عمال صناعة الجلديات بطالة موسمية وأمراض مهنية
هاشم اليعقوبي هاشم اليعقوبي

عمال صناعة الجلديات بطالة موسمية وأمراض مهنية

ما إن بدأ تدفق البضائع الجلدية الأجنبية إلى الأسواق السورية حتى تباطأت عجلة الإنتاج الوطني وأغلقت أغلب المشاغل أبوابها بوجه العمال دافعة بهم لبطالة إجبارية لم يرغب أصحاب القرار الاقتصادي التكهن بانعكاساتها الكبرى.

يشتغل عشرات ألوف العمال في الصناعات الوطنية الجلدية من أحذية وحقائب وأحزمة جلدية معتمدين على أجور تؤمن لهم الحد الأدنى من المعيشة الكريمة، طبعاً هذا الحال كان قبل حدثين أساسيين. أولهما: تبني حكومات الألفية الراهنة للسياسات الاقتصادية الليبرالية، والتي أعطت الضوء الأخضر لرأس المال التجاري باستيراد المنتجات الأجنبية وإدخالها للسوق السورية دون أدنى مسؤولية اتجاه المنتج المحلي الذي يشتغل به جيش من العمال، يعيلون أسرهم التي لا تملك غير أجر رب الأسرة الذي امتهن هذا النوع من العمل واستمر به واعتمد عليه، فحقق له الاستقرار النسبي كون منتجات هذه الصناعات قد وجدت  تصريفاً مستمراً لمنتجاتها عبر السوق المحلي ومن خلال تصدير كميات أخرى لدول عديدة.

لكن مع دخول المنتج الأجنبي، وبالأخص المنتج الصيني الذي اُغرق السوق به عبر تجار الاستيراد من أحذية وحقائب وأحزمة، وجد المنتج المحلي نفسه في منافسة غير متكافئة على الإطلاق، كون المنتج الصيني أرخص ثمناً وأكثر تنوعاً بالأصناف والألوان ودرجات الجودة المتعددة، فخسر المنتج المحلي سوقه الأساسي، وبدأ الصناعيون بإغلاق مشاغلهم الصغيرة والمتوسطة فيما ذهب الصناعيون الكبار (معامل حلب) إلى محاولة التكيّف مع الواقع الجديد من خلال اعتمادهم على إنتاج بضائع ذات جودة عالية يدفعون بها للأسواق المحلية والأسواق الخارجية.

كما تم تكثيف العمل وضغط التكاليف على حساب أجور العمال الذين بدأت أجورهم تنخفض وساعات عملهم تزيد وتتكثف، ولم يستطع أصحاب المشاغل الصغيرة والمتوسطة أن يحذوا حذو الكبار، فأخذت هذه المشاغل تغلق تباعاً، وهذه الظاهرة لم تكن تخفى على أحد في ريف دمشق وعشوائياتها، فهام العمال على وجوههم لا يجدون للعمل سبيلاً، وأما من بقي في عمله فوقع ضحية الخلل الكبير بين العرض والطلب ليشتغل مجبراً ضمن شروط قاسية وأجر أقل بالتوازي مع سياسات رفع الدعم عن المواد الأساسية التي انتهجتها حكومات الليبرالية الاقتصادية، فزادت الطين بلة وزادت العاملين فقراً .

أما الحدث الثاني: فكان تفجر الأزمة السورية الشاملة التي كان لها تداعياتها الاقتصادية، فدمرت المعامل الكبرى وخرجت المشاغل المتواجدة في الأماكن غير الآمنة و(ما أكثرها) عن الخدمة وليتعطل المئات من العمال عن العمل وينضموا لأقرانهم في طوابير البطالة.

الأزمة ورفع الدعم   

لم تبق الكثير من المشاغل والورش في طور الإنتاج حالياً فيما اقلعت بعض المعامل الكبرى وخاصة معامل الأحذية في حلب وأيضاً ضمن ظروف شديدة الصعوبة، وكالعادة الخاسر الأكبر هم العمال الذين يتحملون استمرار ممارسات الحكومة وقراراتها التي تفقرهم وممارسات رب العمل التي تستغلهم، وتسحب ما أمكنها من أجورهم، زد على ذلك ساعات العمل الطويلة وغياب أي حقوق تحميهم وتعزز صمودهم المعيشي.

مواد كيماوية!

إذا ما ذهبنا لمعرفة واقع عمال المشاغل والحقائب الجلدية، فنجد بأنهم مجرد عمال موسميين يشتغلون حسب حركة البيع في الأسواق غير النشيطة وغير المستقرة فتراهم يشتغلون لشهر أو أكثر بقليل وليتعطلوا مثلها فيما بعد، وأغلب هذه الورش والمشاغل منتشرة في العشوائيات أو الأقبية ضمن السكن المنظم مما يعرض العمال لأمراض مهنية وغالباً الأمراض الصدرية والتنفسية، حيث لا أنظمة تهوية لمكان العمل ولا بديل عن التعامل مع المواد الكيماوية الموجودة بشكل خاص في المادة اللاصقة (الشعلة)، ليتنشق العامل رطوبة المكان وسمية المواد، وكون هؤلاء العمال غير منظمين فلا تأمين صحياً لهم ولا تعويضات، ولا حتى إصابة عمل، فصحتهم المهدورة يجنيها صاحب العمل كأرباح ولا من معوض لهم أو ضامن لعلاجهم أو عجزهم.

ضرورة الإنتاج والتشغيل 

تحتاج الكثير من الصناعات الوطنية لاهتمام خاص لأنها ذات أهمية كبرى، ومنها الصناعات الجلدية لما تملكه من مقومات موجودة أهمها العمالة المهنية المتدربة، ويمكن لهذه الصناعة أن تلعب دوراً بالاقتصاد السوري من خلال قدرتها على جمع ميزة الجودة العالية والسعر المنافس وتغطية السوق المحلية، ناهيك عن إمكانية تصدير فائض منتجاتها لتؤمن القطع الأجنبي، وكما أن لها دوراً كبيراً في تشغيل مئات آلاف الأيدي العاملة الخبيرة منها والمستجدة.

 السياسات الحكومية المتبعة والتي تصر عليها حكومة اليوم والأمس، ما زالت مستمرة في إضعاف حركة الإنتاج الصناعي الوطني من جهة وإفقار الطبقة العاملة من خلال سياسات نقدية تضر بالإنتاج الوطني، وعداوتها لمسألة الدعم المباشر للمواد الأساسية لمستلزمات الإنتاج  كالمحروقات، ومن المهم أيضاً التحرك الممنهج والمسؤول للنقابات في رسم رؤية واضحة للوصول لعمال القطاع الخاص غير المنظم وتبنيها لهم والدفاع عن حقوقهم التي طالت غربتهم وكثرت مظالمهم وتركوا بلا سندٍ أو نصير.