_
الفن.. الشكل والمحتوى في عصر العبودية
سلاف صالح سلاف صالح

الفن.. الشكل والمحتوى في عصر العبودية

يشكل الفن أحد عناصر البنية الفوقية القائمة على القاعدة المادية للإنتاج. وإذ كانت عناصر البنية الفوقية الأخرى (السياسيةـ الحقوقيةـ..) تمارس أشكال الإخضاع المباشر القسري لطبقات لصالح الطبقة المتسيدة، فإن الفن يمارس ذلك بشكلٍ تربوي عن طريق تشكيل الوعي الاجتماعي.

ويعجز الفن عن أداء دوره التربوي دون تمرير أو خَلْقٍ للإعجاب بمُثله الجمالية، ولذلك عليه أن يلحظ ويراعي القاعدة الاجتماعية ومُثلَها الناشئة والراسخة على السواء، ومن هنا يظهر المحتوى الطبقي للمعرفة الجمالية في كل عصر من العصور، مصبوغاً بالطابع الأيديولوجي للطبقة السائدة.
أشكال الفن ومحتواه خلال العبودية، هو ما سنحاول إلقاء الضوء عليه في مقالنا اليوم:

العام في فن عصر العبودية

لدى الانتقال من نمط الإنتاج المشاعي البدائي إلى العبودي- المدني كأول شكل من أشكال الأنظمة الطبقية بسبب التطور الهائل الذي بلغته القوى المنتجة أثناء تسجيل انتصاراتها على الطبيعة، وبِدْء الإنسان إنشاء طبيعةٍ أخرى ممثلةٍ بالمدينة. وإزاء قيام المجتمع العبودي على أساس التناقض الطبقي القائم على استثمار الإنسان للإنسان، فإن أي تطور على أشكال البنية الفوقية بدءاً من ذلك العصر، كان يتم على أساس التناقض الطبقي، وكان لابد له بالتالي أن ينعكس على الفن وظواهره وقوانينه الداخلية وأشكاله.
ولقد المحدِّد الأساس لجوهر الفن خلال ذلك العصر، هو في كونه بات يحمل الطابع الطبقي للبنية الطبقية في نمط الإنتاج العبودي، من حيث إن هذا النمط هو أكثر أنماط الإنتاج فجاجةً في تعبيرها عن استغلال الإنسان للإنسان، ولم يكن ذلك مؤطَّراً بنظام حقوقي أخلاقي واضح المعالم بعد. وقد انعكس ذلك على مفكري العصر كأرسطو ونظريته في مهام الأفراد وبنياتهم الجسمانية التي تمثل تحيزاً طبقياً واضحاً للوعي الاجتماعي مقتصراً على الإنسان البطل- السيد.
وإذ كان العنف مُورِسَ على العبيد بشكلٍ فاقع متجاهلاً حقهم بالوجود المادي الإنساني، فإنه لم تبرز الحاجة إلى نظم حقوقية سياسية واضحة منظمة لإخضاعهم، في حين لعب الفن دوره في (البرهان والإقناع). بمعنى آخر، قام بفعل التربية الشعبية في تلك المرحلة التاريخية. ونجد دلالات ذلك في ملحمتي الإلياذة والأوديسة اللتين تعكسان فنياً العلاقات العبودية المبكرة.
وخلال الفترة المبكرة لنمط الإنتاج العبودي، أدرك الإنسان ذاته كسيدٍ للطبيعة، وأعلى تجسيد لقوانينها الموضوعية، وإن لم يكن أدرك جوهرها بعد. وكان لا بد لذلك أن يجد انعكاساته في الوعي الجمالي- الفن، وأشكاله التي جسدت الإنسان الكامل المنسجم روحاً وجسداً، وقد عبّرت مُثله الجمالية عن البطل الذي استطاع أن ينتزع من القوى الخالقة- الطبيعة قواها (النار خصوصاً- الصخرـ..). وهو، وإن لا يزال عاجزاً حتى تلك اللحظة عن تملكها تملكاً تاماً، وحل ألغازها، فإنه بات ينظر في عينها مباشرةً (بروميثيوس- جلجامش ورفيقه أنكيدوـ هرقل-..). وبناءً على ذلك، نلاحظ خصوصاً خلال فترة الانتقال من البربرية إلى المدنيَّةِ العبوديةِ الحماسَ والكبرياءَ للإنسان الذي اكتشف للتو قدراته، وقدرته على الاستقلال النسبي عن الطبيعة، وهو ما تفتقده أدبيات العصور اللاحقة حين فعلت التناقضات الطبقية فِعلَها فيه مورِّثةً إياه اليأس والقهر.

