الخاتمة التعيسة: نهاية العقل وتفريغ الإنسان

الخاتمة التعيسة: نهاية العقل وتفريغ الإنسان

عرفت مرحلة ما بعد الحداثة بكونها مرحلة التراجع عن العقلانية والتنوير بشكل خاص، ومن ضمنها الفكر العلمي. حيث شهد العالم ردة رجعية وانتعاشاً للأفكار التي جاءت النقلات الثورية البورجوازية (المبكرة) والاشتراكية على السواء لكي تتجاوزها. فعادت بقوة العنصرية والشوفينية والنزعات الانفصالية والتطرّف على كل المستويات والتباعد بين الشعوب والغرق في الشهوانية وتزايد ظواهر الفكر السّحري والأسطوري وتراجع مساحة الفكر العلمي. ولكن مع دخول الأزمة العامة للرأسمالية مرحلة متقدمة نحن أمام مرحلة جديدة تصبغ الوعي بسماتها، هي بالتحديد مرحلة نهاية العقل وليس فقط العقلانية. وسنجد مقدمات ذلك المبكرة في تيارات الفكر العلمي السائد.

عود على بدء

تم القول مراراً وفي مواد سابقة بأن الشكل التاريخي الحالي لقانون تدمير قوى الإنتاج (وليس فقط كبحها)، من قبل الرأسمالية، يتمظهر بجانب أساس منه، إضافة إلى تدمير الطبيعة، عبر تدمير العقل الإنساني. ولكن لهذا التدمير أشكال متعددة. ولا بأس من تفكيك حركة ذلك التدمير وتلمّس قانونها الخاص أيضاً الذي لا يحكم  فقط حركة الفكر والشخصية، بل يُثبِت بشكل واضح على أن تطور العقل الإنساني في مختلف جوانبه لا يسير عشوائياً، بل تحكمه مسارات ضرورية. ونقصد هنا ترابط الوعي كما هو في حالته اليومية مع الحالة التي يأخذ فيها الشكل النظري المتبلور في مجال العلوم، وبالتحديد في مجال نظريات العلم كما تعبر عن نفسها في الاتجاهات المعرفية والمنهجيات، أي في مسائل معرفة الواقع وإنتاج المعرفة وكيفية حصول ذلك.

بين العلم واليومي

للوعي أشكال مختلفة، منها العلمي والفني والفلسفي واليومي... وفي العلمي تتبلور بشكل واضح هوية الفكر في علاقته مع الواقع. فالعلم مطالب ليس فقط بالممارسة، بل بالصياغة الواعية لأدوات ممارسته. ونقصد تحديداً صياغة موقفه من الواقع الذي يدرسه، وتعريف موضوع دراساته، وتحديد الكيفية والأدوات التي عبرها سيدرس موضوعه، ولكن والأهم هو تقرير ما إذا كان يمكن معرفة هذا الموضوع أم لا. إذاً المنهجية العلمية هي تأريض النظرة الفلسفية عن العالم. ولهذا فالعلم يعبّر أكثر من غيره من أشكال الوعي عن النظرة الفلسفية. ولهذا، يشكل العلم قاعدة مبكرة لاتجاهات الوعي وكيفية تطورها كون هذا الشكل من الوعي مطالب دائماً بالتصريح عن هويته الفلسفية. ولهذا فهو يقدم دلائل تاريخية مبكرة على تطور أشكال الوعي الأخرى. ولهذا فإن النظريات المعرفية العلمية التي طبعت العلم طوال القرون الماضية تحمل في طياتها النهاية المنطقية للوعي في إطار علاقته بالواقع. ولأن الفكر اليومي يتأخر عن الفكر العلمي، فما ظهر في إطار المنهجيات والنظريات المعرفية طوال القرون الماضية يجد طريقه اليوم عبر الفكر اليومي. أي وعي مئات الملايين من البشر الذي يتلبّس ملامح اتجاهات فلسفية سبق وأن عبر عنها الفكر العلمي سابقاً.

اتجاهات معرفية ومنهجية

حملت نظريات المعرفة (إبستمولوجيا) في العلم اتجاهات مختلفة. فالنظرية المعرفية هي التي تعبّر عن كيفية معرفة الواقع. والنظرية المعرفية تفرض بدورها المنهجية التي يمكن عبرها قراءة الواقع ومعطياته. وعبر تاريخ العلم هناك نظريات معرفية مختلفة. كانت كلها محكومة في نهاية المطاف بالموقف من العالم. ولذلك فهي تعبر بالنهاية عن موقف سياسي ما أيضاً. هنالك النظرية الشكوكية والبنائية والإحصائية الحسابية والتجريبية والذرائعية والنسبية والموضوعية والمنطقية وغيرها... وكل واحدة من نظريات المعرفة هذه لها موقفها الخاص من إنتاج المعرفة وموضوع المعرفة وكيفية حصول إنتاج المعرفة. وكونها كلها تعبر عن منطلقات مختلفة تجاه الواقع، بعضها يقف موقف المحايد، والبعض الآخر موقف غير المبالي، أما الأخرى فتقف موقف القابل بكل شيء، وهكذا... ولكن في واحدة منها يحصل تفريغ التفكير من فعالية الإنسان ومن العقل، ألا وهي التجريبية الخالصة، أو التجريبية المتطرفة.

