_

الرأسمالية فشلت.. ماذا بعد؟ (2)

لم تكن النيوليبرالية، بوصفها أيديولوجيّة اقتصادية، فعّالة بتعابير السياسات الاقتصادية تبعاً لعدم نجاحها في تعزيز النمو. فمثلها مثل الاقتصاد النيوكلاسيكي بحدّ ذاته، سعت إلى إنكار (أو تبرير) واقع هيمنة الأعمال الكبرى وتركّز السيطرة. لكنّها رغم ذلك قد أدّت بشكل فاعل دورها كإستراتيجية اقتصاديّة-سياسيّة لصالح الأعمال الكبرى وطبقة المليارديرية الناشئة، في العصر حيث سعى رأس المال المالي الاحتكاري إلى إحكام السيطرة على جميع التدفقات النقديّة في المجتمع.
جون بيلامي فوستر
تعريب وإعداد: عروة درويش

رغم أنّ الاقتصادات الرأسمالية استمرّت بالركود مع معدلات نمو متناقصة عقداً تلو عقدٍ، فقد استمرّ فائض رأس المال بالازدياد في أيدي أثرياء الشركات. علاوة على ذلك، وبفضل الأَمْوَلة «وهي التحوّل النسبي في الاقتصاد من الإنتاج إلى التمويل» والعولمة والثورة التكنولوجية الرقمية، فإنّ صيغاً جديدة من تكديس الثروة قد نشأت. لقد فتحت الأَمْوَلة آفاقاً جديدة واسعة للمضاربة وتكوين الثروات، تمّت إزالتها نسبياً من استثمار رأس المال في القدرات الإنتاجية الجديدة «أي من تراكم رأس المال الحقيقي».

في عهد الاستيلاء الجديد.. كلّ شيء عرضة للاختطاف

لم تعنِ العولمة أسواقاً جديدة وحسب، بل الأكثر أهمية من ذلك أنّها عَنَت، عبر «موازنة العمالة العالمية»، الاستيلاء على فائض اقتصادي ضخم جرّاء الاستغلال المفرط للعمالة منخفضة الأجر في الأطراف، والذي انتهى به الأمر في الخزائن الحديدية للشركات متعددة الجنسيات والأفراد الأثرياء في الدول الثريّة. لم تعد منافع الإمبريالية بالنسبة للعمّال في مركز الاقتصاد الرأسمالي تشمل المكاسب الحديّة «incremental gains» في التوظيف والدخل المرتبطة بالهيمنة على الإنتاج العالمي، بل باتت بأفضل الأحوال تساهم في أثمانٍ أَزْهَد من استعانة الشركات متعددة الجنسيات بمصادر إنتاج خارجية، وهي التي يرمز لها بنمو والمارت. وفي الوقت ذاته خلقت التكنولوجيا الرقمية قاعدة لرأسمالية المراقبة المعولمة، حيث يتم شراء وبيع المعلومات للسكان، يدفعهم لذلك بشكل رئيس «جهد المبيعات»، ممّا يؤدي لخلق احتكارات هائلة في تكنولوجيا المعلومات.
تمّ تبرير الزيادة الهائلة في اللامساواة وفي تركّز الثروات بأنّه حصيلة الابتكار، واعتُبرت دوماً كحصيلة لجهد القلّة بدلاً من كونها منتجاً جمعياً للمجتمع. وفي عهد الاستيلاء الجديد، كان كلّ شيء عرضة للاختطاف: التعليم والأنظمة الصحية والنقل والإسكان والأرض والمدن والسجون والتأمين والتقاعد والغذاء والترفيه. كان على جميع التبادلات في المجتمع أن يتم تسليعها وتسليمها للشركات وأَمْولتها، مع تدفق الأموال إلى المراكز المالية وتغذية المضاربات على مكاسب رأس المال، والتي تم الاستيلاء عليها عبر الدين. كان على التواصل البشري بذاته أن يتحول إلى سلعة، وجميع هذا باسم السوق الحرّة.
كانت الإستراتيجية ناجحة بشكل هائل بالنسبة لأصحاب السطوة. لم تكن الرأسمالية يوماً متعلقة بثراء الدول، وذلك رغم أقوال آدم سميث، بل تتعلق بثراء الطبقة الرأسمالية. تدبرت عملية التحوّل لرأس المال المالي مقاومة الميل إلى الركود الاقتصادي إلى حدّ ما، لكن مع تكلفة أزمات مالية دورية محشورة في دورة الأعمال الطبيعية. ورغم ذلك فقد تسارع تراكم الثروة في الأعلى، وحتّى الأزمات المالية نفسها قادت إلى تراكم ومركزة مالية أكبر. في هذه الحال اعتمدت النيوليبرالية- بشكل متزايد- منطق الاستيلاء والتراكم المالي.

