_
الذاكرة الشعبية ترفض النسيان
عمر هيواني عمر هيواني

الذاكرة الشعبية ترفض النسيان

وسط رفض الكوريين، بدأت كوريا الجنوبية في السنوات الأخيرة سياسات لتعديل مناهج دراسة التاريخ لتخفيف لغة العداء تجاه فترة الاحتلال الياباني لكوريا بين عامي 1910-1945، وأنتج السينمائيون أفلاماً جديدة تُعيد للذاكرة الوطنية فترة نضال الشعب الكوري ضد الاحتلال الياباني، كاحتجاج على المساس بالرموز الشعبية والوطنية. 

النمر والصياد

قدم بارك هوون جونغ ثلاثة مستويات للصراع في فيلم «النمر: حكاية الصياد العجوز» في معالجة سينمائية مركّبة وعميقة لهوية بلاده. إذ قدّم الصراع عليها في ثلاثة مستويات متaصلة؛ التمترس وراء ثقافة تحرّض الكوريين على مقاومة الاحتلال، واختار النمر رمزاً لهذه الثقافة بوصفه حارس الطبيعة والروح الطيبة في الأساطير الشعبية، وسعى نحو خلق نموذج مغاير للبطل الذي يؤمن أن وجوده يكتمل بانتصار المبدأ والحق لا بتفوّقه وتميزه على الجميع.
يذكّر هذا الفيلم بالاستعمار الياباني، في حين تريد المناهج الرسمية نسيانه، وبهذا الشكل يطرح المخرج والسيناريست الكوري رؤيته في مواجهة الاحتلال انطلاقاً من قصة الصيّاد العجوز مين سيك تشوي الذي يعترض على تعلّم ابنه الصغير الصيد، بعد تاريخ طويل ومرير مع الطبيعة وقوانينها، فقد قتَل زوجته بالخطأ ظنّاً منه أنها وحش كاسر، ودارت بينه وبين النمور جولات عديدة، تأسّست على عداء مستحكم مروراً بهدنة ألزمت الطرفين بعدم التعرّض لبعضهما، وصولاً إلى صداقة نادرة بين خصمين قوامها الحذر المتبادل، ومساعدة كلّ منهما لغريمه إذا استدعت الحاجة، من دون أن يغمض أحدهما عينه مطمئناً إلى خصمه.
جمعت علاقة معقّدة بين النمر وصيّاده، بعد أن اقتنع كلاهما بإمكانية العيش في ظل وجود الآخر، وهنا تغزو القوات اليابانية جارتها كوريا لتبدأ أكبر حملة إبادة للنمور، باعتبارها التجسيد الرمزي للروح الوطنية الكورية، وفي هذه الأثناء يرتكب الغزاة جرائم دموية بحق البشر والشجر والحيوان.
لم يغب الانقسام بين الكوريين عن مشاهد الفيلم، فجزء منهم يناصر الاستعمار رهبة منه أو طمعاً بهباته، ومنها المكافأة التي أعلن مقابل الفتك بالنمور التي لم يبق منها إلاً نمر أعور استطاع النجاة بعد قتله العديد من الجنود الذين أنهوا حياة آخر أبنائه، وفي المقابل يقف من يرفضون الانصياع لأوامر الحاكم الياباني ومنهم العجوز تشوي، الذي لم يستطع إقناع ابنه الوحيد بعدم الالتحاق بصائدي النمور ليلقى حتفه هناك عاجزاً عن أن يستوعب رؤية والده حول الصيّاد الذي يحمي الطبيعة ولا يثأر منها.
خلَّفت تلك المواجهات الدامية ضحايا بالمئات خلال عواصف ثلجية مدمرة تهبُّ على الجبال والغابات، فلا يستطيع أحد الخروج من منزله سوى الصيّاد والنمر وهما يبكيان فقدهما عائلتيهما، وغدت وحدتهما تماثل كل القسوة والبرودة والوحشة التي تحاصرهما بفعل غضب الطبيعة وممارسات الاحتلال. وقرر الصياد في نهاية الفيلم: لا يجب أن يقتل هذا النمر بيد المحتل الياباني، وإذا قُدر له الموت فليكن بيد كورية، ويموت الاثنان سقوطاً من حافة شاهقة بعد معركة مرهقة.
النمر والصياد شخصيتان وتراجيديا على الطريقة الكورية، الأول يرفض الصيد مقابل المال أو خدمة الاستعمار، والثاني يتحدى كلّ أعدائه ولا يستسلم لهم حتى آخر لحظة.

هدير معركة النصر

فيلم يحمل اسم «من هدير المعركة إلى النصر»، وهو فيلم كوري ياباني والذي أنتج عام 2019، ويصوَّر أحداث معركة فنغودونغ بين فصائل المقاومة الكورية والإمبريالية اليابانية أثناء الاحتلال الياباني لكوريا.
في عام 1920، وعندما كانت كوريا تحت الحكم الياباني، نشطت مجموعات المقاومة الصغيرة في العديد في المناطق المحتلة، وخلال 4 أيام متواصلة، دارت معركة فنغودونغ التي هزم فيها الجيش الياباني رغم ضخامة الحشود أمام فصائل صغيرة في الجبال والغابات، تلك الفصائل التي استدرجت الحشود اليابانية باتجاه الحدود السوفييتية حيث تتمركز القوة الرئيسة للمقاومة الكورية التي شكلها الشيوعيون.
وفي هذا الفيلم أيضاً، ظهرت شخصية الضابط الياباني الدموي الذي يفتك بالنمور الكورية كنوع من التسلية، ومن أجل تحطيم الروح الكورية. وفي النهاية يُهزم هذا الضابط وحشوده شر هزيمة على يد بسطاء الناس الذين نظَّموا المقاومة لتحرير بلادهم.

رمزية النمر الكوري

منذ قرون عديدة، احتل النمر مكانة مهمة في التراث الشعبي الكوري، فهو طارد الأرواح الشريرة حسب الأساطير القديمة، وبطل معظم الحكايات الشعبية ورمز الشجاعة والقوة في الفولكلور المحلي، ويظهر أيضاً في الأعمال المنحوتة من الحجر وفي لوحات الفن القديم، وهناك أكثر من 600 سجل تاريخي عن النمور في عهد أسرة جوسون وحدها، كما يشكل النمر مادة رئيسة في لوحات التراث الشعبي التي تعرف باسم «مينهوا» وغير ذلك من مواد التراث التي تؤكد حضوره.
يظهر «النمر» كرمز كوري في فترة النضال ضد الاحتلال، وهو الرمز الذي يعيش أيضاً في الحكايات الشعبية الكورية القديمة. وحرصت الأفلام السينمائية الجديدة في كوريا الجنوبية على أن تقدمه مترافقاً مع مشاهد النضال ضد الاحتلال رفضاً لنسيان الرموز الوطنية، واحتجاجاً على تغيير مناهج التاريخ في السنوات الأخيرة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
947
آخر تعديل على الإثنين, 06 كانون2/يناير 2020 11:57