التجريبية المتطرفة

التجريبية بشكل عام هي اتجاه من نظريات المعرفة يقول بالاعتماد المباشر على المعطيات الحسية. وتقلل من أهمية التنظير والتراكم المعرفي. ولهذا فهي ترتبط بشكل وثيق بالاتجاه الحسابي الإحصائي الذي يحول المعرفة إلى عملية حسابية رقمية خالصة. ولهذا فهذا الإتجاه هو في جوهره كمّي. إنه كما يعبر عنه بعض الباحثين في المنهجيات والمعرفة: «كلما كان أكثر كلما كان أحسن». فالمعرفة بالنسبة لهذا الاتجاه هي في الكمية. تجارب أكثر (بالمعنى الكمي لا النوعي) يعني معرفة أكثر، مع إسقاط مسألة الاستدلال والتجريد والتعميم. هذه التيارات تحاول أن تكون دقيقة إلى أبعد الحدود في تحديد عاشر رقم بعد الفاصلة بعيداً عن طبيعة السؤال المطروح (الإشكالية النظرية) ومدى صحته، كما يقول فيغوتسكي. ولهذا فإن هذا الإتجاه يلغي فاعلية العقل العارف. ويغرق ويعتمد بالكامل على المعطى وما يمكن أن تنطق به الوقائع. ولكن الوقائع لا تنطق من تلقاء ذاتها. ولهذا فإن النهاية المنطقية لهذا الإتجاه هو المذهب الحسّي (sensualist). هذا المذهب يعتمد بشكل كامل على مضمون الإحساسات والوقائع المباشرة (الشكل، العدد، اللون، الحجم، التزامن المكاني والزماني...). واعتبر المذهب الحسي مقارنة بباقي اتجاهات المعرفة ملغياً للعقل بشكل واضح. فالاتجاهات المنطقية والمثالية والشكوكية والنسبية مثلاً وعلى الرغم من التشوه الذي تظهره ولكنها تبقي مكاناً للعقل. بينما يقوم الاتجاه التجريبي- الحسي بتفريغ الفكر من العقل والإنسان العارف.

في عقل المرحلة

إن مراجعة عامة للدراسات النقدية حول نظريات المعرفة في العلم في العقود الماضية يظهر هناك شبه إجماع على انتعاش كبير وواسع للتجريبية وما تحمله معها من انتقائية وتوفيقية واعتماد على العمليات الإحصائية الحسابية. هذا هو واقع العلم اليوم، تطغى فيه التجريبة. ولكن إذا ما وسّعنا دائرة النظر نحو الوعي بشكل عام، الوعي في تمظهره اليومي لدى الغالبية، فإنه يُظهر ميلاً عاماً نحو التجريبية الحسية الصافية. فالحياة (ونقصد هنا المعاني والأهداف الإنسانية والسعادة) في المجتمع الرأسمالي تُظهر كل ما ذكرناه من خصائص حول التركيز على الكمية وعلى الشكليات وعلى المحاسباتية الرقمية الصافية، وعلى تغييب الاستدلال والمساءلة وتغييب أي شكل من أشكال التفكير. ولكن هذه الملامح اليوم تصل إلى منتهاها المنطقي في نفي العقل بالكامل لدى الغالبية. وهذا له دواعمه التاريخية في مسار الأحداث وتطورها، بمعنى غياب الهدف والغاية (في العلم هي الإشكالية التي يجري البحث عنها والفرضية) وغياب الموقف من الواقع (في العلم هي النظرية والموقف الفلسفي والنظرة إلى العالم) وغياب أدوات قراءة الواقع من خلال ضرب مصادر المعلومات نفسها وغياب الفكر المادي التاريخي نفسه وتعميم الوهم والتضليل والتشكيك (في العلم هي أدوات القياس)، والأهم غياب الأفق الإجتماعي المستقبلي الذي يضرب الدافعية لمعرفة الواقع والارتباط الفاعل به.

مزيج قاتل

أن يتحول العقل الإنساني إلى عقل تجريبي، مفرّغ من الفعالية، غارق في الحسية، يعني أن ينتفي كعقل. وينتفي حامله العارف. ولهذا أطلق على التجريبية الحسية اسم «شفط/ تفريغ الذات/ الشخص» (subject vacuumed). وإذا ما جمع هذا الإتجاه مع هجوم العدمية والشكوكية والنسبية من كل صوب، نرى أن الناتج هو انتهاء العقل من الواقع وإلغائه. ونصل بشكل مباشر إلى ما سمّاه ماركس بنزع إنسانية الإنسان. هكذا هي الرأسمالية في ذروة أزمتها العامة، تقضي على كل ما هو حيّ، وتبيده. تقضي على موضوع التناقض عبر قضائها على النقيضين.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1050