفسيرات الرسمية (ص 46-52). الخلاصة: لم يتم الحصول على النتائج بالطريقة التي تم التأكيد عليها رسمياً، ولم تُثبت ما قالت بأنها أثبتته (ص 52-55).
في منشور آخر عام 1960 بعنوان «انحراف ضوء أينشتاين» قدّم H. v. Klüber نظرة شاملة ونقدية لجميع الملاحظات الرصدية لكسوفات الشمس التي جرت حتى العام 1959، مع تجميع كل البيانات. والنتائج التي توصل إليها (ص 73-75) أنّ: هناك بالفعل انحراف ضوء بالقرب من الشمس. «لكن الرصديّات [المتوفّرة] غير كافية لتوضح بشكل حاسم ما إذا كان الانحراف يتبع فعلياً قانون المسار بشكل قطعٍ زائدٍ، الذي تنبأت به النظرية النسبية العامة، ويرجع ذلك أساساً إلى أنه لم يكن من الممكن حتى الآن الحصول على عدد مُرْضٍ من صور النجوم بالقرب من الشمس بشكل كافٍ. وواقع الحال في الوقت الراهن هو أنّه يمكن تمثيل معظم الملاحظات الرصدية بشكل جيد تماماً حتى من خلال الخطوط المستقيمة (ميخائيلوف 1956)».

نقديات أحدث

لا يتسع المجال في المادة الحالية للخوض في الفرضيات البديلة الأحدث التي قدمت تفسيرات وحسابات موافقة للنتائج التجريبية من دون استخدام النسبية إطلاقاً، والتفسير: إما عِبر انكسار الضوء أو تبدل سرعته بالمرور في البلازما المحيطة بالشمس أو خليط من التأثيرين معاً. ونكتفي بذكر بعض علمائها المعاصرين، أو الذي توفوا من فترة قصيرة: البروفسور الأمريكي Edward Henry Dowdy مرموق وعمل مع ناسا فترة طويلة. أهمية بحثه عن الكسوف هي تساؤله المحق، لماذا يختفي تأثير «الانحراف الثقالي» فجأة بمجرد مرور الأشعة ليس بشكل مماسي مع البلازما المحيطة بالشمس، بل في أيِّ خلاء أبعد عنها ولو بقليل؟ هناك لا تصح نظرية أينشتاين. ومن الأسماء أيضاً العالِم الكَنِدي Paul Marmet والعالِم الفرنسي Maurice Allias، الذي درس تاريخ تجارب الأثير، ويقول: بأنّ نتائجها لا تنفي فرضية وجود الأثير كما هو شائع. وغيرهم...

مشكلة المذهب «التجريبي»

يعتقد Klüber أنه نظراً لأهمية هذه الملاحظات بالنسبة إلى النسبية العامة، فإنها يجب إعادتها في المستقبل، على الرغم من أنه لا يمكن ضمان شروط مسبقة أفضل بشكل حاسم للاستخدام المتحرك للأجهزة، لأنه بخلاف ذلك لا يمكن توقع الحصول على صور أفضل بشكل كبير تستند إلى قرار بشأن المعنى الحقيقي للرصديّات...
وهكذا، يبدو أن رصديات كسوف 1919 وفقاً لإيدينغتون (الذي كان المفسِّر الرسمي الوحيد لها)، افتُرضت سلفاً بأنها انتصار لنسبية أينشتاين. ورغم ملاحظات كلوبر 1960 بالحاجة لتكرار التجارب وتحسين شروطها لحسم القضية، إلا أنه وحتى العام 1980 لم تُجرَ رصديّات أكثر دقة، حسب ما هو معروف.
ويلاحظ الكاتالوغ، أنّ استخدام طرق المحاججة الدائرية مثل هذه، والشائعة في المذهب الإمبريقي empiricism من أجل إثبات النظرية النسبية، دفعت علماء آخرين بارزين للاحتجاج. منهم العالِم البريطاني فريدريك سوداي Frederick Soddy الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء 1921 لاكتشافاته المتعلقة بنظائر العناصر المشعّة. في مؤتمر للفائزين بجائزة نوبل عام 1954، قال سوداي: «محاولة التحقق [من نظرية أينشتاين] خلال الكسوف الشمسي الأخير، زوَّدت العالم بأكثر المشاهد إثارة للاشمئزاز من أي وقت مضى، كشاهدٍ على طول المدة التي يمكن خلالها لفكرة مسبقة معينة أن تسبب التحيّز فيما كان يفترض أن يكون بحثاً علمياً نزيهاً. ذلك أنّ إيدنغتون، الذي كان واحداً من حزبه، وكان يجب بالتالي أن يتم استبعاده لأنه داعمٌ متحمّس للنظرية التي كانت قيد الفحص والتحقق، كان قد أعربَ عن شعور الإحباط المفزع الذي انتابه خلال الحملة الاستكشافية [للكسوف]، عندما بدا له في لحظة ما أن آينشتاين قد يكون مخطئاً! وعندما يتذكّر المرء أنه في هذا البحث الفلكي بالتحديد، فإنّ تصحيحات أخطاء الرصد الطبيعية- بسبب الحيود البصري diffraction وتغيرات درجة الحرارة، وما شابه ذلك– قد تجاوز بالفعل مرّات عديدة حجم الانحراف المتوقَّع لأشعة النجم التي يجري البحث عنها، أمام هذا الأمر يتعجّب المرء بالضبط: أيُّ نوعٍ من «العلم» هو ذاك الذي يستأهل هذا حقاً؟!».
يجدر بالذكر، أنّ «التجريبية» empiricism التي انتقدها سوداي– كان فلاديمير لينين قد انتقدها أيضاً في كتابه «المادية والمذهب النقدي التجريبي» عام 1909. وربما ليس من المصادفة أنّ أحد أهم من شنّ عليهم لينين هجومه في ذلك الكتاب، وهو إيرنست ماخ بسبب فلسفته المثالية، أكثر مما بسبب كونه عالِم فيزياء، كانت فلسفة ماخ نفسه أحد المصادر المؤثرة في أينشتاين وطريقة تفكيره. هذا بالطبع لا يقلل من أهمية الأجزاء المادية في نتاج أينشتاين، على سبيل المثال في ورقة EPR الشهيرة التي كتبها بالاشتراك مع بودولسكي وروزن في 15 أيار عام 1935 تُفتتح بمقطعٍ مهمٍ معرفياً يشبه تعريف لينين للمادة، ويقول مقطع الورقة: «إنّ أيّ اعتبار جادّ لنظرية فيزيائية يجب أن يأخذ بالحسبان التمييز بين الواقع الموضوعي، الذي هو مستقل عن أية نظرية، والمفاهيم الفيزيائية التي تشتغل النظرية بها. هذه المفاهيم يقصد بها أن تتجاوب مع الواقع الموضوعي، وبوساطة هذه المفاهيم نصوِّر الواقع الموضوعي لأنفسنا».

معلومات إضافية

العدد رقم:
922
آخر تعديل على الإثنين, 15 تموز/يوليو 2019 12:47