_
من يستعيد يوسف العظمة وسليمان الحلبي؟
عمر هيواني عمر هيواني

من يستعيد يوسف العظمة وسليمان الحلبي؟

في يوم الأربعاء 17 حزيران من عام 1800، بدأ تنفيذ الحكم بعد دفن جثة الجنرال كليبر، وبدأ حكم الإعدام الوحشي بإحراق اليد اليمنى للبطل سليمان الحلبي، اليد التي أمسكت بالخنجر المغروز في صدر الجنرال الفرنسي كليبر، وتلا عملية الحرق إعدام وحشي على الخازوق.

عمر هيواني
أخذ الفرنسيون جثمان الشهيد معهم إلى فرنسا، ووضعوا جمجمته في «متحف الإنسان» في قصر شايو في باريس إلى جانب جمجمة الفيلسوف ديكارت. كتب تحت الجمجمة الأولى «جمجمة العبقري ديكارت» وتحت الثانية «جمجمة المجرم سليمان الحلبي»! في إهانة كبرى للشعبين السوري والمصري.

متحف إهانة الشعوب

متحف الإنسان هو متحف أنشأه عالم الأعراق الفرنسي بول ريفيه سنة 1937 ويعد امتداداً لمتحف علم الأعراق في تروكاديرو الذي أنشئ سنة 1878. ومتحف الإنسان مركز بحثي يخضع لإشراف عدة وزارات فرنسية وللمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي CNRS، ويعد متحف الإنسان واحداً من سبعة أقسام يضمها المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس. ويحتوي على دمى كبيرة تمثل شعوب المستعمرات الفرنسية السابقة.
«متحف الإنسان» في قصر شايو، شاهد على وحشية عصر الاستعمار والرأسمالية، وهو يحمل إهانة بالغة للجزائريين لما يحتويه من معروضات تمس أهاليهم وأجدادهم، حيث إن المتحف يحتوي على عدد من جماجم الرجال المشاركين فى المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي منذ عام 1839 وحتى عام 1962، وكشفت تقارير أن هناك 18 ألف جمجمة محفوظة في المتحف، منها 500 جمجمة فقط تم التعرف على هويات أصحابها، من ضمنهم 36 قائداً من المقاومة الجزائرية، قتلوا ثم قطعت رؤوسهم أواسط القرن التاسع عشر، وظلت تلك الجماجم مختفية حتى أزيح عنها الستار فى 2011.

عرائض شعبية لاستعادة الشهداء

أطلق الشعب السوري والشعب المصري في وقت سابق في القرن العشرين حملات لجمع التواقيع الشعبية لإرسالها إلى الحكومة الفرنسية مطالبين بعودة رفات سليمان الحلبي.
وفقاً لإذاعة فرانس 24، فإن واقعة إثارة موضوع الجماجم جاءت على يد باحث من أصل جزائري مقيم فى فرنسا يدعى علي بالقاضي، وفى العام نفسه صدرت عريضة تطالب باسترجاعها، غير أنها لم تلق رواجاً كبيراً، لكن تمكن أستاذ جزائري فيما بعد من جمع قرابة 30 ألف توقيع لاسترجاع بلاده رفات وجماجم رجال المقاومة الجزائرية.

من هو سليمان الحلبي؟

سافر سليمان الحلبي «1777-1800» من حلب إلى القدس، ثم سافر من غزة في قافلة تجارية للصابون والدخان، ووصل القاهرة بعد 6 أيام. ذهب إلى الأزهر وسكن هناك، وكان من معه يعرفون بأنه حضر لمقاومة الاحتلال الفرنسي.
كان عمره حوالي 24 عاماً حين اغتال قائد الحملة الفرنسية على مصر، حيث كان كليبر ومعه كبير المهندسين بالبستان الذي كان بداره في حي الأزبكية وهو مقر القيادة العامة في القاهرة، فتنكر سليمان الحلبي في هيئة شحاذ ودخل عليه في حديقة قصره يوم 14 حزيران 1800م، وقتله بأربع طعنات متوالية أردته قتيلاً، وحين حاول كبير المهندسين الدفاع عن كليبر طعنه أيضاً ولكنه لم يمت.
اندفع جنود الحراسة الذين استنفرهم الصراخ فوجدوا قائدهم قتيلاً، وامتلأت الشوارع بالجنود الفرنسيين وخشي الأهالي من مذبحة شاملة انتقاماً من الاغتيال، بينما تصوّر الفرنسيون أن عملية الاغتيال هي إشارة لبدء انتفاضة جديدة، أما سليمان فقد اختبأ في حديقة مجاورة. إلى أن أمسكوا به بعد يومين.
جرت المحاكمة العسكرية بسرعة، وحكموا عليه حكماً مشدداً بالإعدام، بحرق يده اليمنى، ثم وضعه على خازوق، ويبقى على الخازوق لحين تأكل الطيور جثته، ونفذوا ذلك في مكان علني يسمى تل العقارب في مصر القديمة.

ثورات القاهرة الأولى والثانية

اندلعت ثورة القاهرة الأولى بتاريخ 21 تشرين الأول عام 1798، وهاجم المصريون مقرات الجيش الفرنسي بالحراب والبنادق القديمة، وقتلوا حاكم القاهرة الفرنسي وتحصنوا بأسوار الحارات والأزقة ونصبوا المتاريس على مداخلها، ولكن فاتهم أن يحتلوا الأماكن المرتفعة المطلة على الحارات، فسارع نابليون باحتلالها، ونصب مدافعه التي قصفت أحياء القاهرة وقتل عدداً كبيراً من الناس.
انتهت الثورة بعد أن لقنّت الفرنسيين درساً، وبتاريخ 20 آذار 1800 انفجرت ثورة القاهرة الثانية. انطلقت الثورة من حي بولاق واستمرت قرابة شهر حتى تمكن الجنرال كليبر من ضرب أحياء القاهرة ومتاريس الثوار وإحراقها بالمدافع في 21 نيسان عام 1800.
انتهت الثورة الثانية، ولكن النضال ضد الاحتلال تواصل، وقدم سليمان الحلبي من سورية للمشاركة في المقاومة ونجح بقتل الجنرال كليبر قائد الحملة الفرنسية بتاريخ 14 حزيران 1800 ودفع حياته مع زملائه ثمناً لذلك.

أين دفن يوسف العظمة؟

في السياق نفسه، أخفى الاستعمار الفرنسي مكان دفن رفات يوسف العظمة وزير الحربية السوري الذي قاد معركة ميسلون عام 1920، بالإضافة إلى رفات 300-400 شهيد سقطوا في معركة ميسلون.
ما فعله الفرنسيون، هو محاولة منع تحول قادة حركات المقاومة في مصر والجزائر وسورية إلى رموز للشعوب. وبالتالي، تعمدت إهانة الشعب الجزائري عبر جمع جماجم رجال المقاومة في متحف الأعراق العنصري، وإهانة الشعبين السوري والمصري عبر طريقة عرض سليمان الحلبي، وإهانة كبرى للشعب السوري عبر إخفاء رفات وزير الحربية يوسف العظمة وشهداء معركة ميسلون. وهذه هي طريقة الاستعمار القديم في حرب الرموز والإشارات. أما الطريقة الحالية، فهي محاولات التمييع الليبرالية لتلك الرموز.

معلومات إضافية

العدد رقم:
919
آخر تعديل على الإثنين, 24 حزيران/يونيو 2019 14:52