_
العاطفة والاضطرابات:  بين السلبية والانخراط في الصراع!
مروى صعب مروى صعب

العاطفة والاضطرابات: بين السلبية والانخراط في الصراع!

Gallup: هي منظمة خاصة تقع في الولايات المتحدة الأمريكية ولها مراكز في عدة دول، تعمل على دراسة الحالة العاطفية العامة عند السكان. تقوم هذه الدراسات على مساعدة الشركات في معرفة كيفية التعامل مع زبائنها أو موظفيها. وتتمحور العواطف حول الغضب، الحزن، الضغط، القلق، الألم، التمتع، الراحة، والاحترام. وبهذا تقوم المنظمة بسؤال: إذا ما كان الفرد قد شعر بإحدى هذه المشاعر في اليوم السابق، لكي تقيّم الوضع العاطفي، وما الذي يجب خفضه أو رفعه.

بحسب إحصاءات عام 2018 التي قامت على عمل مقابلات مع حوالي 151,000 شخصٍ من 141 دولة في العالم، فإنه ارتفع الشعور بالغضب بنسبة 2% عن العام الفائت، وإن الشعور بالحزن والقلق ارتفع بنسبة 1% عن العام الفائت، التي تمثلت بمستوى مرتفع للحالات العاطفية الثلاث. تقول الدراسة: إنه إذا ما استمر هذا الارتفاع، فإنه يشكل خطورة على الوضع الصحي عند الأفراد، لأنه قد يسبب ارتفاعاً في الأمراض القلبية والنفسية.
ترتبط الحالة العاطفية بالوضع الصحي عند الإنسان، وهو بحسب غروس: (عالم نفسي أمريكي، يعمل على دراسة الوضع العاطفي وله دراسات في ذلك)، فإن المشاعر (السلبية والإيجابية) التي نقوم بعسكها على أية حالة موجودة، وتأتي من المحيط الذي حصلت فيه هذه الحالة، ومن التوجه إلى تقييم هذه الحالة قبل عكسها أو عدمه. بمعنى آخر: إن أياً من العواطف نستعملها في حياتنا اليومية هي نتيجة للمحيط، وذلك يأتي من تعلم كيفية انعكاس، أو ردة الفعل على الحالات التي تقلقنا أو تفرحنا. وإن ردة الفعل العاطفية هذه على الأحداث تتراكم، فنحن نتعلم من الفعل السابق لكي نقيّم الفعل الحالي. فهي دينامية، متراكمة، وتتغير مع الزمن. فمثلاً: الخوف من الحيوانات يتقلص عندما نكبر في العمر، ونصبح أكثر قدرة على مواجهة هذه الحيوانات، تماماً مثل التعامل مع الأشخاص، يأخذ منعطفاً آخر عندما نصبح قادرين على أن نكون عنصراً فاعلاً فيه، وليس متلقياً. أو أن خيبة الأمل من الأحداث أو الأشخاص تتغير مع الوقت، فتصبح أقل مع إعادة نفس التجربة. ولكن غروس في ربطه المشاعر بالمحيط، فهي بحسب نظريته تأتي منه وتتطور فيه وتتغير بحركته، يدرس فقط حركة هذه المشاعر أو العواطف، وما يؤدي إلى غلبة العنصر الإيجابي على السلبي. إنما بارتباطها بالمحيط لا يمكن تغيير السلبي إلى إيجابي من دون تغيير المحيط الذي يؤدي إليها. فمثلاً: كون عكس الشعور من حدث معين هو القلق، يعني: إن تخطي شعور القلق إلى شعور الراحة يكون مع حل للحدث المقلق، فإذا لم يتم حله سيتراكم الشعور بالقلق، وقد يتغير إلى مشاعر سلبية أخرى، أو قد يرتفع مع عدم القدرة على حله أو تخفيف وطأته. لذا فهو مرتبط بالحل وبالقدرة على رؤية أفق المستقبل.

المشاعر وانعكاسها على المجتمع

تحدث رايش مطولاً عن الارتباط بين المشاعر والأمراض الجسدية، وكنا قد تحدثنا عنه في مقالات سابقة. ولكن هذا الارتباط لا يجد مكانه فقط في انعكاسه أمراضاً جسدية ونفسية، بل وفي التفكك في بنية المجتمعات، والتوجه إلى العنصرية في معالجة القضايا. أو في التغرب عن المجتمع والمحيط. وبالتالي، ملء الفراغ العاطفي من خلال أمور أخرى، نجدها في التعلق بالأفلام والمسلسلات والألعاب الإلكترونية أو الألعاب الرياضية. وهذه الأدوات، على قدر ما هي مفيدة أو ضرورية من الناحية الترفيهية أو بارتباطها بالوعي، على قدر ما هي مستعملة لكي تقلل من حدة ارتفاع الاغتراب عند الأشخاص. لذا لطالما هذه الأدوات مسيطر عليها بيد النظام الرأسمالي، الذي يؤدي إلى غلبة المشاعر السلبية، لطالما سيتأخر الانفجار، بخاصة أن المشاعر السلبية تؤدي إلى انهزام أو إلى تراجع الدافع في الحياة. لذا فتقليل الحزن أو الضغط أو القلق يأتي مع تقليل سببه، ورفع نسبة الدافع والانخراط في الحياة والمجتمع والصراع المحدد للتقدم.
تتعدد المنظمات التي تحاول تحويل المشاكل الاجتماعية إلى أرقام ونسب، أو التي تحاول إيجاد حلول مجتزأة، كالمنظمة التي ذكرنا، والتي اكتفت بالتدليل على نسب العواطف الكليّة، وليس على سببها، أو حلها. وكمنظمات المجتمع المدني أو العديد من الصروح العلمية والبحثية. ولهذه مهمة محددة، حتى وإن كانت غير واعية، هي: تحويل الصراع من مباشر مع النظام إلى مباشر بين الأفراد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
912
آخر تعديل على الأربعاء, 08 أيار 2019 13:35