_

تخمة النيتروجين: الكثير من المواد الجيدة، قاتلة للغلاف الحيوي

أوضحنا في مقالات سابقة: كيف أن النشاط الاستقلابي للبكتيريا المتخصصة في التربة والمحيطات يدفع دورة الآزوت، عن طريق «تثبيت» الآزوت الخامل من الهواء إلى آزوت تفاعلي، وتحويله إلى أشكال يمكن للنباتات استخدامها، وإعادته في النهاية إلى الغلاف الجوي. كما أوضح العلماء كيف حافظت «شبكة تدوير الآزوت الميكروبية» على مستوى ثابت من الآزوت التفاعلي في المحيط الحيوي العالمي لمليارات السنين.

«هناك تنوع مذهل من الكائنات الحية الدقيقة التي تحول الآزوت، ولكل من هذه الكائنات الحية الدقيقة متطلبات فيزيولوجية منفصلة للنمو الأمثل. نظراً لأن ظروف النمو في الطبيعة متغيرة للغاية، ونادراً ما تكون مثالية، فإن دوران الآزوت بواسطة الكائنات الحية الدقيقة الفردية سيكون غير فعال. ومع ذلك، يتم إجراء تحولات الآزوت في البيئة بواسطة المجتمعات الميكروبية التي تعيد تدوير الآزوت بكفاءة أكبر من الكائنات الحية الدقيقة المنفردة. وبالتالي، فإن القليل جداً من الآزوت المتاح حيوياً يهرب إلى الغلاف الجوي، والكمية الضائعة المفقودة من غاز الآزوت تتوازن مع تثبيت الآزوت».

حلول القرن التاسع عشر

تعطلت تلك الدورة الحيوية في أوروبا في القرن التاسع عشر، عندما نمت المدن الكبيرة لدرجة أن الآزوت والمواد المغذية الأخرى التي يستهلكها سكان المدن في الغذاء لم تتمكن من العودة إلى الأرض، مما تسبب في تلوث المدن وخفض خصوبة التربة في الريف. ما أسماه ماركس «صدع لا يمكن إصلاحه في عملية الاستقلاب الاجتماعي المترابط» تم تكديسه، ولم يتم شفاء النظام البيئي عن طريق استيراد ذرق الطيور الغني بالآزوت والنترات المعدنية من أمريكا الجنوبية لتخصيب الحقول، وبناء حقول المجاري لتحويل نفايات المناطق الحضرية إلى الأنهار والمحيطات.
في القرن العشرين، فتحت أنواع الوقود الأحفوري والزراعة الصناعية فجوة أكبر، من خلال نشر عمليات تطلق سنوياً أكثر من ضعف كمية الآزوت التفاعلي في البيئة كما تنتج الطبيعة وحدها. على وجه الخصوص، يتم استخدام ما يقرب من 200 مليون طن متري من الأسمدة الاصطناعية كل عام- ومعظم الآزوت التفاعلي الذي تحتويه يهرب إلى البيئة الأوسع، مما يؤدي إلى تلوث الهواء والماء وتعطيل النظم البيئية.
غالبًا ما يزعم منكرو تغير المناخ: أن ثاني أكسيد الكربون لا يمكن أن يكون ضاراً لأن النباتات تحتاج إلى نموه. يمكن تقديم نفس الحجة الخاطئة حول الآزوت، ورّدنا هو نفسه: الكثير من الأشياء الجيدة يمكن أن تكون قاتلة. إن الكائنات الحية والنظم البيئية التي تطورت في عالم كانت فيه إمدادات الآزوت التفاعلي محدودة للغاية تتعطل الآن، في كثير من الحالات، بسبب تخمة آزوت لم يسبق لها مثيل.

