المعادن النادرة في الميزان الاقتصادي والإستراتيجي
تشن جينغ تشن جينغ

المعادن النادرة في الميزان الاقتصادي والإستراتيجي

في الثالث من تموز أصدرت وزارة التجارة الصينية والإدارة العامة للجمارك إعلاناً عن تطبيق ضوابط جديدة على تصدير المواد المرتبطة بمعدني الغاليوم والجرمانيوم النادرين. أثار هذا الإجراء استياء غير مسبوق من العديد من البلدان الغربية. على سبيل المثال أعلنت وزارة التجارة الأمريكية عن «معارضتها الحازمة»، لتتبعها حكومات اليابان وهولندا وكوريا الجنوبية وألمانيا، وشركات مثل AXT الأمريكية وInfineon الألمانية. اعتبر الكثير من المحللين بأنّ «الحرب التجارية» قد بدأت بضرب عناصر الجدول الدوري، وبأنّ الخطوة الصينية هي «هجوم مضاد» على إجراءات تقييد الصادرات الغربية.

ترجمة: أوديت الحسين

يصل إنتاج الصين من المعادن وغيرها من المنتجات الصناعية الشبيهة إلى نصف الإنتاج العالمي، ويصل في بعضها إلى 90٪. هذه المساهمة الضخمة في الاقتصاد العالمي كانت قادرة على أن تدعم بقوة إنتاج مختلف الفئات الصناعية مثل أشباه الموصلات. مع تطور الاقتصاد والتكنولوجيا، يرتفع أيضاً طلب الصين على أنواع الموارد النادرة، ومن الطبيعي أن يتمّ تطبيق الرقابة على الصادرات، سواء أكان هناك صراع اقتصادي أم لا.

العالم الغربي يقوم غالباً بانتقاد الصين وتطورها الاقتصادي بنوع من قلّة الاحترام، ويتجاهل مساهمة الصين الهائلة، ويعتقد بأنّ المنتجات الصناعية ذات النوعية المرتفعة والسعر الزهيد تأتي من العدم. الحقيقة أنّ الصين وحدها في العالم يمكنها أن تقوم بشكل ممتاز بحلّ مشكلات التوريد للعديد من المنتجات الصناعية بالاعتماد على قدرتها الإنتاجية الضخمة ونظامها الصناعي الذي يصعب على الدول الغربية أن تحاكيه اليوم.

يبلغ حجم المعادن المكتشفة في العالم في عام 2021 قرابة 2.8 مليار طن. أكبرها هو خام الحديد بواقع 2.6 مليار طن. يبلغ حجم إنتاج المعادن الصناعية 181.6 مليون طن لتصل نسبته من المعادن عامة إلى 6.5٪. يبلغ حجم المعادن النادرة المستخدمة في التكنولوجيا مليون طن و475 ألفاً، أي فقط 0.05٪ من الإنتاج العام، ولكنّها شديدة الأهمية.

إذا ما نظرنا إلى كتلة المعادن الصناعية، سيتربع الألمنيوم في المركز الأول بـ 68 مليون طن، والكروم بـ 41 مليون، والنحاس بـ 21 مليون، والمنغنيز بـ 20 مليون، والزنك بـ 13 مليون، والتيتانيوم بـ 9 ملايين، والرصاص بـ 4.3 ملايين، والنيكل بـ 2.7 مليون، والزيركون بـ 1.2 مليون طن، والمنغنيز بـ 950 ألف طن... إلخ. تأتي كتلة المعادن التكنولوجيّة ثالثاً مع الموليبدينوم بـ 300 ألف طن، والقصدير بـ 300 ألف، والتنغستين بـ 79 ألف طن ... والغاليوم بـ 430 طن... والجرمانيوم بـ 178 طن...إلخ.

في عام 2022 بلغ الإنتاج العالمي للمعادن «غير الحديدية non-ferrous: جميع المعادن باستثناء الحديد والكروم والمنغنيز» 120 مليون طن، وكانت حصة الصين منها أكثر من النصف بمقدار 67.743 مليون طن «56٪». إذا ما أخذنا الألمنيوم، فقد بلغ إنتاج الصين 59٪ من إجمالي إنتاج الألمنيوم الخام، و43.1٪ من إنتاج الألمنيوم المعالج. يمكننا عند الاطلاع على بقيّة الأرقام أن ندرك بأنّ الصين هي المنتج الأكبر للمعادن غير الحديدية على مستوى العالم.