الخاص في فن عصر العبودية

مثَّل ما سبق العام في المثل الجمالية في العصر العبودي. غير أن الباحثين يجدون فروقاً في طبيعة الدول العبودية المختلفة في عالم ذلك العصر. وهو ما انعكس فروقاً في التأثير على القوانين الداخلية للفن وتطوره وأشكاله في كلٍّ من (الشرق القديم: آسيا الغربية في فارس ومصر- العالم القديم: اليونان وروماـ الشرق الأقصى: الهند والصين).
في الشرق القديم: شكَّل الدين لدى ممالك الشرق القديم الدعامة الصارمة التي استند إليها أرستقراطيو القبائل الآخذة بالتفسخ في سلطتهم، والتي خرج عنها شكل الحكم الممثَّل بإحكام قبضة قيصر وفرعون على السلطة، وعدم وجود حصانة لأي فرد من الأحرار تحميه من تدني رتبته إلى العبد. وهكذا اتخذت البطولة والتسيّد طابعاً غامضاً في الشرق القديم، ارتبط بالقوى الخارقة والبطل غير المكرر الفريد. لقد شكَّل اتحاد الدين بالسلطة شكلاً من أشكال الرقابة على أشكال الفن والمُثل الجمالية. وقُيِّدَ المثل الجمالي في الشرق القديم بفرادة الحاكم الغامض وسطوة قدرته المستمدة من القوى الخالقة الغامضة. لكنه وجد متنفسه في فن العمارة وبناء قبور الأسياد كالأهرامات والرسوم واضحة الملامح الفريدة الوجوه لقرائن الموتى والمومياءات.. وظلَّت المُثل الجمالية غامضة غير محددة مرتبطة بالوجه الفريد غير المتكرر المعيَّن من الطبيعة الجبارة الخارجة عن قدرات البشر كأبي الهول في مصر.
وعليه، إذا كان نظام العلاقات الاجتماعية في ممالك الشرق القديم أثَّر على الأشكال التي عبَّر فيها الوعي الجمالي عن نفسه، غير أنه لم يؤثر على محتوى الفن كحاجة للمعرفة للعالم الموضوعي؛ فالأشكال الجمالية عرضت محتواها المعرفي في الأهرامات والمومياءات.. فالوعي الجمالي يسعى إلى البحث عن المعرفة وعبر كل الدروب الممكنة والمتاحة لتحقيق الحاجات الاجتماعية ضمن نظام العلاقات الاجتماعية القائم. والفن والدين يرتبطان بالظروف الاجتماعية وخصائص تطور النظام في المجتمعات المختلفة.
في العالم القديم: لقد كان العمل أساساً للتطور، وفي حين بات محتقراً مقتصراً في الممارسة على العبد في ممالك الشرق، فإن ذلك الاحتقار له لم يكن وجد طريقه إلى طبقة الأحرار في اليونان بعد، فهذه الطبقة (البنائون والحرفيون ومنهم الفنانون والنساجون إلى جانب القادة المحاربين..) شاركت في كل إنجازٍ حققته اليونان في ذلك العصر. وتمتعت بحقوق انتزعتها بنضالها السياسي. حتى طابقت صفات الآلهة صفات الأحرار، (النحات ديدال طابقت صفاته هيفايستوس إله الحديد).
نمت العلاقات العبودية إذاً في اليونان بشكلٍ أقل تعقيداً أخرج أخيراً جمهورية أثينا العبودية، والتي اعتبرت الإنسان الحر أساساً لجمهوريتها. وقد وجد ذلك انعكاسه على مُثلها الجمالية التي ارتبطت كليةً بالإنسان الحر وقواه ووجوده المادي وصفاته الإنسانية المشتركة في المجموع ضمن الطبيعة كهضبة الأكروبوليس في أثينا. وبسببٍ من إقرار الفن في اليونان للإنسان الحر في مجموعه- وليس الفريد غير المكررـ مثلاً جمالياً أعلى مرتبطاً بوحدة عضوية بين (الكون- العقلي والجمال- الحسي)، تطورت الأشكال الفنية بمرونة وتعددت، فظهرت التراجيديات والشعر والرسم وجميع أشكال الفن التشكيلي إلى جانب العمارة..
وإذ ظهر العبيد عليها للدلالة على ثراء السيد ، فقد ظهرت الحِرف على اللقى الأثرية اليونانية. لقد كانت الديمقراطية حتى في طور العبودية شرطاً لازماً للنهوض الفني في أثينا، ومثل فن اليونان الكلاسيكي (طفولة المجتمع الإنساني الرائعة فعلاً).
حدث ازدهار الفن في عصر العبودية المبكرة، قبل أن تحتم الضرورات التاريخية مركزيةً مطلقةً وعاليةً في الحكم نتج عنها تناسبٌ عكسي بين التطور الاقتصادي الاجتماعي والتطور في الفن الذي يزدهر في ظروف ديمقراطية، ولو أنه ظل فناً لمالكي العبيد.
تميّز العصر العبودي إذاً فكرياً بالبحث عن القوانين الموضوعية للعالم ضمن أدوات الوعي والقدرات الذي بلغها الإنسان في تلك الفترة التاريخية المحددة، وانصبّ الجهد المعرفي لاستخلاص العام الذي يربط ظواهر العالم ببعضها. وهو إذ تجلى لدى حضارات الشرق القديم بما يسميه الباحثون (علم جبر الجمال)، فقد تجلى لدى اليونانيين باعترافٍ صريح بوجود الإنسان الحر شاهداً وباحثاً أساساً وصانعاً لكلّ منجز في تجاهلٍ تامٍّ لطبقة العبيد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
939
آخر تعديل على الإثنين, 11 تشرين2/نوفمبر 2019 11:47