أوروبا وبريطانيا بين الحاجة للصين والخوف من الاعتراف
Global Times Global Times

أوروبا وبريطانيا بين الحاجة للصين والخوف من الاعتراف

بالنسبة لألمانيا وفرنسا وأوروبا ككل، فأوّل زيارة رسمية خارجية لرئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ بعد إنشاء الحكومة الصينية، ليس مجرد رحلة للمضي قدماً في صداقاتهم التقليدية وتعميق تعاونهم، ولكنّها أيضاً مهمّة على مستوى كبير من الأهميّة. هذه الزيارة جاءت لتنفيذ مقترح الزعيم الصيني لتعزيز تنمية العلاقات بين الصين وأوروبا. كما يوفر فرصة نادرة لهم لاستبعاد التدخل الخارجي والداخلي، وفرز أفكارهم المعقدة والمتشابكة بشأن الصين. يجب على أوروبا ألّا تفوت هذه الفرصة. يجب التأكيد على أنّ هذا ليس ما يسمى بهجوم السحر الصيني ضدّ أوروبا، كما أنّ الصين لم تستخدم أوروبا على الإطلاق كـ «نقطة ضعف الغرب البيضاء» لاستغلالها. مثل هذا الخطاب يؤدي إلى تشويه الذات لدى بعض الأوروبيين والتقليل من شأنهم.

ترجمة: قاسيون

التقى الوفد الصيني مع الرئيس الألماني، وشارك في المشاورات الحكومية الدولية السابعة بين الصين وألمانيا مع المستشار أولاف شولتز. كان لهذا مع برنامج زيارة باريس أثر إيجابي، وأكثر مظاهر هذا التأثير مباشرة هو أنّ الرأي العام الأوروبي حيال الصين يصبح أكثر براغماتية وعقلانية، على المدى القصير على الأقل. قادة الأعمال هم أكثر المتحمسين. وقّع البلدان وفقاً للتقارير أكثر من 10 اتفاقيات تعاون في مجالات تشمل التصنيع المتقدم وحماية البيئة، وتوصلتا إلى مزيد من التوافق للتعاون في معالجة تغيّر المناخ وتعزيز التنمية الخضراء وأمور أخرى غيرها. لقد عززت هذه الرسالة ثقة الشعب في أنّ العلاقات الصينية الأوروبية والتعاون البراغماتي بين الجانبين لا يزال لهما آفاق مشرقة.

لا شكّ أنّ هناك خلافات بين الصين وأوروبا في بعض القضايا، بعضها مشكلات قديمة وبعضها جديد. العقبة الأكبر هي بلا شك على المستوى السياسي والإيديولوجي، ولن تستسلم بعض القوى المناهضة للصين حتى تواجه طريقاً مسدوداً. يجب أن نبذل قصارى جهدنا، ولكن يجب أيضاً أن نكون مستعدين تماماً لتعقيدات وتقلبات العلاقات الصينية الأوروبية الحالية والمستقبلية. في الأيام الأخيرة شدّت القوى المناهضة للصين في أوروبا خيوطها، ليس فقط لإحداث الكثير من الضجيج، بل أيضاً للبحث عن فرص لإحداث المتاعب.

بصراحة يخشى المسؤولون الحكوميون في العديد من الدول الأوروبية من وصفهم بأنّهم «متساهلون مع الصين». قد يضعهم هذا في موقف سلبي سياسياً، لذلك يختارون غالباً تلبية المشاعر الشعبوية بدلاً من الدفاع عن المصالح الوطنية. قد يتعين عليهم أيضاً تقديم تنازلات، الأمر الذي يخلق بلا شك صعوبات غير ضرورية للعلاقات الصينية الأوروبية. لتحقيق الاستقلال الإستراتيجي في أوروبا والتنمية الصحية للعلاقات الصينية الأوروبية، هناك حاجة إلى سياسيين وإستراتيجيين حقيقيين للتغلب على هذا المأزق وتجاوزه.

من الناحية النظرية، يمكن حلّ سوء التفاهم والمفاهيم الخاطئة في الغالب من خلال تعزيز الاتصالات والتبادلات، وهذا ينطبق أيضاً على العلاقات الصينية الأوروبية. خلال زيارة رئيس مجلس الدولة «لي» إلى أوروبا، شعرنا برغبة قوية من كلّ من الصين وأوروبا للتواصل والتبادل، وهو أمر مهم وأساس للاجتماع بين الجانبين في منتصف الطريق. قال رئيس مجلس الدولة لي: «الخطر الأكبر هو عدم التعاون، وأكبر خطر أمني خفي هو عدم التنمية». حظي هذا البيان باهتمام كبير في أوروبا. يمكن للعقلاء أن يدركوا بسهولة أنّ هذا يشير إلى موقف الجانب الصيني تجاه التنمية في العلاقات بين الجانبين.

