عودة «اليسار» إلى أوروبا!
بيتر ميرتنز بيتر ميرتنز

عودة «اليسار» إلى أوروبا!

في لقاء مع بيتر ميرتنز، الأمين العام «لحزب العمّال البلجيكي»، بدا بأنّ هناك فرصة كي يتطاير الرذاذ السميك الذي يغطّي أحزاب «اليسار» الأوروبية في العقود الأخيرة، وذلك بفعل الأزمات المستمرة وعدم القدرة على اتخاذ مواقف تتبع البوصلة الصحيحة من هذه الأزمات. يعني هذا بأنّه لا يزال هناك «يسار» في أوروبا يمكن أن يعود ويعبّر عن الطبقات المنهوبة. لنستمع لبعض أهمّ ما قاله ميرتنز.

ترجمة: قاسيون

 - ماذا عن تراجع اليسار وتصاعد الأحزاب العنصرية؟

كنّا نرى الكثير من التنظيمات المعادية للعنصرية في الجامعات وفي الأحياء، وكان ذلك شيئاً جيداً من حيث المبدأ. لكن استمرّت الأحزاب الفاشيّة بالنمو أكثر وأكثر، بينما كان اليسار في تراجع. كان ذلك مربكاً لأننا كنّا نصل الليل والنهار في محاولة محاربة الفاشية، لكن بالنسبة للناخبين لم تعنِ جهودنا أيّ شيء. بل على العكس، بقيت نتائجنا الانتخابية تحت عتبة 1٪، بينما كان الحزب الفاشي ينمو بنسب 20 و25٪ في شمال بلجيكا. القسم الأكبر من الطبقة العاملة الذين كانوا يصوتون للاشتراكيين الديمقراطيين بدأوا يصوتون للحزب الفاشي.
بدأ البعض في حركات مناهضة العنصرية والفاشية يلقون باللوم على الناس قائلين: «الناس الأغبياء». كان علينا البدء بالكفاح من أجل القول: «لا يمكن صرف النظر عن الناس والتحدث بالسوء عنهم». كان خصومنا هم من المنتمين «لليسار التحرري» غير المهتمين بالنضال الجماهيري. قلنا لهم إنّ علينا الذهاب ومناقشة مشكلات الناس وكسبهم مرّة تلو أخرى. عانت الطبقة العاملة من الفقر ومن العيش في مناطق تتصاعد فيها الجريمة ومن نزع السياسة من حياتهم. كنا نقول: «الذين يصوتون للفاشيين ليسوا هم العدو الحقيقي، سنذهب ونشرب البيرة معهم ونتحدث». علينا البحث في المقاهي وحانات الطبقة العاملة ومحاولة كسب الناس، وليس الجلوس في مقاهي «المثقفين» لمناقشة طبيعة الطبقة العاملة. نحتاج إلى التداول الفكري بالتأكيد، لكن هناك حاجة لإدخال الطبقة العاملة إلى النقاش. كان على عملنا السياسي أن يتغيّر وأن نفهم الأسباب التي دفعت الطبقة العاملة لاختيار الفاشيين كممثلين لهم وليس نحن، كان علينا أن ننظر في المرآة لنعرف ما هو الشيء الذي جعلنا منفصلين عن الناس.
بعض الأحزاب التي تسمي نفسها «يسارية» في أوروبا تقول بأنّ عليها أن تحاول الوقوف إلى جانب العمال محليي المولد ضدّ المهاجرين، أي بمعنى آخر تبني بعض أفكار الأحزاب الفاشية.
لا أظنّ أنّ محاولة المزج بين القومية والاشتراكية ستعطينا نحن أو العالم أي شيء قيّم. إنّ العودة للهوية القومية أو اللغة أو التقاليد لن يعطينا حلولاً للمشاكل التي تضرب أوروبا. الطبقة العاملة اليوم مقسمة، سواء في أماكن العمل أو على طول سلسلة التعاقد من الباطن، مثلما كان المتعاقدون الإيرلنديون من الباطن في إنكلترا عندما كتب فريدريك إنجلز دراسته عن مانشستر. العمّال في بلجيكا وأوروبا مقسمون اليوم، والمهمة هي توحيدهم لا تقسيمهم أكثر. عندما نتحدث مع الناس اليوم مخاوفهم واحدة: الأجور ومعاشات التقاعد والمناخ. كان الشعار في المناجم البلجيكية: «الجميع أسود في المنجم» فقد كان غبار الفحم يغطي أوجه جميع العمّال، بما في ذلك العمّال من ذوي الأصل التركي والإيطالي، العمّال الذين جلبوا معهم تجربتهم في الصراع الطبقي إلى بلجيكا.
هناك مشكلة في أننا نشعر أحياناً بأنّ علينا أن ننتج مناشير من ستّة لثمانية صفحات كي نقول فيها الحقيقة. هذا جيد ولكن لا يكفي. لدى العمّال تجربتهم الخاصة وكفاحهم الخاص ومواجهتهم مع أجهزة الدولة واختبارهم كذب الاشتراكية الديمقراطية. هذه هي العملية التي تحوّل وعيهم الطبقي. لا يكفي أن تقول الحقيقة، بل عليك أن تقنعهم وأن تكون داخل الصراع مع الجماهير.