في 2022 كانت الصين تستهلك فقط 16٪ من إنتاج النفط العالمي، ولكنّها كانت تنتج 40٪ من منتجات الصناعات البتروكيماوية، ويُتوقّع أن ترتفع هذه النسبة إلى 50٪ بحلول 2030. كان إنتاج الصين من السيليكون في العام ذاته 6.308 مليون طن، ليشكّل 81٪ من إجمالي الإنتاج العالمي. من وجهة النظر الصناعية، تهيمن الصين على عناصر الجدول الدوري الأكثر استخداماً من الناحية الصناعية. ماذا إذاً عن المعادن النادرة؟

المعادن النادرة والوزن الاقتصادي والإستراتيجي

في السابق كان الرأي العام شديد الاهتمام بعناصر الأرض النادرة. انخفضت حصّة الصين من إنتاج المناجم للمعادن النادرة من حوالي 100٪ قبل 2021 إلى 60٪ بعدها. يظنّ البعض بأنّه منذ أن نفّذت الصين نظام ترخيص حصص تصدير معادن الأرض النادرة في أيار 2011 زادت حصّة إنتاج عناصر الأرض النادرة في الولايات المتحدة وميانمار وأستراليا ودول أخرى. لكن في عام 2022 ارتفع إنتاج المعادن النادرة الصينية إلى 300 ألف طن وانخفض إنتاج ميانمار بنسبة 65٪، ما أعاد حصة الصين إلى 70٪.

لكن بأيّة حال وبعيداً عن الإحصاءات، تتجه نوايا الصين إلى استيراد المزيد من عناصر الأرض النادرة لتقوم بمعالجتها. في 2018 تمكنت الصين من تحقيق هدف الوصول إلى أكبر مستورد لمعادن الأرض النادرة قبل أن تعود الولايات المتحدة لتصبح هي الأكبر في 2022. لكنّ تقنيات المعالجة ليست جيدة بما يكفي في الولايات المتحدة، ولهذا يجب إرسال المنتجات الخام إلى الصين لتنقيتها ومنح معادن عالية النقاء. في 2022 استوردت الصين 121500 طن من عناصر الأرض النادرة، وعالجت أكثر من 90٪ من هذه المنتجات في العالم.

لكن عند البحث عن السبب الذي يدفع الصين إلى هذه الإستراتيجية، فمن الواضح أنّ السبب ليس اقتصادياً، فكامل تجارة معادن الأرض النادرة لا تتخطى أكثر من عدّة مليارات من الدولارات، ولا أهميّة اقتصادية كبيرة لها بالمقارنة مع المعادن الأخرى مثل خام الحديد الذي يبلغ مئات مليارات الدولارات بين الصين وأستراليا وحدها. تركّز الصين على القيمة الإستراتيجية لمعادن الأرض النادرة، وقد أنشأت مجموعات صناعية يقوم عملها بشكل رئيسي على تنقية ومعالجة معادن الأرض النادرة. من وجهة نظر التأثير الفعلي، كان التأثير الصيني ملحوظاً حيث أدّى إلى زيادة كبيرة في القدرة الإنتاجية العالمية لمعادن الأرض النادرة، واعتمد على التكنولوجيا الصينية لتكرير ومعالجة المعادن النادرة التي دعمت بقوة تطوير العديد من الصناعات التكنولوجيّة حول العالم.

من هنا ندرك بأنّ الصين، إذا ما دعت الضرورة، قادرة على استخدام معادن الأرض النادرة كسلاح إستراتيجي رادع للدول والإجراءات العدوانية ضدها. إنّ بعض أنواع هذه المعادن النادرة – رغم توفرها بأحجام تصل إلى 200 ضعف الذهب – يصعب إنتاجها بشكل كبير، فهي تكلّف عشرات آلاف الدولارات مقابل الحصول على كيلوغرام واحد. وحدها الصين تمكنت من إتقان تكنولوجيا التنقية والمعالجة الفعالة لهذه المعادن.

نظراً لأنّ معادن الأرض النادرة ليست نادرة في الواقع، فمن المتوقع أن تقوم الولايات المتحدة ودول أخرى بالبحث عنها وتطويرها. من المرجح أن ينجحوا في إنتاج بعض الأنواع، ولن تكون التكلفة المرتفعة جداً في بعض الأحيان هي العائق الوحيد، بل صعوبة تحديد أماكنها وتغطيتها والوقت الذي تحتاجه. في العموم لا تميل الصين لتقييد تصدير المعادن الأرضية عالية النقاء كسلاح للهجوم المضاد، فتأثير ذلك سيكون مرة واحدة على الأرجح.

من هذا المنطلق قد يكون اللجوء إلى تقييد «خفيف ومدروس» هدفه فرض احترام الصين حول العالم. يمكن للولايات المتحدة أن تستخرج وتعالج معادن الأرض النادرة، لكنّ ذلك سيجعلها تخسر الكثير على المدى القصير والمتوسط. تُظهر ممارسات الاستيراد والتصدير والإنتاج في الصين أنّ السلسلة الصناعية الكاملة والقدرات التكنولوجية والقدرة الإنتاجية الضخمة هي أساس التنمية الاقتصادية. إنّ الحفاظ على استقرار سلسلة التوريد العالمية شيء تسعى إليه الصين، ولهذا هي تحتاج لبعض ضوابط التصدير من أجل مقاومة محاولات تخريب هذه السلاسل من قبل الولايات المتحدة وقيودها. الدول الأخرى والشركات العالمية وجميع أصحاب المصلحة يرون ذلك، وسيسعون دون شك إلى الحفاظ على مصالحهم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1132