لا يمكن العودة إلى الوراء (1)
مروة صعب مروة صعب

لا يمكن العودة إلى الوراء (1)

في سبعينيات القرن الماضي أجريت العديد من التجارب الاجتماعية لتحديد علاقة وتصرف الأفراد تجاه بعضهم. منها تلك التي قام بها ليي روس وهو باحث في جامعة ستانفرد.

في إحدى التجارب قام ليي روس بالطلب من المشتركين ارتداء لوحة إعلانية في حرم الجامعة ثم سألهم إذا كانوا يعتقدون أن غيرهم من الطلاب سيقوم بارتداء اللوحة الإعلانية إذا طلب منهم ذلك. اعتقد حينها معظم المشاركين أن غيرهم سيفعل ذلك، وكانت خلاصة هذه التجارب بالنسبة لروس أن الأفراد يعتقدون أن غيرهم يفكر مثلهم وأنهم سيقومون بالأفعال ذاتها. زبدة الخلاصة ليست أن الأفراد يعتقدون أنهم وغيرهم يحملون المعتقدات ذاتها بل هي أن الأفراد يقومون بالأفعال التي تعتبر مقبولة اجتماعياً. لو أنهم يعتقدون أن غيرهم لن يقوم بهذا الفعل لما قاموا به.
تجارب أخرى كانت تأكيداً على ذلك. منها التجارب التي قامت بدراسة لماذا لا يتدخل الأفراد في الدفاع عن غيرهم. مثلاً حادثة المطاردة والطعن لحد القتل التي حدثت في لبنان منذ بضعة أعوام حول أفضلية المرور، والتي لم تكن الأولى ولا الأخيرة. تم تصوير هذه الحادثة ونشرها على القنوات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، ويشاهد في الفيديو سيدة تطلب المساعدة وتناشد أي شخص بالتدخل بينما يقوم المعتدي بطعن مرافقها. لم يتدخل أي شخص للمساعدة. تسمى هذه الظاهرة (عدم التدخل لمساعدة شخص يعتدى عليه) بتأثير المتفرج. ويعتقد أن لتأثير المتفرج عوامل أساسية وهي أن المتفرج لا يعتبر أنه المسؤول الوحيد عن الدفاع، لذا يتشارك المسؤولية الأخلاقية والملامة مع غيره من المتفرجين، كما يعتقد المتفرج أن غيره سيقوم بفعل الدفاع أو أخد الخطوة الأولى فينتظر أي مبادر. إضافة إلى تقدير اللحظة والمشهد، إذا لم يقم الآخرون بأي خطوة تجاه الذي يحصل يعني أن هذا غير مقبول اجتماعياً، بالتالي ينشأ الخوف من الانتقاد الاجتماعي. بالعام تعود هذه الأسباب إلى الخوف من الانتقاد الاجتماعي ورفع المسؤولية الشخصية عن الذي يحصل.
في نفس الاتجاه تقول لنا نظرية العقل أن الأطفال لا يدركون أن غيرهم يفكر ويشعر ويتفاعل مع الأحداث مثلهم. ومع تقدمهم في العمر وتعاطيهم وتفاعلهم مع محيطهم يدركون أن الغير أيضاً يفكر ويشعر ويتفاعل بطرق شبيهة أو متفاوتة. من هنا يدرك الأطفال أنهم جزء من مجتمع أكبر من محيطهم الضيق وأن تفكيرهم مرهون به ومتداخل معه.

