ماركس المحرر الصحفي
لؤي محمد لؤي محمد

ماركس المحرر الصحفي

غالبًا ما يذكر ماركس كفيلسوف أو كسياسي واقتصادي. ولكنه ترك بصمته كمحرر في الصحافة أيضاً. 

الجريدة الرينانية

تخرج ماركس من الجامعة وأقام في مدينة بون، حيث كان يأمل الحصول على منصب أستاذ في الجامعة، ولكن السياسة الرجعية التي كانت تسلكها الحكومة، أقصت عدداً من الأساتذة والفلاسفة عن مناصبهم، ومنعت آخرين من إلقاء المحاضرات في جامعة بون، أو الدخول إليها مثل: لودفيغ فورباخ وبرونوباور، هذه السياسة الرجعية التي دفعت كارل ماركس إلى العدول عن الحياة الجامعية.
في ذلك الوقت، كانت أفكار الهيغلية اليسارية تنتشر بسرعة كبيرة جداً في ألمانيا، وبدأ لودفيغ فورباخ توجيه النقد إلى اللاهوت والاتجاه نحو المادية التي أحرزت الغلبة نهائياً في فلسفته سنة 1841 «كتاب جوهر المسيحية». وأسس بعض البرجوازيين الراديكاليين في رينانيا، والذين كانوا على تماس بالهيغليين اليساريين، جريدة معارضة في مدينة كولونيا، باسم الجريدة الرينانية «صدرت منذ أول كانون الثاني 1842»، ودعي ماركس، وبرونوباور للعمل كمساهمين رئيسَيْن فيها.
سرعان ما أصبح ماركس رئيس تحريرها في تشرين الأول سنة 1842. وأخذ اتجاه الجريدة الديمقراطي الثوري يزداد وضوحاً تحت إدارته. فعمدت الحكومة في أول الأمر إلى إخضاع الجريدة لرقابة ثنائية، بل ثلاثية، ثم قررت إغلاقها نهائياً في أول كانون الثاني سنة 1843. وكان على ماركس أن يستقيل من رئاسة التحرير قبل ذلك التاريخ، ولكن ذهاب ماركس لم ينقذ الجريدة، إذ إنها توقفت عن الصدور في آذار سنة 1843. ومن أهم المقالات التي نشرها ماركس في «الجريدة الرينانية»، يشير إنجلس إلى مقال حول أوضاع الفلاحين في مزارع الكروم في وادي الموزيل.

الحولية الألمانية الفرنسية

أدرك ماركس من نشاطه الصحفي أن معلوماته في الاقتصاد السياسي لم تكن كافية، فاندفع بحماسة إلى دراسته. وفي خريف عام 1843، انتقل ماركس إلى باريس ليصدر في الخارج مجلة راديكالية مع أرنولد روغه، ولكن لم يصدر من هذه المجلة المسماة «الحولية الألمانية الفرنسية» سوى العدد الأول، إذ اضطرت للتوقف بسبب صعوبات ناجمة عن توزيعها بصورة سرية في ألمانيا وبسبب الخلافات مع روغه.
دلت مقالاته في المجلة على أنه تحول إلى ثوري ينادي بانتقاد لا هوادة فيه لكل «ما هو قائم» وتوجه بندائه إلى الجماهير وإلى البروليتاريا. وفي أيلول سنة 1843. جاء فردريك إنجلز إلى باريس لقضاء بضعة أيام فيها فأصبح منذ ذلك الحين رفيق دربه.
طرد ماركس من باريس سنة 1945 لكونه ثورياً خطراً، بناء على إلحاح الحكومة البروسية. فجاء إلى بروكسل وأقام فيها. وفي ربيع 1847 انتمى ماركس وإنجلز إلى جمعية سرية للدعاية هي عصبة الشيوعيين، وقاما بدور بارز في المؤتمر الثاني لهذه العصبة المنعقد في لندن، في تشرين الثاني 1847. وبناء على تكليف المؤتمر وضع ماركس وإنجلز «البيان الشيوعي» المعروف الذي نشر في شباط سنة 1848.

الجريدة الرينانية الجديدة

عندما انفجرت ثورة شباط 1848، طُرد ماركس من بلجيكا، فعاد إلى باريس ليتركها بعد ثورة آذار، ويعود إلى ألمانيا ليقيم في مدينة كولونيا، حيث صدرت من أول حزيران 1848 إلى 19 أيار سنة 1849 «الجريدة الرينانية الجديدة» التي كان ماركس رئيس تحريرها.
أثبت مجرى الأحداث الثورية في 1848 – 1849 كما أثبتت فيما بعد جميع الحركات العمالية والديمقراطية في جميع بلدان العالم صحة النظرية الجديدة على نحو ساطع. وأقدمت حركات الردة التي انتصرت أول الأمر على إحالة ماركس إلى القضاء، فُبرِّئ في 9 شباط سنة 1849 ثم نُفي من ألمانيا في 16 أيار 1849. فانتقل أولاً إلى باريس، حيث طرد منها أيضاً بعد تظاهرة 13 حزيران 1849. ثم ذهب إلى لندن حيث عاش حتى وفاته.
إنّ ظروف حياة المهاجر هذه كانت مضنية إلى أقصى حد، كما تكشف عنها المراسلات بين ماركس وإنجلز المنشورة سنة 1913، فقد عاش ماركس وعائلته تحت وطأة الفقر، ولولا المساعدة المالية الدائمة المخلصة التي كان يقدمها له إنجلز، لاستحال على ماركس لا إنجاز كتاب «رأس المال» وحسب، بل لكان هلك حتماً من البؤس.

جريدة نيويورك تريبيون

عمل ماركس في جريدة نيويورك تريبيون بعد أن التقى بصحفي أمريكي هو: تشارلز دانا، الذي طلب منه مراسلة الجريدة حول الوضع في ألمانيا. واعتقد أن ماركس وإنجلز نظرا إلى تريبيون على أنها وسيلة لنشر وجهات نظرهم والتأثير في عدد كبير من القّراء. ونشر بمساعدة إنجلز 500 مقال في نيويورك تريبيون، وجمعت تلك المقالات في 7 مجلدات.
تأسست جريدة نيويورك تريبيون عام 1841، وسرعان ما أصبحت أكبر جريدة في العالم «200 ألف نسخة»، وضمت العديد من المراسلين الأجانب ومنهم ماركس، الذي نشر فيها العديد من المقالات بين عامي 1852-1861.
لا تشبه مقالات ماركس ما تنشره صحافة اليوم، وهي في كثير من النواحي لا تشبه ما كانت تنشره الصحافة الأنجلو- أمريكية في القرن التاسع عشر أيضاً. بل تشبه تلك المقالات التي تعلن وكالة رويترز الحرب عليها: «القيم الماركسية في تحرير الأخبار».
سافرت مقالاته عن طريق البواخر من بريطانيا إلى نيويورك، وبالتالي كانت تنشر بعد 15 يوماً من كتابتها. وتمحورت نصوصها حول ارتفاع أسعار الذرة، والانتخابات، والانتفاضات، وشرارة الثورات، وحرب الأفيون، والحرب الأهلية الأمريكية، والاستعمار والحرب والتجارة الحرة، وحروب بريطانيا مع الصين، والاضطرابات في أوروبا، وتأثير الاستعمار والمقاومة في الهند وغير ذلك.

معلومات إضافية

العدد رقم:
914
آخر تعديل على الإثنين, 20 أيار 2019 12:29