_

السّيادة الغذائية

إذا كان مفهوم الأمن الغذائي واضحاً بالنسبة للكثيرين، فقد أصبحنا الآن أمام معركة جديدة من نوعها.


لقد كان أحد الأهداف الأساسية على الدوام من خلال تطوير العمل في مجال القمح وفي مجال البحوث الزراعية في سورية، ومن خلال دعم الفلاحين في البذار والأسمدة والمبيدات، وضمان شراء المحصول بسعر منصف، وهو ما شكل مفردات الأمن الغذائي لفترة طويلة في سورية.
فنحن الآن نتعامل مع مقولة جديدة لم نعهدها قبل ذلك، رغم تدهور الإنتاج أثناء الحرب بشكل كبير جداً، ورغم عمليات تقليص الدعم للفلاحين التي مُورست من خلال السياسات الليبرالية في العشرية الأولى من القرن العشرين.
ولئن كان تقاذف الاتهامات يسير على قدم وساق، بين مُتّهمٍ للعوامل الطبيعية، ومُتّهمٍ للجهات السياسية والعسكرية الموجودة في المنطقة، وبين تواقيع مفتعلي الحريق في مسرح الجريمة التي تذكرنا بأفلام الرعب الهوليوودية. لا يمكننا إلا أن نلعب دور المحقق، لنستنتج أن المسبب هو المستفيد الأول.
وليست بعيدة ذكريات الأمس التي خلفها دستور بريمر في العراق، الذي منع العراقيين من زراعة الأقماح المحلية، لصالح شركات المبيدات وشركات المنتجات المعدلة وراثياً مثل: مونسانتو، التي احتكرت بيع البذور في العراق ومنعت البذار المحلية من التداول، لصالح البذار العقيمة، التي تمنح تلك الشركات الأمريكية الحق الحصري في السيطرة على زراعة القمح.
قد يبدو هذا خطيراً في أية بقعة من العالم، لكن عندما نعرف أن المنطقة المحصورة بين شمال العراق والجزيرة السورية وأجزاء من الجنوب الشرقي لتركيا، هي المناطق الوحيدة في العالم التي تعتبر مناطق نشوء الآباء البرية للقمح، التي تعتمد عالمياً من أجل عمليات تحسين القمح؛ وأن أي تدمير لمحصول القمح في هذه المنطقة، وخاصة تلك الأصناف المزروعة التي تنتمي إلى ما طوّره الباحثون السوريون، مع زملائهم من الباحثين من كافة أرجاء العالم، ليتناسب مع البيئة المحلية، مستعينين بالأصناف البرية والأصناف المحلية (تلك التي طورها ملايين المزارعين السوريين، على مدى عشرات آلاف السنين من الزراعة في المنطقة) لعرفنا خطورة ما يحدث ولعرفنا أن المتهم هو المعتدي الأمريكي (بغض النظر عمّن يمكن أن تكون أداته).
إن السيادة الغذائية السورية تتطلب الدفاع عن أقماحنا بأي ثمن، وتوجيه الاتهام الصريح والواضح إلى العدو الأمريكي المستفيد الأول (وصاحب السوابق) من الاعتداء على أقماحنا.

معلومات إضافية

العدد رقم:
919