يبدو أنّ أكبر مأزق لأوروبا ليس التعاون مع الصين، ولكن مكان وضع هذا التعاون. ومع ذلك، في الواقع بمجرد استبدال التعاون متبادل المنفعة بالتسييس الشامل، والإيديولوجيا الشمولية، والأمن الشمولي، سيؤدي ذلك حتماً إلى إلحاق ضرر جوهري ببيئة التعاون. والنتيجة النهائية ستكون المواجهة السياسية، والمعضلات الأمنية، والمنافسة الشرسة، وسيتم ضغط نطاق التعاون بشكل كبير، سواء أعجبنا ذلك أم لا، سيكون هذا محزناً للغاية، تحتاج أوروبا إلى معالجة المشكلة المعرفية المتمثلة في «إزالة المخاطر» من هذا المنظور، وأن تكون حذرة من استخدام المفهوم بشكل منحرف لتفكيك التعاون والاستقرار.

الصين تتغيّر وأوروبا تتغيّر، وكذلك العلاقات بين الصين وأوروبا. التغيير مطلق، ولا يوجد ما نخاف منه. العلاقة بين الصين وأوروبا لا تتعلق بالعودة إلى الماضي، ولا يمكن أن تعود إلى الماضي، ولكنها تتعلق بالمضي قدماً. يتطلب المضي قدماً جهوداً مشتركة من كلا الجانبين للسيطرة المستمرة على التغييرات، مع الاحتفاظ بالاختلافات والتعامل كأنداد، فمستقبل العلاقات الصينية الأوربية يستحق التطلع إليه.

المملكة المتحدة والخطوة للخلف والخطوة للأمام

هل تريد المملكة المتحدة التعامل مع الصين أم لا؟ يجب أن يكون هذا سؤالاً مباشراً، لكنّه ليس كذلك. رغم الحديث عن إقامة علاقات «بنّاءة» مع الصين، ففي السابق أعلن رئيس الوزراء ريتشي سوناك، الذي كان يحضر اجتماع مجموعة السبع في ناغازاكي، والذي كان في الأساس جوقة لمناهضة الصين، أنّ الصين تمثّل أكبر «تهديد» للملكة المتحدة من حيث الأمن الاقتصادي. تعتمد الحكومة البريطانية اللجوء المستمر للخطاب المعادي للصين لكسب التأييد لحكومتها فاقدة الشعبية، وذلك على الرغم من أنّ أفعالها لم تتبع كلماتها دائماً.

لطالما طاردت الحكومة البريطانية صفقة تجارية خيالية مع واشنطن، مع أنّ واشنطن لم تبدِ أيّ اهتمام جاد بمثل هذه الصفقة، حيث أدّى التحول الداخلي إلى الحمائية في أمريكا إلى استحالة التفكير في اتفاقيات التجارة الحرة، حتى مع الحلفاء. على مدى السنوات الثلاثة الماضية، أنتجت الولايات المتحدة قائمة من جانب واحد من الطلبات إلى المملكة المتحدة، وطالبت بفتح أسواقها للمنتجات الأمريكية، وخفض معاييرها التنظيمية، وبالطبع اتباع خط الولايات المتحدة بشأن الصين. ورغم قيام البريطانيين بكلّ ما طُلب منهم، فلم يتمكنوا سوى من الخروج خاوي الوفاض. لا يبدو أنّ هذا يخدم قضيّة «استعادة السيطرة» الذي وعدهم بها دعاة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عندما غادروا الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك يبدو أنّ المملكة المتحدة تريد احتلال مكان وسطٍ غامض، حيث تحتفظ بالحق في استعداء الصين، لكنها تريد على ما يبدو اختيار جوانب التعاون التي قد تناسبها بطريقة أو بأخرى. مع اكتساب الخطاب المعادي للصين نفوذاً سياسياً كبيراً، من الواضح أنّ رئيس الوزراء يفتقر إلى الإرادة السياسية للانخراط في أيّ مبادرة جادة مع بكين قد تكون في المصلحة الوطنية، خوفاً من حزبه ونواب البرلمان. إذا كانت المملكة المتحدة تريد الاستفادة من علاقاتها مع الصين، فعليها أن تكون مستعدة لاتخاذ خطوات جادة، والتوقف عن السماح لواشنطن بممارسة حق الوصاية على كلّ ما تفعله.

إنّ سياسة بريطانيا المنفصمة في التعامل مع الصين، ومفهوم «نحن بحاجة إليك، لكن لا يمكننا الاعتراف بذلك، ولا فعل أيّ شيء حيال ذلك» لا يقدّم أيّ مصلحة للبلد. إنّ العلاقة الصحية بين المملكة المتحدة والصين هي في مصلحة كلا البلدين، وقد حان الوقت لبريطانيا لإظهار سيادة حقيقية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بدلاً من أن تكون سجيناً أمريكياً، والذي لا يُسمح لها باتخاذ طريق مخالف لطريق سيدها الأمريكي.

بتصرّف عن:
Britain’s schizophrenic China policy means it doesn’t know what it wants

Europe shouldn’t miss the opportunity brought by the Chinese Premier

معلومات إضافية

العدد رقم:
1128
آخر تعديل على الأربعاء, 19 تموز/يوليو 2023 20:57