الاجتماع الكوري- الياباني- الأمريكي دليل على الضعف
عدد من الكتّاب عدد من الكتّاب

الاجتماع الكوري- الياباني- الأمريكي دليل على الضعف

يتفق أغلب المحللين السياسيين بأنّ ما تحاول الولايات المتحدة فعله من خلال عقد اجتماعات مثل «كامب ديفيد» التي جمعت الرئيس الأمريكي والرئيس الكوري الجنوبي ورئيس الوزراء الياباني، هو الإيهام بأنّها قادرة على حشد «تحالف» قادر على الوقوف في وجه الصين وروسيا في آسيا. لكن في الحقيقة، وللكثير من الأسباب يبدو أنّ هذا الإيهام لم ينطلِ على أحد. على رأس هذه الأسباب الخلافات العميقة بين السياسة والأحلام اليابانية والسياسة والأحلام الكورية الجنوبية، وكذلك عدم رضا شعبي هذين البلدين عن سياسات حكومتيهما لدرجة تُضعف قدرة الحكومتين على اتخاذ أي موقف جدي يتخطى الكلام في الأجندة العملية للولايات المتحدة. ربّما السبب الأكثر أهمية هو تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض جدول أعمالها وتمويله ما يضطرّها «لمراعاة» الدول التي تريدها أن تنخرط في حلفها.

ترجمة: قاسيون

من منظور النوايا، فإنّ خطّة إدارة بايدن لبناء إطار ثلاثي يركّز بشكل واضح على القضايا الجيوسياسية على أساس التحالفات العسكرية الثنائية القائمة بين الولايات المتحدة واليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية يعدّ خطوة رئيسية في تعديل سياسة الأمن الإستراتيجي الأمريكية في منطقة المحيط الهادئ. بما أنّه يستحيل إعادة إنتاج نسخة آسيوية من حلف شمال الأطلسي تضم عدداً كافياً من الأعضاء، ومن الصعب أيضاً توسيع منطقة دفاع الناتو من أوروبا إلى منطقة المحيط الهادئ-الهندي، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة هذه المرة هو خيارٌ دون المستوى من أجل خلق قاعدة عملياتية صلبة كفاية لتحمّل نسخة جديدة من الناتو. حتّى تنجح هذه القاعدة جديدة الصيغة يجب أن تتحقق عدّة شروط يأتي على رأسها:
أولاً، على الولايات المتحدة أن تحافظ على مقدار فاعل من الهيمنة، ولا يجب أن يكون هناك أيّ غموض أو تشوّش وراء هذه السيطرة. ثانياً، يجب أن يكون لدى اللاعبين الآخرين مخاوف أمنية كافية، وما يكفي من المبادرة والاستقلال لاتخاذ أفعال لا تخرج عن الإطار الأمني العام الذي يلائم مصالح الولايات المتحدة، وكلّ هذا دون أن يطالب هؤلاء اللاعبون الولايات المتحدة بالاستثمار بموارد إضافية من أجل تحقيق خطتها والحصول على منطقة عازلة إستراتيجية. ثالثاً، يجب أن يحافظ هؤلاء اللاعبون على درجة مرتفعة من التوافق مع الولايات المتحدة فيما يخصّ مصادر التهديد والتنبؤ الأمني، وأن يكونوا قادرين على التركيز في مسائل الأمن وما يسمّى «مصادر التهديد في منطقة الهندي-الهادئ» التي يوليها الأمريكيون أهميّة أكبر.
يتناقض ما حدث في كامب ديفيد بشكل صارخ مع الأيام الأولى للحرب الباردة، عندما قادت الولايات المتحدة مجموعة من الحلفاء الأوروبيين لتشكيل حلف شمال الأطلسي لمواجهة ما تمّ تصنيفه تهديداً إستراتيجياً من الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت. أثناء الحرب الباردة عندما تشكّل ما يسمّى «ستار الخيزران = النسخة الآسيوية من الستار الحديدي» أخذت الولايات المتحدة زمام المبادرة وقادت عدداً من الحلفاء العسكريين الثنائيين للتحوط ضدّ ما اعتبرته تهديداً أمنياً.
قد يحاول البعض وصف ما يجري اليوم بأنّه «حكمة إستراتيجية» لدى واشنطن تتناسب مع الظروف والمتطلبات الحالية، لكن من منظور النظريات الأساسية للجيوبوليتك وإطار التحليل العام للألعاب الإستراتيجية الدولية، يعكس هذا النمط حقيقة الافتقار إلى القوة والموارد المتاحة لإعادة تشكيل تحالف على النمط القديم، ويؤدي إلى إحراج إستراتيجي لحلفائها الذين يتمتعون بشبه استقلال. لا يوجد حلفاء مستعدون لتحمّل اللطمات ودفع ثمنها من أجل واشنطن، كما أنّ واشنطن ليست مستعدة لأخذ زمام المبادرة في رفع الجلسة والإعلان عن فشلها. لهذا يمكنها فقط الحديث عن الممثلين الذين لم يحضروا الاجتماع ولكنّهم يعبّرون عن «دعمهم». هذا مثير للعواطف، ولكن غير حقيقي.
بعد قراءة الوثيقتين الختاميتين، يتولّد شعور بديهي أولي بأنّ هناك أفكاراً غنية والعديد من النقاط المفتاحية الواضحة، لكنّ الأشخاص والأموال والمواد اللازمة لتعزيز تنفيذ المفهوم الإستراتيجي غائبة عن الحساب. يظهر هذا نقصاً واضحاً في العرض الفعّال. إنّ الوثيقتين الختاميتين أقرب ما يكون إلى قَسمِ رمزيّ بالإنجاز يلبي المطالب السياسية للانتخابات الداخلية الأمريكية، لكنّه ليس وثيقة توجيه إستراتيجي لديه متطلباته العملية والمادية، ناهيك عن عدم وجود نسخة تنفيذية مع مسار وتطوّر واضح.