حالة طوارئ كوكبية

كما كانت الدولة موضوعاً لسياسات الأَمْوَلة، فتم تحويل دورها بالكامل لحماية قيمة النقود. في الأزمة المالية 2007-2009، تم تقريباً إنقاذ جميع الشركات والمصارف الكبرى، بينما لم يتم إنقاذ الشعب. فبدلاً من أن تمثّل الأزمة المالية معاناة النيوليبرالية ذاتها فقد منحتها المزيد من الزخم، ممّا يعكس حقيقة أنّ السياسة النيوليبرالية أصبحت هي التعبير الأيديولوجي عن نظام شامل للاستيلاء المالي.
إنّ سمة العصر الجديد للتراكم المالي، هي أنّها تزيل بشكل متزايد حقائق الإنتاج والقيمة الاستعمالية، لتشدد الصراع بين القيمة التبادلية (شكل القيمة) والقيمة الاستعمالية (الشكل الطبيعي) داخل الإنتاج الكلي وعملية التراكم. والنتيجة هي «حالة طوارئ كوكبية بيئية واجتماعية». يبدو هذا واضحاً بشكل جلي في التدمير السريع للبيئة الطبيعية. تمّ إدخال الوقود الأحفوري بوصفه أصولاً مالية في دفاتر حسابات الشركات، حتّى عندما يوجد فقط على شكل احتياطيات مدفونة في الأرض. وبهذه الطريقة فهي متكاملة مع كامل عملية التراكم المالي للرأسمالية الاحتكارية. وهكذا ترتبط تريليونات الدولارات من أصول وول ستريت برأس المال الأحفوري. ضاعف هذا صعوبات الانتقال من الاستخراج واستخدام الوقود الأحفوري إلى البدائل الأكثر استدامة، مثل: طاقة الشمس والرياح. لا أحد يملك إشعاع الشمس أو الريح، ولهذا فهنالك نقص في الاهتمام الحقيقي بتطوير صيغ الطاقة هذه. في ظلّ الرأسمالية اليوم، وذلك أكثر من أيّ وقت مضى، تُملي الأرباح المستقبلية والحالية كلّ شيء، وذلك على حساب الناس والكوكب. يفرض كلّ هذا التدمير للأرض القوّة الساحقة الظاهرة لمجتمع السوق.

الدولة واقتصاد السوق

لطالما عارضت النيوليبرالية بشكل مباشر مبدأ «الحرية الاقتصادية»، حيث ركّزت بثبات على علاقة قويّة وتدخليّة وبناءة بالدولة، لوضعها في الخدمة المباشرة لرأس المال الخاص والسلطوية السوقية، أو ما أطلق عليه جيمس غالبريث لفظ: «الدولة المفترسة». لقد عنى هذا إعادة نمذجة الدولة والمجتمع على شاكلة الشركات أو السوق. وكما صاغ فوكو الأمر: «إنّ مشكلة النيوليبرالية هي في إعادتها نمذجة كامل الممارسة السياسية وفقاً لمبادئ الاقتصاد السوقي». لا يجب على الدولة أن «تصحح الآثار التدميرية للسوق حيث يقع كامل العبء على المجتمع»، بل تقوم عوضاً عن ذلك باستغلال هذه الآثار التدميرية لفرض إجراءات أخرى لتوسيع مدى وصول السوق. لا يتمثل الهدف في تجاوز الدولة تماماً، بل فقط تكبيلها بالنهايات الاحتكارية- التنافسية لرأس المال.
إنّ الأصفاد التي فرضت على الدولة النيوليبرالية التي يهيمن عليها رأس المال المالي الاحتكاري مصممة بشكل خاص لتحجيم أيّة تغييرات قد تؤثّر بشكل سلبي على قيمة النقود. ولهذا تمّ وضع كلتا السياستين النقدية والمالية بشكل متزايد خارج نطاق سطلة الحكومة نفسها. تحوّلت البنوك المركزية إلى فروع مستقلة إلى حدّ كبير عن الدولة، يتم تصفيد وزارات المالية بسقوف الدَّين. تتم السيطرة على الوكالات التشريعية من خلال القوانين ورأس المال الاحتكاري- المالي ووضعها في خدمة الشركات خارج السطوة الحكومية.
إنّ نتيجة مثل هذه المحاولة لإنشاء ما يدعى بمجتمع السوق ذاتي التنظيم– وهو أمر يتطلب في حقيقة الأمر تدخلاً مستمراً من قبل الدولة بالنيابة عن رأس المال وخلق الدولة المفترسة– هو تقويض جوهر المجتمع والحياة نفسها. لكنّ الرأسمالية اليوم تختزل الشعب إلى «رأس مال بشري» والطبيعة إلى «رأس مال طبيعي»، الأمر الذي جعل من السياسات النيوليبرالية سِمةً لا رجعة فيها لرأس المال الاحتكاري. ولهذا لا يمكن أن تحلّ محله إلّا سياسة مناهضة للرأسمالية.

