_
الثقافة المهجورة والأقلام المأجورة
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

الثقافة المهجورة والأقلام المأجورة

الحرب التي تحكم على الحياة بالإعدام، هي نفسها التي توصل البؤس للثقافة وللأقلام، فالأدوات المتحكمة بهذه وتلك هي نفسها غالباً، خاصة مع مساعي تكريس انعدام القيم، وصولاً للانحطاط والتخريب العام الذي تسعى إليه قوى الحرب والدمار والفاشية، في مشروعها المسمى اختصاراً بالفوضى الخلاقة.

ففي زمن الحرب تغدو الكتابة والقراءة من الرفاهيات، أمام ضرورات البقاء، ومع الأزمات المرافقة للحروب وانعكاساتها على المستوى الاقتصادي، تتبدل أولويات الإنسان باتجاه مقومات الحياة أولاً، وخاصة على المستوى المعيشي.

فتصاب المكتبات ودور الثقافة والمسارح والمنتديات، وغيرها مما يمكن أن يطلق عليه بوابات المعرفة والاطلاع والتثقيف، بالمزيد من الهجران والنكران، ويصاب العاملون في الضخ الثقافي والمعرفي بها بالكساد، كأي بضاعة أخرى، في زمن التسليع الجائر الجاري بحق كل شيء، والذي تزداد غلواؤه في زمن الحرب، التي تأكل الأخضر واليابس.

على الطرف المقابل تزداد بسطات الفلافل أو غيرها، استقطاباً، بحكم الحرب والإفقار والجوع والأولويات، من الطبقات المسحوقة، فيما تصبح المطاعم الفاخرة أكثر اكتظاظاً وذلك بسبب الزيادة الطارئة على أعداد أصحاب الثروات، المتمثلين بتجار الحروب والأزمات.

منافسة واقعية، غير شريفة أو عادلة، تفرضها الحروب على بوابات المعرفة والتثقيف، والنتيجة أن بعضها يتحول بقدرة قادر إلى نشاط آخر، مختلف كلياً عن سابقه، أو يتم إغلاقه بسبب الخسائر، فلا عجب إن رأينا مكتبة وقد تحولت إلى محل لبيع المأكولات الشعبية، أو معرضاً تم إغلاقه.

وفي ظل هذه المفرزات الملموسة لأية حرب ومفارقاتها، تبدو الفرصة سانحة أمام الكثيرين من متسلقي الثقافة، الذين يجدون الرعاة والممولين، والذين غالباً ما يكونوا هم أنفسهم من قوى الحرب والدمار، عبر أدواتهم العديدة والكثيرة، والتي يزداد نشاطها وتصبح أكثر فاعليةً وعمقاً في زمن الحرب والأزمات، وذلك من أجل تسخير هؤلاء المتسلقين وأقلامهم في خدمة الحرب وأهدافها، بالشكل المباشر وغير المباشر، وسواء علم هؤلاء بهذه الأهداف وأدركوها أم لم يعلموا.

وما من شك بأن قارئ هذه الأسطر قد تبدّى في مخيلته الكثير من الأسماء التي لمع نجمها خلال سني الحرب والأزمة، ممن تسلق ليس على ميدان الثقافة فقط، بل وعلى آلامنا وآمالنا كذلك الأمر، عبر ممولين ومروجين إعلاميين وسياسيين، وربما من منظمات محلية ودولية، كما من دول بذاتها، فمأجورو الأقلام عموماً لا تروجهم إلا الأزمات التي يعيشون وأقلامهم عليها، وهم على ذلك ليسوا بعيدين عن التصنيف ضمن خانة تجار الحروب والأزمات، والفاعلين بها والقائمين عليها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
832