شلالات الآزوت

يمكن قياس التراكم المتنامي لثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي مباشرةً- فقد تجاوز مؤخراً 413 جزءاً في المليون، وهو تركيز أعلى بشكل ملحوظ عن أي وقت مضى خلال الـ ثمانمائة ألف عام الماضية. يُعد تحديد العلاقة الدقيقة بين مستويات ثاني أكسيد الكربون ودرجات الحرارة العالمية عملية معقدة، ولكن لا شك أن المزيد من ثاني أكسيد الكربون يساوي درجات حرارة أعلى.
لا توجد طريقة مكافئة لتتبع تراكم الآزوت التفاعلي، أو لتلخيص آثاره البيئية بعبارات بسيطة. على عكس ثاني أكسيد الكربون، فإن معظم المواد الكيميائية التي يتكون منها الآزوت التفاعلي يمكن أن تتحول بسهولة إلى بعضها البعض، ولها تأثيرات مختلفة، حسب الظروف المحلية.
«تم تجاوز العديد من عتبات صحة الإنسان والنظام البيئي، بسبب تلوث الآزوت التفاعلي، بما في ذلك تلوث مياه الشرب (النترات)، ونوعية الهواء (الضباب الدخاني، والجسيمات، والأوزون على مستوى الأرض)، والإثراء الغذائي للمياه العذبة، وفقدان التنوع الحيوي، واستنفاد طبقة الأوزون في الستراتوسفير، والتغير المناخي والنظم البيئية الساحلية (المناطق الميتة). يمكن تضخيم كل من هذه الآثار البيئية بالتتالي الآزوتي: ذرة واحدة من الآزوت التفاعلي يمكن أن تؤدي إلى سلسلة من الآثار البيئية السلبية على التوالي».
قد تتضمن أية سلسلة آزوت معينة سلسلة مختلفة من التحولات والآثار الكيميائية. ذرة الآزوت التي تتسرب من التربة الزراعية إلى المياه الجوفية، على سبيل المثال، سوف تتبع مساراً مختلفاً عن المسار الذي ينتجه البنزين الذي يحترق في السيارات، ويمكن أن يعطل كل منها عمليات كيميائية حيوية متعددة. وصف أحد الأشكال في مجلة Scientific American سلسلة واحدة محتملة:
1- الآزوت الناتج أثناء احتراق الوقود الأحفوري يمكن أن يسبب تلوث الهواء الشديد...
2- قبل ذلك يتحد مع الماء لإنشاء حمض النتريك في المطر...
3- ينضم إلى الآزوت المتسرب من الحقول المخصبة، روث حيوانات المزرعة، المجاري البشرية والنباتات البقولية.
4- عندما يدخل الكثير من الآزوت إلى النظم البيئية الأرضية، يمكن أن يسهم ذلك في انخفاض التنوع الحيوي، وربما في زيادة خطر الإصابة بأمراض بشرية عديدة.
5- يمكن لذرة آزوت واحدة من مصنع أو مركبة أو مزرعة أن تحمض التربة وتلوث مياه الشرب قبل دخول الأنهار...
6- أينما يمكن أن يسافر إلى المحيطات يساعد في تغذية أزهار الطحالب السامة والمناطق الميتة الساحلية.
7- في أي وقت خلال هذه السلسلة، قد تُحوّل البكتيريا الذرة المارة إلى أكسيد النيتروز، وهو من غازات الدفيئة القوية التي تسرع أيضاً في فقدان طبقة الأوزون الستراتوسفيرية الواقية. فقط البكتيريا التي تُحوّل الذرة مرة أخرى إلى غاز الآزوت الثنائي غير الضار يمكنها إيقاف آثارها السيئة.
تتالي الآزوت ليس خطياً- قد تتكرر الذرات مراراً وتكراراً خلال كل التسلسل أو جزء منه، أو تكرر مرحلة واحدة، أو تنتقل إلى تسلسل مختلف، على مدى فترات زمنية تتراوح بين ثوانٍ وعقود. ولكن يمكن تلخيص التأثير الكلي، لأن المزيد من الآزوت التفاعلي في البيئة يؤدي إلى مزيد من شلالات الآزوت والمزيد من اضطراب المحيط الحيوي.

أوجه الآزوت

كما أشار مؤلفو تقرير تقييم الآزوت الأوروبي، إلى أنّ «هناك تنوعاً كبيراً في أشكال ملوثات الآزوت التفاعلي». حيث تؤدي إلى العديد من الملوثات الثانوية (بما في ذلك العديد من أشكال الآزوت العضوي في الماء والهواء)، وقائمة طويلة من التأثيرات البيئية. تسبب مشكلة الآزوت التفاعلي في البيئة درجة من التعقيد، لا يستطيع سوى القليل من العلماء تغطيتها بالكامل. «وقد لخصوا التهديدات البيئية الناجمة عن الآزوت التفاعلي المفرط بالماء والهواء وتوازن الدفيئة والنظم البيئية، والتربة وخصص فصل لكل منها».

مقتطفات من مقال إيان انغوس

معلومات إضافية

العدد رقم:
916
آخر تعديل على الإثنين, 03 حزيران/يونيو 2019 15:46