_
ذكرى لا تموت

ذكرى لا تموت

صعد «تشينجي ميكامو» على سطح منزله المتواضع في مدينة هيروشيما اليابانية، أبعد بيديه بعض الأخشاب المتراكمة على السطح، بعد أن طلب منه والده تنظيفه عدة مرات، تأفف ابن التسعة عشر عاماً من هذا العمل الصيفي المضن، وجلس بعد وقت قصير ينظر إلى تلك الأخشاب بنزق، لكنه سرعان ما سمع صوتاً قوياً أثار الرعب في قلبه، ولم تمض بضع لحظات حتى أحس بحرقة شديدة تسري في كامل جسده، لم يستطع «تشينجي» الصراخ بعد أن شعر وكأنه رشق بماء مغلية عدة مرات ولم يصدق عينيه حين لمع الانفجار الكبير أمام وجهه، وسقطت أجزاء من يده اليمنى كغصن محترق على الأرض!

حدث ذلك من سبعين سنة تماماً، واليوم تعود الدكتورة «آكيكو ميكامو» لتعيد إلى مسامع الإعلام قصة والدها الرهيبة، وآثرت أن تخلد للتاريخ هذه الفظائع في كتابها الأخير : «النهوض من الرماد: قصة حقيقة عن العيش والغفران من «هيروشيما»، سردت «آكيكو» مقاطع من الكتاب، يتحدث فيها والدها عن معاناته مع الأمراض العديدة التي خلفها ذلك اليوم المشؤوم، كان هذا في مؤتمر «قدامى المحاربين من أجل السلام» الذي عقد منذ بضعة أيام في مدينة سان دييغو الأمريكية، كانت التفاصيل موجعة وصادمة أعادت فيها ابنة هيروشيما إلى الأذهان فظاعة ذلك السلاح الشيطاني وآثاره السلبية التي استمرت لعقود.


الموت بالتلوث النووي هو أكثر أنواع الموت راحة!!!!

يتكرر الأمر كل سنة تقريباً، ويستذكر العالم أجمع ما عانته مدينتي «هيروشيما» و«ناكازاكي» من موت ودمار، وتتكشف كل سنة مزيداً من الحقائق من الباحثين والمهتمين عن تفصيل تلك المأساة الإنسانية الصادمة، تحدثت الكاتبة الأمريكية «سوزان ساوثارد» عن الحادثة مجدداً بمقال مطول في صحيفة «لوس انجلس تايمز»، وأدانت السياسة الإعلامية الأمريكية التي سعت طوال العقود الماضية إلى محاولة تقييد التقارير الصحفية والتغطيات الإعلامية عن الحادثة، وحجب الوصول إلى العديد من تفاصيلها، تحت حجة «تجاوز الحساسيات والحفاظ على العلاقات المشتركة بين البلاد»، لم يستطع أحد وضع رقم دقيق لضحايا هذا العدوان أو رسم صورة دقيقة للتبعات الصحية لمرضى التلوث الإشعاعي اللاحق، لكنها أعادت إلى الأذهان شهادة الجنرال «ليسلي جروفز» مؤسس ما دعي حينها بـ«مشروع مانهاتن» العسكري المسؤول عن تطوير ذلك النوع من القنابل، حينها أدلى الرجل بشهادته أمام الكونغرس الأمريكي شارحاً بأن «الموت بالتلوث النووي هو أكثر أنواع الموت راحة، ولا يعرض صاحبه لأي نوع من أنواع المعاناة..» على حد قوله، ثم عادت وأسهبت في شرح ما يعاني منه الجسد الملوث بتلك الأشعة «المريحة» قبل أن يفارق الروح، فتحدثت عن تساقط الشعر وفشل الأعضاء والالتهابات الداخلية المتسارعة، التي تجعل صاحبها يئن متمتماً يتمنى الموت دون أن يستطيع أحد تخفيف معاناته.


مونسانتو وشركات المبيدات شريكاً في الجريمة..

تظهر المزيد من التفاصيل مع مرور الوقت، فبعد ست عشر سنة من إلقاء القنبلتين الشهيرتين، أصبح لـ«فيتنام» نصيبها من «التجارب» الكيميائية العسكرية الأمريكية، حينها قامت الطائرات برش أرجاء واسعة من فيتنام بـ «العامل البرتقالي»، أحد المبيدات الحشرية المطورة، والذي أضاف إلى ثلاثة ملايين فيتنامي كانوا قد قتلوا بالرصاص الأمريكي، ثلاثة ملايين أخرى قتلوا بشكل بطيء للغاية عن طريق هذا السم العجيب، وبدأت أعراض سرطانات الجلد والرئة والكبد تتكاثر بكل مخيف، وأخذت حالات تشوهات الولادة تصبح أمراً يومياً في البلاد، حتى أن المعهد الطبي التابع للأكاديمية القومية للعلوم بالولايات المتحدة الأمريكية، كان قد صرح منذ أيام بأن أعداداً كبيرة من العسكريين الأميركيين ممن شاركوا في عمليات رش «العامل البرتقالي» من طائرات سي-123 في فيتنام قد تعرضوا لمستويات ضارة من مادة الديوكسين السامة، حتى بعد مرور حقبة طويلة على الحرب، وهم بحاجة إلى تعويض صحي ملائم، يذكر التاريخ بأن عمليات رش العامل البرتقالي لم تتوقف إلا بعد سنين طويلة من اعتمادها وبعد أن أخذت الدراسات العلمية التي تثبت مفاعيلها القاتلة تصل إلى الصحف اليومية، ولم تستطع حينها سياسة التعتيم التي اعتمدتها وزارة الدفاع الأمريكية الحفاظ على هذا السر المعيب، وثبت تورط العديد من الشركات الكيميائية الخاصة بهذه الجريمة، كان أشهرها شركة «مونسانتو» التي تعد اليوم من أقوى شركات الأبحاث الزراعية والتعديل الوراثي للمحاصيل في العالم أجمع!


وسائل «متطورة» تسيل الدماء بـ«التقسيط»

لن يستطيع العالم نسيان هذا الفعل المشين الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية مهما مضى من السنين، سيبقى حاضراً في الهواء والتراب والماء لتلك الأراضي البعيدة، وفي مخيلة كل من عاصروا تلك الحقبة السوداء، بعد أن تركوا لأحفادهم قصصاً مرعبة عن الظلم والقهر والدمار ولائحة طويلة من الأمراض الوراثية المميتة ،ولتعيد المطالبة كل سنة بمحاسبة المسؤولين، واعترافهم الرسمي اللائق أمام العالم أجمع، بما تم اقترافه من جرائم، لا أن يستمر الإمعان بقتل المزيد من الأبرياء عبر وسائل «متطورة» تسيل الدماء بـ«التقسيط» بدلاً من القنابل المدوية التي لا يستطيع أحد أن يمحي ذكرياتها من كتب التاريخ.