الفاشية نتيجة حتمية للنيوليبرالية

لهذا فإنّ النيوليبرالية قد أصبحت مندمجة في النظام في سياق الأزمة الهيكلية للرأسمالية في طور التمويل- الاحتكاري المعولم. وهذا المنطق اللاعقلاني لا يؤدي فقط إلى كارثة بيئية واقتصادية، بل إلى نهاية الدولة الديمقراطية- الليبرالية ذاتها. إنّ النيوليبرالية تصل بشكل حتمي إلى السلطوية وحتّى إلى الفاشية الجديدة. وكما أعلن ميسس نفسه (رائد النيوليبرالية الأول) في 1927: «لا يمكننا أن ننكر بأنّ الفاشية والحركات الشبيهة في اليمين تهدف إلى إنشاء دكتاتوريات لديها أفضل النوايا، وعليه فإنّ تدخلهم في الوقت الحاضر قد أنقذ الحضارة الأوروبية. إنّ الميزة التي ربحتها الفاشية لنفسها سوف تعيش إلى أبد التاريخ». ويمكننا أن نرى الرائد الآخر للنيوليبرالية هايك، وهو يعلن في زيارة إلى دكتاتور تشيلي بينوتشيه في 1981: «قد تكون الديكتاتورية ليبرالية في سياساتها أكثر من مجلس ديمقراطي».
باختصار، النيوليبرالية ليست مجرّد نموذجٍ يمكن الاستغناء عنه، ولكنّها تمثّل الميول المطلقة للنظام في عصر التمويل الاحتكاري. وبالاعتماد على مقاربة «مبدأ ميداس»، فلا يمكن للرأسمالية أن تنتهي وحدها إلّا بعد تدمير كلّ شيء اتصلت به في الوجود. ويبقى السؤال: ماذا بعد؟