حلفاء أعداء

من المهم أن نتذكّر أمراً آخر عند الحديث عن مدى هلهلة هذا الاجتماع ووثائقه الختامية. على الرغم من أنّ طوكيو وسيول حليفتان رسميتان مرتبطتان بالولايات المتحدة بموجب معاهدات عسكرية، إلّا أنّه لا يوجد تحالف عسكري موثّق بين اليابان وكوريا الجنوبية. وحتى مع مشاركة الدول الثلاث في مناورات عسكرية مشتركة، تنشأ المشكلات المعبّرة عن الحالة بشكل دوري، فسواء كنّا نتحدّث هنا عن موقف الحكومة اليابانية من جزء دوكدو «تاكيشيما باليابانية» من أنّها عائدة لها وتحتلّها قوات كوريا الجنوبية، فالحالات مثل استيلاء سفينة بحرية كورية على طائرة تابعة للبحرية اليابانية، أو منع الكوريين للسفن اليابانية من إجراء مناورات بحرية مشتركة مع الولايات المتحدة في مياهها هي أمور لا تُنسى. هناك الكثير من الأسباب التي تدفعنا للاقتناع بأنّ «اللقاء الرمزي» الذي جرى في كامب ديفيد بين الدول الثلاث قد قوبل بحذر من شعوب هذه البلدان.
ليس خافياً على أحد أنّ رفض الحكومات اليابانية التوبة عن الجرائم التي ارتكبت خلال سنوات الحكم الاستعماري الياباني في كوريا، وعدم دفع طوكيو لتعويضات عن الإكراه الإجرامي لعشرات الآلاف من الفتيات والنساء الكوريات على «خدمة» المحاربين اليابانيين في بيوت الدعارة الخاصة بالجنود، أو للرجال الذين أُخذوا قسراً إلى اليابان للعمل بالسخرة في المناجم والمؤسسات العسكرية، لا يزال يثير الكراهية لدى الكوريين تجاه المستعبدين السابقين. في المقابل في اليابان، لا يزال أفراد الجالية الكورية الكبيرة يتعرضون للتمييز مع القرارات بأن يلعبوا دور «غير المواطنين»، مع أننا نتحدث هنا عن أشخاص من الجيل الثالث ممّن عاشوا في اليابان.
إنّ «الاتحاد» الذي يهدف للعرض في كامب ديفيد كان ممكناً بفضل الموقف الذي لا يحظى بشعبية للرئيس الكوري الجنوبي الذي قام خلافاً لمصالح ومزاج شعبه باتخاذ موقف الخادم لواشنطن وطوكيو. شرح بيتر كوزنيك، البروفسور في الجامعة الأمريكية في واشنطن هذا الأمر بوضوح «لدى اليابان حكومة يمينية تتودد إلى الولايات المتحدة وتدعو إلى مضاعفة الإنفاق العسكري... لكنّه مع الرئيس الكوري يخيفان جماهير بلديهما. أظهر أحدث استطلاع بأنّ 70٪ من الكوريين الجنوبيين يريدون أن تمتلك بلادهم سلاحها النووي الخاص بها دون الاتفاق مع اليابان... إنّ كلا الرئيسين الكوري ورئيس الوزراء الياباني لا يتمتعان بالدعم والشعبية في بلادهما، ونتيجةً لذلك قد تكون الإطاحة بكلتا الحكومتين خياراً محتملاً يؤدي إلى الانهيار السريع لإمكانات التحالف العسكري».
إنّ مراجعة سريعة لعمق القمّة الثلاثية في كامب ديفيد يجعلنا ندرك أنّها متخلفة عن العصر من حيث المفاهيم الأمنية وإدراك المخاطر. لم يعد النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه الولايات المتحدة لبناء حلف الناتو في أوروبا موجوداً. القوى الشرقية الصاعدة الموضوعة هدفاً للقمة لا غنى عنها في مجالات الاقتصاد والسياسة والأمن، بما في ذلك لكوريا الجنوبية واليابان وحتّى للولايات المتحدة. إنّ ما جرى في كامب ديفيد مجرّد استعراض مسرحي بدلالات رمزية للاستهلاك الانتخابي الأمريكي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1137