 - العولمة أدّت إلى إغلاق الصناعات في مكان وفتحها في مكانٍ آخر، ما أدّى إلى استنفاذ خزان قوة الطبقة العاملة في أوروبا. كيف يجب التعامل مع الأمر؟

لقد استغرق بناء مؤسسات الصراع الطبقي: النقابات، في أوروبا جيلاً، ثمّ مع إغلاق الصناعات اختفت النقابات وامّحى تاريخها. في تلك المرحلة يمكنك فعل واحد من أمرين: أن تحنّ للذكريات، أو أن تبدأ منطلقاً من هذه الحقيقة المطلقة وتمضي للأمام في محاولة فهم الوضع الحالي للطبقة العاملة من أجل بناء تشكيلات جديدة.
خلافاً لما يقوله البعض، أنطونيو نيغري كمثال، لا تزال هناك طبقة عاملة كبيرة على طول أوروبا. ولهذا قلنا بنوع من الريادة في الحركة العمالية بأنّ علينا أن ندعم النقابات وأن نتعلّم كيف ننظّم القطاعات الجديدة. علينا أن نتعلّم تنظيم القطّاع غير الرسمي وعمّال المنصات وغيرها. لا يمكننا الاستسلام، علينا بناء المستقبل.

 - عندما بُنيت النقابات كان ذلك في أماكن عمل يقصدها آلاف العمّال. لكن على جيلنا أن يواجه أماكن عمل متشظية مع عقود من الباطن وأعمال غير رسمية. فما هو العمل؟

هذا جدال قديم حول ما إذا كان يجب تنظيم الناس في المعمل أو في الأحياء. ليس من السهل اليوم تنظيم العمّال في أماكن عملهم تبعاً لطبيعة الإنتاج المتناثرة وكامل إجراءات التعاقد من الباطن، لكن لا يزال أمراً شديد الأهمية. علينا العمل لتنظيم الطبقة العاملة في الأحياء وأماكن العمل، ففي كلتا الحالتين نقوم ببناء قوة الطبقة العاملة. نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كسلاح في يدنا وكمكان نعقد فيه المناقشات. نحن نتفق مع ماركس عندما قال: استخدموا أيّة تكنولوجيا، لأنّ التكنولوجيا ليست هي العدو، ولكن المشكلة كيف نستخدمها ولأيّ غرض. لدينا شبكات على واتس آب، نصنع أفلاماً قصيرة، نوزعها بمختلف الطرق على نطاق واسع على العمّال. لنأخذ مثالاً العمّال في مطار زافينتم في بروكسل. يأتي هؤلاء من مختلف أنحاء البلاد، ويعملون نوبات تبدأ وتنتهي في أوقات مختلفة. من الصعب أن نصل إلى هؤلاء العمال لذلك بنينا من أحياء الطبقة العاملة ثمّ حملنا التسييس إلى المطار نفسه.

 - ماذا عن الحرب في أوروبا؟

كنت أخشى أننا نعيد رسم ما جرى في أوائل القرن العشرين في أوروبا، عندما زجّت الشوفينية القومية بالاشتراكيين في الحروب العالمية. لكن حتّى مع الشعور المعادي لروسيا الذي يسود اليوم، هناك شعور باليأس من ارتفاع أسعار الطاقة. يشعر الكثير من الناس أنّ هناك شيئاً ما خطأ، وأن دعم حرب طويلة ليس مفيداً. كما أنّ هناك جميع أنواع الصراعات بين الرأسماليين، فالشركات الأوروبية تهتمّ بالفرص المتاحة في الصين وفي روسيا. مثال: لأسباب جيو-إستراتيجية تطيع حكومة ألمانيا الولايات المتحدة. لكنّ المدير التنفيذي لشركة BASF – وهي الشركة الألمانية التي كانت جزءاً من بناء السيل الشمالي 2 – كان عليه أن يبتلع كراهيته للسياسة الألمانية تجاه روسيا. يتعين على ألمانيا قطع مصالحها الكبيرة في الصين بسبب الولايات المتحدة. تفتح هذه الصراعات بين الرأسمالية مجالات نقاش نحتاج إلى خوضها بطريقة عقلانية وطبيعية. كمثال، قطع جميع العلاقات مع الصين سيكون أمراً سيئاً للغاية بالنسبة للاقتصاد الأوروبي. تسببت القطيعة مع المشتريات الروسية من الطاقة في مشكلات خطيرة بالفعل. يتساءل الناس اليوم عمّا حدث لأوروبا المستقلة؟

بتصرّف عن:

The Requirements of the European Left

معلومات إضافية

العدد رقم:
1110
آخر تعديل على الإثنين, 20 شباط/فبراير 2023 09:49