ماذا بعد؟

تحدّث هوبزباوم في عام 1994 حول الخطر غير المشكوك فيه الذي كان قائماً منذ حينه، فتحدّث عن أنّ الإيمان الأعمى باقتصاد يخصخص الموارد بشكل كلي عبر سوق غير مقيدة أبداً، في ظروف منافسة غير محدودة تقوم بها الشركات المتركزة بشكل كلي، وأن من المخاطر الرئيسة لمثل هذا النظام هو احتمال وقوع عواقب وكوارث على البيئة الطبيعية لا يمكن عكس تأثيراتها، ويشمل هذا البشر الذين يشكلون جزءاً من هذه البيئة. تمّ انتقاد موقف هوبزباوم في ذلك الوقت حتّى من قبل العديد من اليساريين بأنّه مفرط في «التشاؤم» فيما يخص التطور الرأسمالي. لكننا اليوم وبعد ربع قرن على ذلك الحديث، نرى بأنّ مخاوفه وكلماته قد تحققت بشكل كلي.
ورغم كلّ هذا فلا تزال مقاربة فشل الرأسمالية كنظام كلي نادرة، في مقابل الانطلاق من أنّ النيوليبرالية هي المشكلة فقط. أدّت الأسطورة المتكررة لمجتمع السوق المنظم ذاتياً إلى خروج حركات دفاعية لحماية المجتمع والبيئة. قاد هذا إلى تغذية الأمل بإمكانية عودة الزمن إلى الوراء من جديد، ليؤدي إلى نمط أكثر إيجابية من الليبرالية أو الديمقراطية الاشتراكية. أدام هذا الأمل الاعتقاد بإمكانية مقارعة الرأسمالية غير المنظمة الفاشلة عبر العودة إلى رأسمالية منظمة، أي: إلى عصر كينزي جديد، كما لو أنّ التاريخ وقف ثابتاً دون حراك.
إنّ الآمال التي تبثها مثل هذه الحركات، تقوم على إنكار أربع حقائق مادية. الأولى: أنّ الديمقراطية الاشتراكية قد وجدت في ظروف التهديد الفعلي الذي شكله قيام مجتمعات اشتراكية حقيقية والدور الفاعل للنقابات، وزالت بسرعة بعد زوال كلا هذين الأمرين. ثانياً: باتت النيوليبرالية اليوم متأصلة في الرأسمالية نفسها في طور رأس المال المالي الاحتكاري. ثالثاً: كانت الديمقراطية الاشتراكية معتمدة بشكل عملي على النظام الإمبريالي الذي يناقض مصالح غالبية البشر. رابعاً: الدولة الديمقراطية- الليبرالية حيث طبقة الرأسماليين الصناعيين المتنورين المهيمنة ترغب بالدخول في اتفاق اجتماعي مع العمّال، هي إلى حدّ كبير من مخلفات الماضي ولم يعد لقواعدها الهيكلية وجود على الإطلاق.
وحتّى عند وصول الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية إلى السلطة في مثل هذه الظروف، واعدة بالعمل ضمن إطار النظام وخلق رأسمالية أنعم وألطف، فهي تقع فريسة لقوانين الحركة الرأسمالية في طورها هذا. وعلى جانب ما يسمّى «اليسار الليبرالي»، فقد تبنى البعض مقاربات عصرنة تكنولوجية واسعة النطاق، متجاهلاً إلى حدّ كبير العلاقات الاجتماعية. فهم يفترضون بشكل ضمني بأنّ الحتمية التكنولوجية والتقنية الرقمية والهندسة الاجتماعية والإدارة الليبرالية الحكيمة، سوف تكون لها اليد الطولى. فهؤلاء يرون بأنّ الاستبداد الرأسمالي المتمثل بالنيوليبرالية يشير لكارثة لا نهاية لها، لكن يمكن للرأسمالية أن تتحوّل من الأعلى لمقارعة الأوضاع الطارئة حتّى لو عَنَى هذا تهميش الأرباح والتراكم، وذلك بما يتفق مع الضرورات التكنولوجية الملحة الحالية. بالنسبة لهذا الرأي فإنّ ما سيتبقى من هذا النظام هو: الأطر العادية للشركات والأسواق التي تخلو من أيّة طبقة أو حافز استحواذي، بل مجرّد محركات كفاءة. فكما كتب يورغن راندرز فإنّ الرأسمالية المعدلة ستكون نظاماً حيث سيوضع النفع الجماعي فوق مصلحة الفرد وحيث سيدار بشكل حكيم من التكنوقراط وستكون سمته ديمقراطية أقل وحرية سوقية أقل.
لكن ومن الواضح، وبعد مضي مجرّد سبعة أعوام على أقوال يورغن راندرز بأنّ هذه التوقعات خاطئة. فخلافاً لعام 2012 عندما بدا بأنّ الدولة الليبرالية الديمقراطية مستقرّة بالكامل كانت الآمال معلقة على الحلول التكنوقراطية لمشاكل المناخ، فنحن اليوم في سياق تغيّر متسارع للمناخ، وركود اقتصادي مستمر واضطرابات سياسية وعدم استقرار جيوسياسي.. إلخ، بتنا نعلم تماماً أنّ هذا الخيار ليس مطروحاً بعد الآن.