الاستغراب سيد الموقف

يتفاعل الأفراد مع الأحداث بطرق متفاوتة بحسب محيطهم وموقعهم الاجتماعي والسياسي الذي وضعوه لأنفسهم أو الذي وضع لهم، وشخصيتهم وهامش تمردهم ومستوى خوفهم العام. وفيما يحدث في فلسطين والمنطقة غلبة لثلاث تفاعلات. الأولى هي المعرفة، هؤلاء هم المتمردون الذين يملكون ذاكرة جيدة تستطيع قراءة المشهد السياسي وكانت تعلم أن الأمور ستصل إلى هذا الحد وأكثر من هذا. التفاعل الثاني هو الاستغراب، العديد الأكبر من البشر مستغربة مما يقوم به احتلال دام عالمياً رسمياً 75 عاماً، ونظام عالمي استعمر أكثر من نصف دول العالم وصادر ثرواتهم على مدى عقود، ودول كانت السبب في دمار ومأساة العديد من الشعوب. لا تخفي هذه الدول ماضيها الاستعماري ومشاركتها في دمار العديد من الدول، بل تجاهر به على أنه حق لها. أرست على مدى عقود عرفاً اجتماعياً وسياسياً على أنها شعب الله المختار ومن يقرر ومن ينقذ ومن يملك قوى لبدء أو إنهاء أي حالة أو فرد أو بلد. مخلص البشرية الذي لطالما دافع عن الحق والمظلومين والذي يملك التطور الفكري والنظري والديمقراطية غير الموجودة خارجه. هذا الاستغراب يأتي من نوعين من الناس، النوع الأول هو الجاهل والمعمى عليه والمعزول سياسياً واجتماعياً عن غيره من البشر. بالتحديد هي تلك الشعوب التي أغرقت بأحلام المجتمع الليبرالي، الذي أطعمها أفكار الأفضلية الوجودية والعرقية والإدراكية والمعرفية والديمقراطية والذي أغرقها بهم الامتلاك. من الأمثلة الأخيرة تلك التي وقعت منذ بضعة أيام حيث قام العديد من الأشخاص في الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف في طوابير لساعات طويلة أمام متجر يبيع كوباً لشركتي ستانلي وستاربكس. توثق الفيدويهات كيف قام العديد بالانتظار لساعات أما المتجر، حتى أن بعضهم قضى الليل منتظراً، وكيف هرع المنتظرون لشراء الكوب. هذه حادثة تشبه العديد من الحوادث المشابهة، هذه المرة كان كوباً في المرات السابقة كان هاتفاً أو حقيبة أو أي منتج مستهلك لا يقدم أي جديد للبشرية.
النوع الثاني، هو ضحية من مستوى آخر. هذه الضحية التي علّمها الاستعمار وعلّمتها الحروب والدمار أنه لا قيمة لها من دون موافقة الاستعمار عليها. فمثلاً نجد مناشدات وفيديوهات مستغربة ما يحدث في فلسطين. ألم يوجد الاحتلال قبل السابع من تشرين؟ هل هذه المرة الأولى التي يقوم بها الاحتلال بالمجازر والدمار؟ ألم تقم الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بالاحتلال والتدخل في العديد من دول العالم؟ أليست الولايات المتحدة الأمريكية من يقوم بحصار كوبا وجمهورية كوريا الشمالية؟ هل كان يسمح لأي صوت مناهض للاستعمار والنظام الغربي بالوجود؟ لماذا الاستغراب إذاً؟ الاستغراب هو لمن وقع ضحية منطق الغرب، ولمن سمح بوضعه ضمن خانة «المشفَق عليهم» الغربية والرأسمالية. والاستغراب لأن إدراك هؤلاء يقول لهم إن غيرهم سيقوم بالفعل وسيأخذ الموقف ذاته الذي سيأخذونه هم. كيف وضع المعتَدِي والمعتَدَى عليه في نفس الخانة، لا يمكن لشعورهما وتفكيرهما أن يتقاربا.
أما التفاعل الثالث وهو الأكثر تعريفاً عن إنسانيتنا، وهو الشعور بالذنب. نشعر بالذنب لأننا لا نتعرض للموت اللحظي، لأننا نأكل أو نشرب أو نقضي وقتاً مع المحيطين بنا. ونشعر بالذنب لأننا نعتقد أننا عاجزون عن إيقاف هذه المجزرة. وهذا يجسد أننا بشر وأننا ندرك أن غيرنا أيضاً يشعر ويفكر، كما تقول نظرية العقل. ونشعر بالذنب لأن المجتمع ينتقدنا، وتتصاعد الأصوات التي تلقي باللوم على الشعوب العربية بالتحديد وشعوب العالم بعدم القيام بأي شيء. ولهذا تتمة في المقال التالي.

لا يمكن العودة إلى الوراء (2)

يقول لنا التاريخ وتقول لنا الحياة، إنه يمكن لهما فقط التقدم، لا يمكنهما العودة إلى الوراء. لا تكونوا ضحية استغراب الحدث. ولا تضعوا الجميع في نفس الخانة. المحتل والمعتدي يعطي الشرعية لنفسه عبر تجريد ضحيته من إنسانيتها، هذا قالب يجب أن نرفض الوجود فيه. بدل التعاطي مع الاحتلال على أساس أنه ضحية يجب التعاطي معه على أساس أن الفلسطينيين أصحاب الحق. نجحت المقاومة الفلسطينية واللبنانية في إرساء هذه المعادلة، المأزق في بعض اليسار الذي لا يزال بعيداً عن النضوج السياسي، يبدو أن نظرية العقل لم تتطور عنده بعد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1157