_
نظرية مكعب الثلج..

نظرية مكعب الثلج..

نهضت الوفود المشاركة على قدميها، وضجت الصالة الضخمة بأصوات التصفيق، بدت السعادة مشرقة على الوجوه التي أمضت ليالي طويلة تنتظر هذا اليوم الموعود، التمعت العيون أمام عدسات الكاميرات التي عصفت بالمكان حالما تم التوصل إلى الصيغة النهائية لهذا الاتفاق المنتظر، الاتفاق الذي يبتغي ضمان مستقبل البشرية جمعاء، اتفاق باريس البيئي الأخير.

كان هذا المشهد تاريخياً بامتياز، فقد عصفت بهذا المؤتمر سلسلة معقدة من المشاكل التي كادت لوهلة أن تطيح به كما جرى في العام 1997 في كيوتو، حينها تراجعت الكثير من الدول الكبرى عن التزاماتها تجاه انبعاثات الغازات المضرة بالبيئة، وأخذ كوكبنا الأزرق يعاني من تغيرات مناخية غير مسبوقة، تلتها موجة قاسية من الأعاصير والبراكين والزلازل وارتفاعات لا تطاق في نسب التلوث الجوي والبحري، كان من الواضح بأن القضية لم تعد تحتمل التأجيل، فقد خرجت مظاهر الاحتباس الحراري من غرف المختبرات ومراكز الأبحاث لتترك أثراً واضحاً على ما يراه الجميع حول العالم وفي كل اليوم، لكن، لا داعي للتفاؤل كثيراً، فهناك الكثير من التفاصيل السوداء التي كشفتها الصحافة حول الساعات الأخيرة التي سبقت ذلك الإعلان الكبير.
ظاهرة الاحتباس الحراري
حمل القرار في نصه النهائي كثيراً من النقاط الإيجابية، أولها الحفاظ على زيادة درجة حرارة الكرة الأرضية لأقل من درجتين مئويتين وربما بلوغ زيادة أقل من 1.5 درجة مئوية، محاولة الحد من معدل انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري الناتج عن أنشطة البشر والسعي لبلوغ معدل مماثل لمعدل الانبعاثات الذي يمكن للتربة والاشجار والنباتات امتصاصه بشكل طبيعي مع الحرص على بلوغ هذا الهدف خلال الفترة بين عامي 2050 و 2100، لكن لغة ذلك الخطاب النهائي حملت الكثير من التساؤلات، خاصة بعد أن تحدثت بعض المصادر الصحفية التي واكبت كواليس مؤتمر باريس عن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتعطيل الإجماع العالمي حول تلك النقاط، بعد أن أصر ممثلوها على استبدال كلمة «سوف» بكلمة «ينبغي» في البند المتعلق بضرورة الالتزام بالحد من انبعاثات الغازات الضارة، ليفقد البيان جزءاً كبيراً من صيغته الملزمة كما هي العادة، حينها أخذ المجتمعون بالسجال حول «قوة» كلمة «ينبغي» بالمقارنة مع كلمة «سوف»، واحتار المترجمون في تحديد المرادف المناسب في بقية لغات العالم، كان من الواضح بأن تلك النقاط قد قتلت في المهد ومنذ اللحظات الأولى.
8 % من حجم مبيعات الأسلحة
لم تكن المشكلة الأساسية «لغوية» على الإطلاق، فالمال هو المحرك الأساسي لأي إصلاح بيئي من هذا الحجم، وهو ببساطة غير كاف على الإطلاق كما أعلن العديد من المشاركين خلال الحديث عن سلبيات هذا المؤتمر، فصرح الدكتور «إيان كيلمان» من جامعة يو سي إل في لندن بأن:  «مبلغ 100 مليار دولار سنويا يعتبر أمراً جيدا لكنه لا يشكل سوى 8 في المائة فقط من حجم مبيعات الأسلحة المعلن سنويا على مستوى العالم»، في إشارة واضحة عن عدم تناسق تلك الأموال مع تلك الخطوة العملاقة التي تنوي البشرية جمعاء الالتزام بها خلال المستقبل القريب، كما نص الاتفاق على ضورة التزام الدول الغنية بدعم الشعوب الفقيرة لمواجهة آثار التغير المناخي وتشجيع دول أخرى على الانضمام للاتفاق بشكل تطوعي وهو بند فضفاض للغاية لا يضع شروطاً واضحة للتنفيذ ويفسح المجال للدول الغنية بزيادة سطوتها الاقتصادية على الدول الفقيرة بحجة حثها على الالتزام بمعايير بيئية أو تنفيذ مشاريع إنمائية على حساب قطاعات خدمية أو صحية أو أمنية أخرى.
أيهما أخطر: الجو؟ أم داعش؟
لم ينل المؤتمر أساساً نصيبه العادل من التغطية الإعلامية، كما أنه تعرض لحملة قاسية من الإعلام الأمريكي بالذات، فقد أبدت محطة فوكس نيوز استياءها من حضور الرئيس الأمريكي شخصياً ذلك المؤتمر بدلاً من أن يبقى في البلاد ويفكر في استراتيجية أفضل لمواجهة خطر «داعش»! يطرح مذيع النشرة المسائية سؤالاً لاستطلاع رأي الجمهور بالنص الحرفي التالي : «أي الاخطار أشد تهديدياً لأمريكا؟ الطقس؟ الجو؟ أم داعش؟» مع مد مقصود لاسم الفزاعة الأمريكية الجديدة، وعلى قناة «سي أن أن» يبدأ المرشحون الرئاسيون بالحديث مطولاً عن «هروب» أوباما إلى باريس بدلاً من مواجهة الخطر الحقيقي الذي يهدد الأمريكيين، «الإرهاب المتطرف»، لا يريد أحد التحدث عن لب المشكلة، يفضل الكثيرون الاستماع إلى رئيس لجنة العلوم والتكنولوجيا في الكونغرس الأمريكي وهو يقول وبالفم الملآن : «لا يوجد شيء اسمه احتباس حراري.. إنها خدعة»، ثم يقوم بإثبات وجهة نظره قائلاً: «فكروا بالأمر.. حين يذوب مكعب الثلج في كأسك.. لا يفيض العصير من الحافة.. لا داعي للقلق من ذوبان القطب الشمالي أيها السادة..»، هذا هو رأي الساسة في أمريكا حول الاحتباس الحراري، في الوقت الذي يرتدي فيه المواطن الأمريكي العادي بزة السباحة ويتجه نحو الشاطئ في هذه الأيام بالذات، وقبل فترة الأعياد، وأمام عدسات الكاميرات التي فردت التقارير المطولة حول «عودة موسم البحر في كانون الأول» !