الصراع والتغيير: حقيقة تاريخية مؤكدة

محاولات التنبؤ بالتاريخ لم تكن يوماً سوى أمرٍ قاسٍ، فنحن بحاجة لوجهة نظر دياليكتيكية. لا يمكن وضع سيناريو مؤكد للتاريخ، والأمر الوحيد المؤكد فيما يخصّ التغيرات التاريخية، هو: الصراع الذي يدفعها قدماً ويضمن سِمتها المتقطعة. إنّ تحقق الانهيارات والانفجارات هو أمر حتمي، ليهيئ العالم لأجيال جديدة مختلفة عن السابقة. يُظهر التاريخ العديد من الأنظمة الاجتماعية التي وصلت إلى الحدود القصوى في قدرتها على تكييف علاقاتها الاجتماعية التي تسمح بالاستخدام الرشيد والمستدام لتنمية القوى الإنتاجية. ولهذا فإنّ الماضي البشري تتخلله فترات من الانحدار تليها ثورات تسرّع التاريخ وتكتسح كلّ ما قبلها.
هل يمكن لمثل هذا التسارع الثوري، وإن كان ذلك على نطاق أكبر من أيّ وقت مضى، أن يحدث في القرن الحادي والعشرين؟ قد يجيب المعلقون المرتبطون بالمؤسسة المهيمنة على النظام الإمبريالي العالمي بلا، ولكن ذلك فقط بسبب خبراتهم ضيقة الأفق ونظرتهم المحدودة إلى التاريخ. فالثورات تستمر باجتياح أطراف النظام العالمي، وهي الآن لم تعد تخمد جرّاء التدخلات الإمبريالية الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
إنّ النتيجة المباشرة للعلاقات الاجتماعية الرأسمالية، هي: أنّ التغيرات المادية التي تواجه البشرية الآن هي أكبر من أيّ شيء قد شهدته من قبل، لتدلل على تراكم للكوارث على طول التراكم الرأسمالي. إنّ مئات ملايين البشر ضمن هذه الظروف غارقون اليوم في الكفاح ضدّ النظام، ممّا خلق القاعدة اللازمة لحركات عالمية جديدة تتجه نحو الاشتراكية.
قد يقول قائل بأنّه تمّت تجربة الاشتراكية وفشل الأمر ولم تعد اليوم موجودة كبديل. لكن مثل: محاولة إنشاء الرأسمالية في المدن- الدول الإيطالية في العصور الوسطى، والتي لم تكن قويّة كفاية للنجاة وسط المجتمعات الإقطاعية التي تحيط بها، فإنّ فشل التجربة الأولى للاشتراكية هو بمثابة تبشير بولادة لأخرى جديدة في نهاية المطاف، تكون أكثر ثورية وتتعلم من أخطاء الأولى. وحتّى في الفشل، تتمتع الاشتراكية بميزة على الرأسمالية: فهي مدفوعة بطلب «الحرية بشكل عام» المتجذرة في المساواة الجوهرية والتنمية البشرية المستدامة، لتعكس تحديداً تلك العلاقات الاجتماعية الجمعية التي نشأت بفعل الضرورة التاريخية والنضال الذي لا ينتهي من أجل حرية الإنسان، وهو ما بات أساسياً من أجل نجاة الإنسان في وقتنا الحالي.

الحل موجود.. مناهضة الرأسمالية

بمجرّد أن تصبح التنمية البشرية المستدامة المتجذرة ليست في القيمة التبادلية بل بالقيمة الاستعمالية وبالحاجات البشرية الأصيلة، هي من يعرّف التطور التاريخي والمستقبل الذي يبدو لنا اليوم وكأنّه مغلق، فسينفتح هذا التاريخ بطرقٍ لا تُعد ولا تُحصى، سامحاً لأشكال جديدة وأكثر نوعية وجمعية أن تتشكل. يمكن رؤية ذلك في نوع الإجراءات العملية التي يمكن اتخاذها، ولكن المستبعدة تماماً في ظلّ أسلوب الإنتاج الحالي. ليس ما يعيق ويقف في وجه التحكم الديمقراطي بالاستثمار وإشباع الحاجات الأساسية هو الاستحالة المادية أو نقص الفوائض الاقتصادية. ليس النقص في الوسائل المعرفية التكنولوجية هو ما يمنع التحولات البيئية الضرورية لصيغ طاقة أكثر استدامة. ليس انقساماً فطرياً في الإنسانية هو ما يعيق بناء عالم جديد من الشعوب ضدّ الرأسمالية والإمبريالية والحرب. إنّ جميع هذه الأمور في متناول يدنا، لكنها تتطلب اتّباع منطقٍ يُناهض الرأسمالية.

آخر تعديل على الإثنين, 25 شباط/فبراير 2019 12:46
(0 أصوات)